معركة الوعي (308) قراءة أولية في نتائج الانتخابات للكنيست الصهيوني فشل الرهان على حكومة تغيير وليلة سقوط وَهْم التأثير

حامد اغبارية
1)
رغم عدم الانتهاء من فرز جميع الأصوات، وعدم استقرار الأرقام النهائية للمقاعد التي حصلت عليها القوائم المتنافسة، حتى ساعة كتابة هذا المقال (صباح أول من أمس الأربعاء)، فإنه يمكن قراءة المشهد الإسرائيلي القادم على أثر الانتخابات للكنيست الصهيوني في مجموعة من السيناريوهات، وجميعها تشير تقريبا إلى أنّ وَهْم تأثير الأحزاب العربية (المشتركة والموحدة) قد سقط ليلة الأربعاء، ذلك أن الذي يحدث في المجتمع الإسرائيلي بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023، غير مسبوق، وهذا ما لم تُحسن الأحزاب العربية قراءته، والعمل بموجبه، رغم أن كل المؤشرات كانت تقود إلى نتيجة واحدة: نحن أمام مجتمع إسرائيلي، على المستوى السياسي والشعبي، يعتبر التعامل مع العربي الفلسطيني جريمة وطنية قريبة من خيانة المشروع الصهيوني، حتى لو كان هذا العربي على استعداد أن يقدم من التنازلات ما لا يتوقعه أكثر الأحزاب الصهيونية تطرفا.
2)
إزاء النتائج المتوقعة لانتخابات الكنيست، وكلها تشير إلى عدم الحسم، إلى أين تتجه الريح؟
هناك أكثر من سيناريو:
أولا: تشير النتائج (المؤقتة، والمتعلقة نهائيا بأصوات المغلفات المزدوجة- الجنود والنازحين)، إلى أن نتنياهو الشخص ونتنياهو المعسكر، لم يُهزم نهائيا، وإن كان لم يفُز حتما. وما يزال أمامه خيارات محتملة كي يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة، حتى لو بدت الأمور وكأنّ فرصة معسكر التغيير، الذي يقوده آيزنكوط، هي الأكبر والأقرب إلى الواقع.
فهل سيستطيع نتنياهو تشكيل الحكومة القادمة مكتفيا بمعسكر اليمين، دون اللجوء إلى دعم من حزب من خارج هذا المعسكر؟ الاحتمال ضعيف جدا، وبحسب النتائج الحالية فهذا شبه مستحيل. لكن من التجارب السابقة يمكن القول إن نتنياهو لن يترك وسيلة إلا ويستخدمها لإقناع حزب أو اثنين من معسكر التغيير، يمنحانه طوق النجاة. وظنّي أن حزب ليبرمان (يسرائيل بيتينو) وحزب “بياحد” بقيادة بنط – لبيد، يمكن أن يجدا نفسيهما (كلاهما أو أحدهما) في صف نتنياهو، رغم كل ما وعدا به الناخبين أثناء الحملة الانتخابية، وذلك بحجة إنقاذ مستقبل الدولة وتجنب خوض جولة انتخابات ثانية تكلّف خزينة الدولة أعباء مالية باهظة في ظل الأعباء المالية على خلفية الحرب على جبهات متعددة، مقابل التوصل إلى تفاهمات مع نتنياهو يمكن بواسطتها (في تصور قيادة هذين الحزبين) إقناع جمهورهما بضرورة الذهاب إلى هذا الخيار.
ولا أستبعد أن يبذل نتنياهو كل وسيلة لضم حزب “الديمقراطيين” (اليساري) بقيادة جولان، رغم كل ما صرح ويصرح به من تشكيل حكومة تغيير تضم الأحزاب العربية. وقد حدث مثل هذا في جولات انتخابية سابقة.
وفي المقابل فإن نتنياهو مستعد أن يقدم كل شيء من أجل البقاء في سدة الحكم، لأن عواقب خروجه من المشهد السياسي سيكلفه أثمانا باهظة؛ على المستوى الشخصي والسياسي.
بطبيعة الحال لا يستطيع نتنياهو أن يتنازل عن شريكيه الرئيسيين، حزب سموطرتش وحزب بن غفير، لكنه يستطيع تجاوز هذه العقبة من خلال عدم منحهما وزارات ذات تأثير، كما هو الحال اليوم، وإقناعهما بقبول وزارات اجتماعية هامشية ليست ذات وزن سياسي.
3)
في المقابل، فإن أحد الاحتمالات التي يستطيع فيها معسكر آيزنكوط تشكيل الحكومة القادمة، هو الاستناد إلى الأحزاب العربية. لكن السؤال هل هذا يمكن أن يحدث، إزاء إعلان آيزنكوط وشركاءه في المعسكر رفضهم ذلك وسعيهم على تشكيل حكومة صهيونية خالصة، وتصريحه عقب الانتخابات بأنه سيعمل على تشكيل حكومة تجنيد صهيونية؟ وكيف سيكون شكل هذا الاستناد إنْ حدث؟
إذا حقق معسكر التغيير مجموع مقاعد تمكّنه من تشكيل حكومة ضيقة، فإن ظاهر الأمر قد يشير إلى أنه سيستند إلى شبكة أمان تقدمها له القائمة المشتركة التي يبدو أنها ستحقق من 11-13 مقعدا، إذ يبدو في ظاهر الأمر أن هذا سيكون الاحتمال الأقرب إلى التحقيق، إلا أن المفاجأة يمكن أن تحدث عندما نجد آيزنكوط يفضل- مضطرا- قبول شراكة معينة مع الموحدة (ترضي شروطُها شركاءه من الأحزاب الصهيونية في معسكر التغيير)، حتى لو كانت الموحدة مع 6-7 مقاعد، لأن المشتركة- في ظرف سياسي معين- قد تسحب شبكة الأمان وتُسقط الحكومة، بينما ستلتزم الموحدة بما ستلتزم به، أيا كانت الظروف السياسية التي يمكن أن تطرأ على المشهد الإسرائيلي. غير أن احتمال الاستناد إلى الأحزاب العربية يبقى هو الأضعف، والأبعد من أن يتحقق، من خلال قراءة التفاعلات السياسية الإسرائيلية الداخلية، وقراءة التحليلات في الشارع الإسرائيلي، والتي تركز كلها تقريبا على استثناء أي دور للأحزاب العربية في الحكومة القادمة، وأي تأثير في سياساتها.
احتمال آخر، ربما لم يتنبه له كثيرون، هو نجاح آيزنكوط في إقناع الأحزاب الحريدية (كلها أو بعضها) بالانضمام إليه، مقابل تفاهمات تتعلق بقانون تجنيد الحريديم، من قبيل تأجيل الخوض في هذه المسألة إلى أجل معين. ولعل أقرب الأحزاب الحريدية التي يمكن أن تكون مرشحة للانضمام إلى معسكر آيزنكوط هو حزب “شاس”، الذي تشير التجارب السابقة إلى أنه مستعد أن يفعل أي شيء من أجل المشاركة في أي حكومة من أجل تحقيق مصالح ناخبيه ومجتمعه الحريدي. وهنا سيلعب موضوع الميزانيات والمخصصات الدور الرئيس.
4)
يبقى هناك احتمالان اثنان لتجاوز الأزمة التي صنعتها نتائج الانتخابات، وكلٌّ منهما وارد أن يتحقق بنفس النسبة. وظني أن أحدهما هو الذي سيتحقق في نهاية المطاف: الأول تشكيل حكومة وحدة وطنية، تستند إلى الأحزاب الصهيونية، مع إخراج حزبي بن غفير وسموطرتش من المشهد السياسي، كأحد شروط معسكر التغيير.
وهذا يمكن أن يحدث بقوة، خاصة بتدخل مباشر من الرئيس الأمريكي ترامب، الذي يبدو أنه سيمارس تأثيره على الطرفين للسير في هذا الاتجاه، وعنده من المبررات الكثير كي يقنع معسكر التغيير بقبول الشراكة مع نتنياهو، دون الاهتمام بتفاصيل هذه الشراكة وترتيباتها.
والثاني: إجراء جولة انتخابات ثانية، بحيث يقود نتنياهو الحكومة الانتقالية لنصف سنة تقريبا. وحدوث هذا أقرب بكثير من إمكانية تشكيل آيزنكوط حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية، أيَّا كان شكل هذا الدعم.
5)
يبقى السؤال الأهم بالنسبة لمجتمع الداخل الفلسطيني: ما مدى التأثير الذي كان الشعار الأبرز للأحزاب العربية أثناء الحملة انتخابية، إلى جانب شعار إسقاط حكومة اليمين؟
يبدو أنه رغم خروج الناس للتصويت بأعداد غير مسبوقة، وحصول الأحزاب (المشتركة والموحدة) على عدد غير مسبوق من المقاعد في الكنيست الصهيوني، فإن التأثير الذي تحدثوا عنه لم يتحقق، وغالبا لن يتحقق، أمام إصرار جميع الأحزاب الصهيونية، دون استثناء تقريبا، على عدم القبول بهذه الأحزاب شريكا مؤثرا في تشكيل الحكومة القادمة، لتبقى خارج المشهد السياسي الإسرائيلي، رغم الوزن الانتخابي الكبير الذي حققته، وليبقى مشهد الأحزاب العربية في الكنيست هو ذات المشهد الذي كانت عليه طوال الوقت.
6)
أما الذي ربما لم يلتفت إليه كثيرون، في خضم المعركة الانتخابية، والذي يجب التأمل فيه طويلا، واستخلاص العبرة منه، فهو أن وهم تأثير الأحزاب العربية على المشهد السياسي الإسرائيلي، كان في الحقيقة من طرف واحد، ولم يجد له شريكًا واحدا في الشارع الإسرائيلي. وربما لم تتنبه تلك الأحزاب أنها في الحقيقة كانت تقدم نفسها مجانا لمعسكر التغيير، دون أن تصدر عن هذا المعسكر أية إشارة إلى إمكانية قبولها شريكا بأي شكل من الأشكال.
ويمكننا ملاحظة مسألة بالغة الأهمية مفادها أن حديث الشارع الإسرائيلي عن دور الأحزاب العربية كان في مجمله سلبيا للغاية، من المعسكرين، وأن هذه الأحزاب لا تعدو كونها- في أحسن الأحوال- “الإطار الخامس” الذي يمكن استخدامه بصورة مؤقتة لغاية الوصول الآمن، ثم إعادته إلى صندوق السيارة. وحتى في هذه قد يخاطر معسكر التغيير ويقود (المركبة) بثلاثة إطارات، معتبرا أن الإطار الخامس غير صالح للاستعمال المؤقت.
عندما تقدم نفسك مجانا لمن يرفض التعامل معك، فعليك أن تعلم أن النتيجة ستكون مخيبة لكل الآمال والأوهام.
كذلك من الضروري ان نتنبه إلى أن الأحزاب العربية ربما حققت معا 18-19 مقعدا، لكنها في حقيقتها ليست كتلة واحدة، بل كتلتان لكل منهما أجنداتها ونهجها، وفي التالي فإن الحديث عن تحقيق (العرب) هذا العدد غير المسبوق من المقاعد، يجب ألا يخدعنا، لأن التنافر والتقاطب بين الكتلتين أكبر بكثير مما يجمعهما، وفي التالي فإن الحديث عن تحقيق مصالح لمجتمع الداخل يبقى هامشيا وغير حقيقي.
7)
فيما لو أجريت جولة انتخابات ثانية، كيف سيكون سلوك جمهور الناخبين في مجتمع الداخل الفلسطيني؟ هل سيتكرر المشهد نفسه، وتخرج الحشود بنفس القوة التي خرجت بها في هذه الجولة؟
أعتقد جازما أن هذا المشهد لن يتكرر. فقد كان غالبية الذين خرجوا للتصويت هذه المرة قد تحركوا بدوافع عاطفية، ظنا منهم أنهم بذلك سيسهمون في إسقاط حكومة اليمين، وإزاحة نتنياهو عن المشهد، والتخلص من “بعبع” بن غفير وسموطرتش. ولما أن احتمال تحقق هذا الهدف يساوي عدم احتمال وقوعه، فإن جمهور المصوتين العرب سيكتشف أنه لا فائدة من التصويت، طالما أن التأثير والتغيير المأمول لم يتحقق في أكبر عملية خروج انتخابي شهدها مجتمع الداخل. وبناء على هذا التصور، فإن الأحزاب العربية قد تلجأ إلى أي شيء، وتقدم المزيد من التنازلات، وتقبل (بالموجود) حتى لا تكون هناك جولة ثانية، تظهر فيها قوتها الحقيقية وهشاشة نهجها. غير أن مفتاح الأمور بالنسبة للجولة الثانية ليس بيدها، مهما بذلت من جهود ومهما قدمت من تنازلات. ويمكن ان نقرأ هذا من آخر تصريح لرئيس المشتركة الذي قال عن قائمته مستعدة لتمهيد الطريق لإزاحة حكومة نتنياهو وشركائه. واستخدام صيغة “الاستعداد للتمهيد” تحمل معنى واحدا: سنقدم كل شيء من أجل ذلك، لأنه بغير هذا فإن الفشل سيكون ذريعا، ومواجهة الجمهور ستكون صعبة، ومحاسبة الجمهور للقائمة ستكون قاسية. وهذا طبعا ينسحب بنفس المستوى على القائمة الموحدة.
8)
مهم أن نفهم أن طبيعة الصراع في المشهد السياسي الإسرائيلي هي بين تيار إيديولوجي يقوده الليكود ومن خلفه تيارات اليمين المتطرف، وبين معسكر لا يقوم على إيديولوجيا مشتركة، وإنما هو عبارة عن تجميعة أحزاب منافسة تبحث لها عن مكان، ثم تختفي في جولات لاحقة. هذا حدث مع حزب “أزرق أبيض” بقيادة غانتس، كما حدث مع حزب “شينوي” الذي أسسه طومي لبيد الأب، وحزب “كاديما” الذي أسسه شارون، وحزب “كولانو” الذي أسسه موشيه كحلون، وحزب “الحركة” الذي أسسته تسيبي ليفني، وحزب “تيلم” الذي أسسه موشيه يعلون، وغيرها من الأحزاب التي خرجت فقط لمنافسة الليكود ونتنياهو، رغم أنها في غالبيتها خرجت من تحت عباءة نفس الحزب (الليكود). لذلك فإن احتمال اختفاء وتفكك حزب آيزنكوط ومعسكره وارد، إذا لم يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة.
