أخبار عاجلةأخبار وتقاريردين ودنياغير مصنفمقالاتومضات

لا تجعلوا اختلافنا يطفئ ما بيننا

ليلى غليون

يقول المهاتما غاندي: “الاختلاف في الرأي يجب ألّا يؤدي إلى العداء، وإلّا لكنت أنا وزوجتي ألدّ الأعداء”.

كم من علاقات على أنواعها، زوجية وأسرية واجتماعية، تقطّعت أوصالها، وكم من صداقات تبخّرت منابعها، وكم من بيوت تصدّعت جدرانها، ليس لأسباب أو قضايا كبيرة، بل بسبب رأي مختلف!

يحدث ذلك غالبًا عندما نربط كرامتنا برأينا، ونرفض الاستماع إلى الآخر، معتقدين أن الصواب حكر علينا وحدنا. نحاول الانتصار لأنفسنا ولرأينا بدلًا من فهم الرأي الآخر وتفهّمه وتقبّله، ليصبح هدف الحوار ليس الوصول إلى الحقيقة، بل إثبات أن الآخر مخطئ وأننا نحن على صواب، وليتحول الحوار، في كثير من الأحيان، إلى معركة: مَن يثبت نفسه أكثر، لا مَن يقترب من الحقيقة أكثر.

“الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”، عبارة نرددها كثيرًا، تؤكد أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي بين البشر، وصحي، بل وضروري في مسيرة المجتمعات المتقدمة والمتحضرة. ولكننا، حين نختلف، غالبًا ما ننسى معناها، وكأننا لا نؤمن بها إلا ما دام الآخرون يوافقوننا الرأي، ليصبح هذا الاختلاف بوابة للخصومات والعداوات والتراشق بالكلمات الجارحة، فتتحول القلوب المتآلفة إلى جزر متباعدة، والقرب إلى جفاء.

فالاختلاف في الرأي من سنن الله تعالى في هذا الكون، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (سورة هود، الآية 118). فلا يمكن جمع الناس على كلمة واحدة أو موقف واحد، لاختلاف عقولهم وطبائعهم؛ فهم ليسوا نسخًا متشابهة أو متطابقة، ولكل واحد منهم نافذته الخاصة التي يرى منها الحياة. فما يبدو لأحدهم صوابًا واضحًا قد يراه غيره من زاوية مختلفة.

والمطلوب أن نمتلك أصول الحوار، وأن نميّز بين قوة الحجة وقسوة الأسلوب، وبين الدفاع عن المبدأ والإساءة إلى مَن خالفه. فليس كل مَن خالفنا مخطئًا، وليس كل مَن وافقنا محقًّا. كذلك، فإن تعدد الآراء ووجهات النظر في قضية ما أمر إيجابي لصالح هذه القضية، إذ تتعدد أساليب معالجتها،
وبالتالي تتعدد طرق حلّها، مما يجعل الجميع يستفيد من تلك الآراء والخبرات. (وذلك في حال لم يتجاوز الاختلاف في الآراء الخطوط الحمراء، ولم يمسّ المسلّمات الدينية والعرفية والثوابت).
ولكن الواقع يثبت أن الود يفسد في كثير من الأحيان، وتنقطع حبائله بسبب رأي مختلف. فحتى إذا دار حوار أو نقاش حول مسألة ما، أُفرغت هذه العبارة، “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”، من معانيها الرائعة، ليصبح تحقيق مضمونها أمرًا صعبًا في واقع صار فيه أي اختلاف في الرأي، مهما كان بسيطًا وعابرًا، يحمل في طياته عوامل مدمّرة تنهار على إثرها العلاقات الإنسانية بأنواعها، فلا تُبقي ولا تذر من ودّ أو ملح أو عيش، كما يُقال.

إذ بتنا نشهد انعدام الودّ عند أي اختلاف في معظم الحوارات وعلى مختلف الأصعدة الاجتماعية، وحتى الأسرية، لنجد العلاقات الأخوية، وعلاقات الصداقة والجيرة، والعلاقات بين أفراد الأسرة أو المجتمع، تتعرض لهزات عنيفة حين تختلف وجهات النظر، لينحدر فيها النقاش من التحاور إلى التناحر، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحات حرب إلكترونية، يتراشق فيها المختلفون في الرأي بألفاظ جارحة ولغة هجومية قطعت بينهم حبال الودّ، كما أفسدت بينهم كل قضية.

فهذا معتدّ برأيه، غير مستعد لأن يحيد عنه أو يتنازل عنه، حتى لو شعر في قرارة نفسه بأنه مخطئ، وذاك يدافع عن موقفه من خلال تسفيه موقف غيره، وآخر يقصي غيره ويسحقه، وينعته بأقذع الألفاظ إذا لم يعجبه رأيه ولم يتوافق معه، ليُبقي صوته الوحيد على الساحة الحوارية. وقد يصل الأمر إلى حد العداء والخصومة، فتتبخر ثقافة الرأي والرأي الآخر، ويسود التعصب والتشنج، وينقلب المتحاورون إلى متناحرين.

إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية حين نختلف دون أن نتعالى أو نتكبر، وحين نناقش دون أن نهين، وحين نتمسك بمواقفنا دون تجريح الآخرين. فليست القوة ولا النصر في إسكات مَن يخالفنا، ولا الحكمة في إجبار الجميع على رؤية العالم بأعيننا، بل في أن نخرج من الحوار وقد بقيت كرامتنا محفوظة، وكرامة الآخر مصونة، وبقي بيننا من الود والاحترام ما يسمح لنا بأن نلتقي غدًا وبعد غد، حتى لو لم نتفق اليوم.

اسمعوا إلى صوت الفاروق، رضي الله عنه، وهو على رأس الهرم القيادي، يصغي بكليّته إلى الرأي الآخر، بل يتقبّله ويستقبله بكل أريحية ورحابة صدر، ويدعو الرعية إلى الجهر بالحق إذا وجدوا خطأً أو انحرافًا، ليقول: “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها”.

لم يأمر، رضي الله عنه، بضرب عنق مَن قال له: “اتق الله يا عمر”، ولم يسفّه كلامه أو رأيه، بل سمعه، ودعا رعيته إلى إبداء آرائهم التي يرون أنها توافق الحق، بلا خوف أو وجل. ويقول سيدنا عمر، رضي الله عنه: “لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي، قولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق”. إنها القوة النادرة في تقبّل الرأي الآخر.

ولنا أن نتساءل: لماذا يسود الناس، في الغالب، مناخ من الخصومة لمجرد الاختلاف في الآراء؟ ولماذا يثور البعض، وقد يصابون بالتشنج، عندما لا تتوافق وجهات نظرهم مع الآخرين؟ ولماذا يعتبر الشخص، في كثير من الأحيان، عدم اقتناع الآخر برأيه رفضًا لشخصه هو؟ ولماذا يتحول الاختلاف في الرأي، في كثير من الحالات، إلى محاولة للانتصار للنفس وكسب المواقف، ليبتعد الحوار عن الموضوعية ويتحول إلى شخصنة، وينتقل من اختلاف بين رأي ورأي إلى خلاف بين شخص وشخص، وربما يصل إلى ما هو أخطر من ذلك، فيتحول إلى عنف يدمّر العلاقات بين الناس ويزرع فيهم البغض والكراهية؟
فلكل واحد وجهة نظر يراها من زاويته، وإذا اختلفت وجهات النظر، فليس ذلك نهاية الدنيا وبداية الفرقة. نختلف، نعم، ولكن بنضج ووعي. “أفهم وجهة نظرك، ولكني أراها بشكل مختلف”؛ جملة بسيطة، لكنها تعكس نضجًا عميقًا. نتنازل إذا لزم الأمر، ونعتذر إذا بدر منا خطأ، فالاعتذار سمة النفوس الراقية.

وما أروع ما قاله الإمام الشافعي، رضي الله عنه، في هذا المقام: “ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق على مسألة؟”.

فالودّ لا يعني أن نتشابه، بل إن الودّ هو أن نختلف باحترام دون أن نتباعد. فالعلاقات الطيبة أثمن وأعمق من أن تُقطع بسبب رأي مختلف أو فكرة عابرة، ولا يستحق الأمر أن نخسر إنسانًا نحبه ونحترمه. فلن نتفق دائمًا، ولن نرى الأشياء ولا الدنيا بالطريقة نفسها. فالمشكلة ليست في أن نختلف، بل في أن نسيء فهم الاختلاف ونحوّله، دون أن نشعر، إلى تهديد لسلوكياتنا وعلاقاتنا مع الغير.

فلنختلف في الرأي، ولكن لا نختلف في إنسانيتنا، ولنتذكر أن العلاقات لا تتضرر بسبب الآراء المختلفة، بل حين تضيق القلوب والعقول بالاختلاف، وحين لا نحسن إدارة الاختلاف، وحين ننظر إليه من زاوية شخصية ضيقة. وعندما ندرك أن العلاقات الإنسانية الوطيدة والمحبة الحقيقية لا تشترطان أن نكون متشابهين، أو أن نصل جميعًا إلى الرأي نفسه، عندها نحترم اختلافنا، ونحفظ للودّ مكانته، وللعلاقات أهميتها وأولوياتها واحترامها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى