لا تراهنوا على أحد، فكلهم رضعوا حليب الصهيونية.. راجعوا التاريخ

الإعلامي أحمد حازم
رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، الذي يحلو لأنصاره تسميته “الملك بيبي”، بسبب طول فترة جلوسه على كرسي رئاسة الحكومة، هو حديث الساعة عند خصومه وأنصاره في آن واحد. فالخصوم لا يريدون بقاءه في رئاسة الحكومة، ويسعون إلى إبعاده بأي ثمن، فيما يرغب أنصاره في بقائه على رأس الحكومة، حتى لو أكمل نصف قرن في رئاستها.
وما يسمى بـ “المعارضة”، وأعني الأحزاب اليهودية، ليس لها برنامج سياسي موحد، بسبب اختلاف ايديولوجياتها، لكنها متفقة على إسقاط نتنياهو. وفي هذه النقطة بالذات، تلتقي القائمتان العربيتان “المشتركة” و”الموحدة” مع هذه الأحزاب.
تكتل أحزاب اليمين برئاسة نتنياهو عاجز عن تشكيل حكومة، لأنه لا يملك 61 مقعدًا، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على أحزاب المعارضة. فما الحل في هذه الحالة؟
من الواضح وجود خيارين لا ثالث لهما أمام المعارضة والائتلاف: إما التحالف مع القائمتين العربيتين وبشروطهما، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية بين آيزنكوت ونتنياهو. بمعنى أن أحزاب الكنيست العربية هي بيضة القبان. لكن المشكلة أن قادة الائتلاف وقادة المعارضة كثيرًا ما صرّحوا بأنهم لا يريدون التحالف مع العرب، إلا أنه لا يمكن إسقاط نتنياهو من دون التحالف معهم.
وبما أن السياسة تتغير بين ليلة وضحاها، فليس من المستبعد أن يكون العرب، وفق تعبير يوسف جبارين، “شبكة أمان” للمرشح آيزنكوت. لكن المشكلة تكمن في أنه، في حال توصية “المشتركة” و”الموحدة” بآيزنكوت، من يضمن عدم تغيير موقفه والعودة إلى حكومة وحدة وطنية مع نتنياهو؟ نحن نحلل فقط.
إن عدم القدرة على نيل أغلبية المقاعد في الكنيست (61 مقعدًا على الأقل من أصل 120) يُدخل إسرائيل في أزمة تشكيل حكومة. ومن السيناريوهات المحتملة: إعادة الانتخابات، وهذا أمر حدث أربع مرات بين عامي 2019 و2021، أو تشكيل ائتلاف غير متجانس، أو تأليف حكومة أقلية مع استجلاب دعم غير علني من الكتلة العربية، أو التناوب على رئاسة الحكومة، كما حدث عام 2021 بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، مع رفض نتنياهو هذا الخيار مطلقًا (كما رفضه غادي آيزنكوت قبل أيام في حالة عدم الحسم)، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، ومن شبه المستحيل تحقيق ذلك مع نتنياهو.
كل دول المنطقة، وحتى دول أوروبية، تتمنى خروج نتنياهو من السلطة في إسرائيل، وهو الأمل الوحيد لتغيير مشهد المنطقة. لكن المشكلة ليست في نتنياهو فقط، بل في النزعة اليمينية المتطرفة التي تهيمن على الشارع الإسرائيلي.
تعالوا نضع النقاط على الحروف: المنافس الأبرز لنتنياهو، غادي آيزنكوت، هو أحد مطوّري “عقيدة الضاحية” عام 2006، القائمة على ممارسة الضغط على حاضنة الحزب وتدمير حواضرها، مبنى تلو الآخر، لتحقيق معادلة الردع. وهذه العقيدة ما زالت سارية المفعول. وقد وجّه آيزنكوت انتقادات إلى نتنياهو خلال الحرب الأخيرة على لبنان، بسبب التزامه بتوجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووضعه قيودًا على حركة الجيش الإسرائيلي.
اسمعوا ما تقوله صحيفة “جيروزاليم بوست” في تقرير لها عن سياسة قادة المعارضة في إسرائيل، نُشر في الثالث من أيلول/سبتمبر الماضي. يقترح آيزنكوت إنشاء ما وصفه التقرير بـ”منطقة قتل” أميركية حول المواقع الإيرانية الحساسة التي قد توجد فيها مخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب.
وبحسب التقرير نفسه، يريد آيزنكوت الإبقاء على شكل من أشكال المنطقة الأمنية في لبنان وغزة وسوريا. لكن المشكلة لديه لا تكمن فقط في وجود القوات الإسرائيلية في المنطقة الأمنية، بل في الغرض من ذلك. فالسيطرة على الأرض ينبغي أن تكون ورقة تفاوضية لتحسين الشروط الاستراتيجية، لا هدفًا دائمًا بحد ذاته.
وتعهّد آيزنكوت بمنع “حركة حماس” من حكم غزة، تنفيذًا لخطة ترامب للسلام، وتدمير جناحها العسكري خلال 18 شهرًا من توليه السلطة. وفي لبنان، انتقد نتنياهو بسبب قبوله وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، واصفًا ذلك بأنه استسلام غير معقول. وهو يؤيد إقامة منطقة أمنية بعمق 8 كيلومترات، وهذا العمق كافٍ، برأيه، لمنع الحزب من استخدام الصواريخ المضادة للدروع ضد المناطق الحدودية الإسرائيلية.
أما بشأن نفتالي بينيت ويائير لابيد، فقد ذكرت الصحيفة أنهما ينتميان إلى اليمين القومي الاستيطاني. فبينيت يعتبر حل الدولتين كارثة لإسرائيل، فيما يؤكد لابيد أنه ضد العودة إلى حدود عام 1967، ويرى الاثنان أن “نتنياهو لم يكن حازمًا كما ينبغي”.
هؤلاء هم قادة المعارضة الذين توصي “المشتركة” و”الموحدة” بهم. كلهم من الطينة نفسها، وإن اختلفت الألوان، وكلهم ينتمون إلى مدرسة واحدة اسمها “الصهيونية”.