العلم لم يكن يوما حكرا على الغرب.. هذا ما قدمه الآخرون

العلم لم يكن يوما حكرا على الغرب.. هذا ما قدمه الآخرون

نشر موقع “بلومبرغ” الأمريكي تقريرا تطرق فيه إلى ما تداوله الغرب منذ عقود عن أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة تمثل أقطاب الاكتشافات العلمية والآباء المؤسسين للنظريات العلمية التي غيرت العالم والإنسانية.

وقال الموقع، في تقريره، إنه من السهل دحض هذا الرأي من خلال العودة إلى تاريخ العلوم التي أسسها علماء مثل ابن الهيثم الذي ينتمي إلى شبكة من المفكرين نشأت في آسيا الوسطى والشرق الأوسط في عهد الخلافة العباسية.

وذكر الموقع أن المعلق المحافظ بين شابيرو أثار ضجّة مؤخرًا عندما أعلن أن العلوم التجريبية والبحوث الأساسية تخصّان الثقافة الغربية، حيث قال إن “فكرة [الفرضيات] تُرفض من خلال الأدلة… وفكرة استكشاف العلم من أجل العلم … تبدو خاصّة إلى حد ما بالغرب، ولهذا السبب ترى المفكرين في الغرب مثل إسحاق نيوتن… يحاولون تحديد القواعد العامة للكون بطريقة كان قلة قليلة من الناس يعملون بها في حضارات أخرى”.

وأورد الموقع أن المعلقين الآخرين سارعوا إلى التنديد بهذا التصريح، مشيرين إلى أن فكرة العلم التجريبي قد نشأت على نطاق واسع في الشرق الأوسط مع عالم الفيزياء المسلم حسن بن الهيثم، الذي ولد في البصرة سنة 965 م، وانتقل إلى القاهرة وعمل في مشاريع الهندسة المدنية أثناء دراسته لعلم البصريات وعلم الفلك.

وكان استخدام ابن الهيثم للتجارب لتحدي النظريات البصرية وصقلها مشابها لعمل نيوتن، في حين أن إصراره على الشك القائم على الأدلة يظهر في أعمال الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون الذي طور المفهوم الحديث للمنهج العلمي.

وأوضح الموقع أن التفكير العلمي لا ينتمي إلى الغرب، ولم يصبح البحث الأساسي نشاطًا غربيًا حصريًا إلا في العصر الحديث.

وعلى الرغم من أن أوروبا والولايات المتحدة سيطرتا على الاكتشافات العلمية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا أن العديد من البلدان الأخرى قدّمت مساهمات كبيرة، على غرار الفيزيائيين اليابانيين الذين اخترعوا الكثير من النظريات الحديثة حول القوات النووية ونظريات الكم للتفاعل الكهربائي.

وأشار الموقع إلى أنه من غير المحتمل أن يكون شابيرو أو معظم الداعمين الشوفينيين للإنجازات الغربية، مدركين لهذا العمل العلمي لأن الوعي بالاكتشافات العلمية يعتمد بشكل أساسي على القرب اللغوي والجغرافي. ولكن ما الذي يفسّر هيمنة بلدان شمال أوروبا على الترشيحات لجوائز نوبل العلمية؟

وأوضح الموقع أن هذا الأمر يعود لحقيقة أن دولا مثل الدنمارك وسويسرا تحظى بثقافات ذات توجه علمي أوسع، أو لأنها تميل إلى إنفاق أموالها على الجامعات العلميّة بدلاً من شركات البحث والتطوير. وربما يتعلق الأمر بحقيقة أن من يُقدمون جائزة نوبل هم علماء سويديون.

وعلى الرغم من أن السويديين يبذلون قصارى جهدهم ليكونوا محايدين وموضوعيين، إلا أنهم على الأرجح أكثر دراية بعمل العلماء الموجودين ضمن محيطهم.

وقد أصبحت اللغة الإنجليزية اللغة المعتمدة دوليا لنشر العلوم، في حين أن العلماء اليابانيين لا يزالون ينشرون بحوثهم باللغة اليابانية.

ونوه الموقع بأن شابيرو محق في تثمين العلوم الأساسية رغم تفكيره الضيق واعتناقه الشوفينية. ففي الحقيقة، تمثل الاكتشافات العلمية محركًا مهمًا للحياة اليوميّة في الدول الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر.

وقد امتدت نتائج هذه الاكتشافات لإثراء الكوكب بأكمله، إلا أنه من غير الحكمة التفكير في العلم باعتباره حكرا على الأمريكيين والأوروبيين.

وأكد الموقع أن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة بدأت تنسى الدور الرئيسي الذي لعبه العلم في عظمتها.

ويتجلى لك في انخفاض معدّل الإنفاق على الأبحاث الفيدرالية، على مدار العقود القليلة الماضية. ولكن بفضل زيادة ميزانيات شركات البحث والتطوير، ظل إجمالي الإنفاق على الأبحاث في الولايات المتحدة في مستوى مرتفع إلى حد ما.

في المقابل، لا يستفيد النشاط التجاري عادةً من اكتشافات بعيدة المدى مثل نظرية تسلسل المحتوى الوراثي البشري، لذلك تحتاج الحكومة إلى تمويل مثل هذه الأبحاث.

وأورد الموقع أن الحركة المحافظة، التي ينتمي إليها شابيرو، هاجمت الأسس المؤسسية للتفوق العلمي الغربي. وقد سعى الرئيس دونالد ترامب بدوره إلى تخفيض تمويل البحوث العلميّة لكنه لم يكن الأول.

فخلال الإدارة الرئاسية السابقة، حاول الجمهوريون في الكونغرس خفض التمويل للمؤسسة الوطنية للعلوم، بينما خفّض بعض المحافظين الجمهوريين نسبة الإنفاق على الجامعات البحثية.

وخلص الموقع إلى أن كراهية المحافظين تجاه الأبحاث الجامعية تعود إلى قضية تغير المناخ، إذ تعارض الأيديولوجيا المحافظة إصرار العلماء على أن الاحترار العالمي الذي يسببه الإنسان يمثل تهديدًا كبيرا.

وتهدّد هذه الكراهية بتقويض المزايا التي جعلت من الولايات المتحدة قوة تكنولوجية مهيمنة على مدار القرن الماضي؛ تماماً مثلما تشكّل إنجازات حسن بن الهيثم تناقضًا حادًا مع الوضع المتخلّف الحالي في الشرق الأوسط في مجال العلوم.