أخبار رئيسيةأخبار عاجلةمقالات

انتخابات الكنيست: المجتمع الإسرائيلي نحو الفاشية ونداء عاجل لمؤتمر إنقاذ وطني

المحامي خالد زبارقة

انتهت معركة انتخابات الكنيست، وانقشع غبار صناديق الاقتراع لتتضح الصورة الأهم والأخطر على الإطلاق.

لم تكن هذه الانتخابات مجرد جولة سياسية روتينية تتبدل فيها الوجوه والمقاعد، أو مجرد صراع تقليدي على السلطة، بل كانت مرآة عاكسة وحقيقية لواقع مجتمعي مأزوم وعميق يتجه بخطى ثابتة وسريعة نحو التطرف.

لقد أسقطت هذه النتائج ورقة التوت الأخيرة عن زيف مقولة “اليسار” أو “الوسط” أو “الليبرالي” الإسرائيلي، لتكشف عن مجتمع ينحو بشكل جلي وواضح نحو اليمين الفاشي، ويدعم سياسات القمع والهدم والمصادرة والإبادة والحروب، ويقدّس استخدام القوة المفرطة بوصفها آلية وحيدة في التعامل مع الآخر.

إنَّ القراءة المتأنية لنتائج هذه الانتخابات تؤكد أن إسرائيل لم تعد تعيش أزمة سياسية فحسب، بل تعيش تحولًا بنيويًا في توجهاتها المجتمعية والأيديولوجية. لقد باتت الأفكار التي كانت تُعتبر في الماضي القريب “تطرفًا منبوذًا”، أو حكرًا على هوامش المجتمع، هي اليوم المركز الذي تُصنع فيه القرارات السياسية، وتُبنى عليه التحالفات الحكومية.

سموتريتش وبن غفير: مرآة للمجتمع وليسا طفرة

لقد اتضحت أهم مسألة في هذه المرحلة، وهي حقيقة أن صعود شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير ليس مجرد صدفة سياسية، ولا خللًا عابرًا في النظام الانتخابي، بل هما نتاج طبيعي وحتمي لمجتمع جرت هندسته وتعبئته على مدى عقود. ومن الخطأ الفادح تشخيص المشكلة في شخصيهما أو في لغتهما التحريضية فقط؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في القاعدة الجماهيرية العريضة التي أوصلتهما إلى سدة الحكم، وعلى الرغم من إخفاقاتهما المتلاحقة، ما زالت تؤمن بهما وتدعمهما.

هذان الاثنان هما الانعكاس الحقيقي للمزاج العام الإسرائيلي. إنهما يمثلان الصوت الخفي الذي أصبح الآن يصدح عاليًا في الشوارع والمدارس والمقاهي والثكنات العسكرية، وفي كل مجال من مجالات الحياة المدنية والقضائية.

لقد تلاقت أطروحاتهما العنصرية الاستعلائية، التي تدعو جهارًا إلى التهجير (الترانسفير) وتوسيع الاستيطان وسحق الوجود العربي، مع رغبات وتوجهات قطاعات واسعة من الإسرائيليين.

عندما يصوّت مئات الآلاف من الإسرائيليين لهذه القوائم، فإنهم يفعلون ذلك بوعي كامل بما تمثله من سياسات قمعية وعنصرية، مما يعني أن الفاشية لم تعد تيارًا هامشيًا، بل أصبحت تيارًا مركزيًا يمثل شريحة ضخمة من المجتمع الإسرائيلي.

ومن أجل فهم هذا التحول الجذري، يجب ألا نكتفي بالنظر إلى القشرة السياسية المتمثلة في الكنيست والحكومة، بل يجب أن نغوص في الأعماق، حيث تقف المدارس الدينية (اليشيفوت) والحاخامات بوصفهم مهندسين حقيقيين لهذا المشهد. لقد لعبت المؤسسة الدينية الصهيونية وتيار القومية الدينية دورًا محوريًا في تغيير البوصلة المجتمعية.

بدأ هؤلاء الحاخامات بالتأثير الممنهج في توجهات المجتمع الإسرائيلي منذ عقود، حيث جرى الدمج بين الفكر الديني المتشدد والقومية العسكرية العنيفة. وفي هذه المدارس والمؤسسات التحضيرية للجيش (المخينوت)، يجري تلقين الأجيال الشابة أيديولوجية “أرض إسرائيل الكاملة”، وتبرير العنف ضد “الأغيار”، واعتبار الحروب والتهجير جزءًا من العقيدة والواجب المقدس. لقد أثمر هذا الزرع أجيالًا ترى في القوة المفرطة واستباحة الدم والمال والمقدسات تطبيقًا لإرادة إلهية لا تقبل النقاش.

تتجسد ملامح هذا التطرف والانحدار نحو الفاشية في المجتمع الإسرائيلي في أشكال ومستويات متعددة، لا يمكن حصرها في زاوية واحدة:
عسكرة المجتمع وتطبيع العنف: أصبح القمع اليومي للفلسطينيين، وتدمير ممتلكاتهم، وحرق قراهم، وإزهاق أرواحهم، أحداثًا عادية لا تثير أي استنكار داخلي، بل تحظى بدعم وتبرير من الأغلبية الصامتة والناطقة على حد سواء. وهناك نشوة مجتمعية متزايدة تترافق مع مشاهد الدمار والحروب.

التشريعات والقوانين العنصرية: لم يعد التمييز مجرد ممارسة عملية، بل رُسّخ قانونيًا. ونشهد سباقًا محمومًا في الكنيست لسنّ قوانين تهدف إلى تضييق الخناق على المواطنين العرب، وسلب حقوقهم الأساسية، وتكريس الفوقية اليهودية، وتقويض أي مساحة للعمل السياسي أو الحقوقي الديمقراطي.

نزع الإنسانية عن الآخر: تكشف استطلاعات الرأي والخطاب الإعلامي الإسرائيلي ومواقع التواصل الاجتماعي عن حجم هائل من الكراهية والتحريض. ويجري تشويه صورة كل ما هو عربي أو فلسطيني، وتبرير جرائم الحرب والعمليات العسكرية الدموية تحت مسمى “الأمن القومي” أو “الردع”، في تغييب كامل لأي اعتبار إنساني أو أخلاقي.

تسليح المدنيين وميليشيات المستوطنين: تحت غطاء رسمي وقانوني، وبتحريض من وزراء في الحكومة، جرى توزيع مئات الآلاف من قطع السلاح على المستوطنين والمدنيين. لقد تحولت مجموعات المستوطنين إلى ميليشيات مسلحة تمارس إرهابها في الشوارع والقرى والمدن العربية دون أي رادع، وفي كثير من الأحيان، بحماية من أجهزة الأمن ذاتها.

إسكات الأصوات المعارضة: حتى الأصوات اليهودية القليلة جدًا التي تحاول انتقاد هذا التوجه، يجري تخوينها وملاحقتها وقمعها، مما يثبت أن المجتمع يرفض أي شكل من أشكال التعددية أو النقد الذاتي، ويتجه نحو فكر أحادي تسلطي.

نداء عاجل: مؤتمر إنقاذ وطني قبل فوات الأوان
أمام هذا المشهد القاتم، ومع تصاعد الفاشية وتغوّل اليمين الديني والقومي المدعوم مجتمعيًا، تقف الجماهير العربية والفلسطينية، وكل من ينشد البقاء بكرامة في هذه البلاد، أمام مفترق طرق وجودي وتاريخي.

لم يعد مجديًا التعويل على “عقلانية” المجتمع الإسرائيلي التي تلاشت، أو على توازن المؤسسات التي جرى اختراقها، أو حتى على تدخلات دولية طالما أثبتت عجزها وتواطؤها.

إن المخاطر التي تهدد مستقبلنا ووجودنا في وطننا باتت أكبر من أي وقت مضى؛ فهي تهدد بقاءنا وأرضنا وهويتنا ومستقبل أبنائنا. نحن أمام آلة سياسية ومجتمعية لا تعترف بوجودنا، وتسعى بشتى الطرق إلى اقتلاعنا أو تهميشنا، حتى نصبح مجرد رعايا بلا حقوق.

ولذلك، وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية والخطيرة التي تعصف بنا، نطلق اليوم صرخة مدوية ودعوة عاجلة وملحّة لعقد “مؤتمر إنقاذ وطني شامل وسريع”، يجمع كافة القوى السياسية والأحزاب والحركات الشعبية والمؤسسات الأهلية واللجان المحلية والقيادات الفكرية والدينية والأكاديمية، والشباب والنساء، قبل فوات الأوان.

يجب علينا أن نرتقي إلى مستوى الحدث، وأن نتجاوز فورًا كافة خلافاتنا الحزبية الضيقة ومصالحنا الفئوية التي استنزفت طاقاتنا. ويجب أن نجلس معًا إلى طاولة واحدة بهدف الاتفاق على استراتيجية وطنية موحدة، ووضع الخطوط العريضة لمواجهة هذه السياسات.

إن التاريخ لن يرحم المتقاعسين، والبقاء في هذه البلاد لا يُمنح كمنحة، بل يُنتزع بالصمود والوحدة. إن العاصفة قد بدأت بالفعل، والبقاء في حالة من التشتت والانتظار هو بمثابة انتحار جماعي. فلنتحرك الآن، بمسؤولية وإرادة صلبة، لإنقاذ وجودنا ومستقبل أبنائنا، وتحصين بيتنا الداخلي، وضمان مستقبلنا وحقوقنا المشروعة، قبل أن يبتلعنا طوفان التطرف الذي اجتاح المجتمع الإسرائيلي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى