ماذا ينتظرنا؟

الشيخ رائد صلاح
1. ينتظرنا ثوابت إسلامية عروبية فلسطينية مهددة من قبل أهلها قبل أن تكون مهددة من قبل الآخرين، إلى حد أن البعض أنكر وجود هذه الثوابت أصلًا، وكأنه يريد لنا أن يحيا مجتمعنا بلا ثوابت، علمًا أن المجتمع المميع الهلامي هو المجتمع الوحيد الذي يرضى لنفسه أن يحيا بلا ثوابت.
ومع شديد الأسف، هناك من لا يزال يماحك ويقول: قولوا لنا ما هي الثوابت؟ وكأنه لم يسمع عن الثوابت الإسلامية الخالصة، ولا عن الثوابت الإسلامية العروبية، ولا عن الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية، وكأنه لم يطرق أذنيه أن أركان الإيمان وأركان الإسلام وعقيدة التوحيد ومبدأ الولاء والبراء وضوابط ميزان الحلال والحرام والمعلوم من قائمة الكبائر بالضرورة، والمعلوم من قائمة قيمنا بالضرورة، هو من ضمن ثوابت الإسلام الخالصة.
وكأنه لم يطرق أذنيه أن مبدأ الانتماء الإسلامي العروبي الفلسطيني هو من ضمن الثوابت الإسلامية الخالصة، وكأنه لم يطرق أذنيه أن مبدأ الانتماء الإسلامي العروبي الفلسطيني ومبدأ التكامل الإسلامي العروبي ومبدأ حق الشعوب المسلمة العربية بامتلاك سيادتها والتحرر من كل مستعمر ومستبد، وتقرير مصيرها واختيار حاكمها ونظام حياتها، هو من ضمن الثوابت الإسلامية العروبية.
وكأنه لم يطرق أذنيه أن الحفاظ على الرواية الفلسطينية، وأن حق شعبنا الفلسطيني بإقامة دولة فلسطين المستقلة، وأن حق العودة وحق التحرر من الاحتلال الإسرائيلي وتفكيك مستوطناته، والحق الأوحد في المسجد الأقصى، هو من ضمن الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية؛ لأن قضية فلسطين هي قضية إسلامية عروبية إلى جانب كونها قضية فلسطينية. ولذلك فإن ثوابتها هي ثوابت إسلامية عروبية إلى جانب كونها ثوابت فلسطينية.
وكأنه لم يطرق أذنيه أن إصرار مجتمعنا في الداخل ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) على انتمائه وامتداده الإسلامي العروبي الفلسطيني،
وأن إصراره على الصمود في أرضه وبيته ومقدساته بكرامة، وأن إصراره على مطلب استعادة ما صودر منه من أوقاف ومقدسات وأرض، وأن إصراره على مطلب حق عودة المهجرين فيه، وأن إصراره على رفض كل ما يناقض هذه الثوابت، كرفض منزلق المقايضة في الحقوق والإنجازات، ورفض فك الارتباط ورفض تمييع الانتماء والامتداد، ورفض الخدمة المدنية والخدمة العسكرية والخدمة المخابراتية، هو من ضمن الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية؛ لأن انتماء مجتمعنا في الداخل ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) هو انتماء إسلامي عروبي فلسطيني، ولذلك فإن ثوابته تحمل صبغة هذا الانتماء الإسلامي العروبي الفلسطيني، والعجب كل العجب أن البعض منا يحاول أن يتجاهل كل ذلك.
فماذا يريد لمجتمعنا في الداخل؟ هذا المجتمع المأزوم الواقع بين مطرقة التمييز القومي والديني والوطني، وبين سندان العنف والتفكك والاغتراب.
لذلك فإن من حقي أن أثبت كل هذه الثوابت، وأن أواصل التعريف عليها والتذكير بها والدفاع عنها. وإن من حقي أن أرفض بكل أدب كل خطاب وموقف وتصريح وسلوك سياسي يناقض ثابتًا من هذه الثوابت أو يتنازل عنه أو يميع فحواه.
مع احترامي للجميع سلفًا على اختلاف أسمائهم ومناصبهم وأحزابهم وحركاتهم وقوائمهم المحلية والقطرية. ومع واجب الحفاظ على الأدب معهم، ومع الرفض الدائم للإنزلاق إلى لغة التكفير أو التخوين أو التجريح لأي واحد منهم.
وحاشا لله تعالى أن أدعي علم ما سيقع من بعض الأحداث في المستقبل، فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى.
وأتمنى أن لا يقع أي احتمال مرفوض حول ما تحدثت عنه في السطور السابقة، لأنني سأضطر عندها إلى التعقيب على كل احتمال مرفوض، وعلى ذكر اسم من يقف من ورائه واسم قائمته.
فإن من الواجبات المطلوبة منذ الآن فصاعدًا، تثقيف مجتمعنا بثوابته وحقه في التمسك بها، وعلى إدانة كل من يحاول أن يتذاكى على أي ثابت منها.
ومرة بعد مرة أقول سلفًا، إن إدانة كل من سيحاول أن يتذاكى على هذه الثوابت لن يكون تطاولًا عليه ولا تنقيصًا من قدره ولا ضربا لمنزلته، بل ستكون كل إدانة له تصويبًا له وتذكيرًا لمجتمعنا بضرورة الحفاظ على ثوابته والعض عليها بالنواجذ ورفض كل عرض مهما كان مغريًا في مقابلها، وتفويت الفرصة على كل من يسعى للنيل منها.
2. ينتظرنا مجتمعنا الملغوم بالعنف من رأسه حتى أخمص قدميه، ومنذ أعوام مضت أقامت لجنة المتابعة العليا لجان إفشاء السلام لمواجهة هذا العنف الأعمى، إلا أن المؤسسة الإسرائيلية قامت بحظر هذه اللجان، وهي في بدايات نجاحها.
وها هو هذا العنف المهلك ينمو يومًا بعد يوم، وها هو يتمدد يومًا بعد يوم، وها هي ضحاياه من أبناء مجتمعنا تزداد عامًا بعد عام، وها هو يطرق أبواب البيوت والمدارس والسلطات المحلية العربية، وها هو يخاطبنا بلغة الرصاص تارة، وبلغة الخاوة تارة ثانية، وبلغة السوق السوداء تارة ثالثة، وبلغة المخدرات تارة رابعة، وبلغة عصابات الإجرام والجريمة المنظمة تارة خامسة، وبلغة المطاردة بالمسيرات الحاملة للمتفجرات تارة سادسة.
وها هو يدس أنفه المعدي في كل قضايا مجتمعنا، وبات حاله كما يقول مثلنا الشعبي: (في كل عرس له قرص)، حيث دس أنفه المؤذي في الخلافات بين الشركاء، والخلافات الزوجية، وقضايا الميراث، وبعض المناقصات في السلطات المحلية العربية، ولا يزال يسمن فينا.
فما هو الحل؟ ومن سيقوم بهذا الحل؟ ومن سيحرك في مجتمعنا الهمة والنخوة والمروءة لمواجهة هذا العنف العضال؟
أسئلة لا تزال محل نقاش في مجتمعنا، ولا تزال غالبية من مجتمعنا في موقف الصامت أو المتفرج أو المستسلم أو الواقف عند حد المظاهرات، أو عند حد الاقتراحات، أو عند حد اللوم والاتهامات، أو رصد أرقام مآسي العنف، أو إجراء الاستطلاعات، مع إجماع مجتمعنا أن المؤسسة الإسرائيلية في خانة المتهم في استفحال العنف فينا.
فمتى سنقرع الجرس؟ ومتى سيصحو النائم فينا؟
3. ينتظرنا مجتمعنا الذي أوشك ألا يكون مجتمعًا، فمن سيلملم جراحه؟ ومن سيرمم تفككه؟ ومن سيخرجه من يوميات اهتماماته التافهة؟ ومن سيعززه بالصمود والقيم والانتماء؟ ومن سيحيي فيه الاعتزاز بثوابته وهويته؟ ومن سيحرره من ثقافة الخوف المفتعلة التي ملأت عليه أحاسيسه؟
وكأن المطلوب منه طوال الوقت أن يحيا وهو يلتفت يمينًا وشمالًا حذرًا من خطر قادم لا يعرفه، ولكن يعرف أن خطرًا ما هو قادم.
وكم أنت مسكين يا مجتمعنا، فكم ضخوا فيك ثقافة الخوف حتى أغرقوك فيها، وكم صنعوا لك فزاعات الخوف حتى حاصروك بها.
وفي الماضي كان يقال لك: (أجاك شيخ المطر) أو (أجاك أبو رجل مسلوخة) أو (غولة يا ناس غولة). واليوم يقال لك: (أجاك بن جفير).
فمن سيجدد فيك الثقة بنفسك من جديد؟
4. ينتظرنا جيل من شبابنا هم بعشرات الآلاف، وهم موجودون يتسكعون في الشوارع ليلًا وينامون نهارًا. وهم موجودون في كل بلداتنا، حتى الصغيرة فيها من حيث عدد سكانها. وهم ليسوا في سلك التعليم ولا في سلك العمل. ولذلك هم شباب بلا عنوان، وهم غير منتمين إلى أي حركة سياسية أو حزب سياسي فينا. ولا يحظون بحمى مسجد ولا رعاية مركز ثقافي ولا دفء أسرة ولا حماية حي ولا حارة.
وهم ما بين من يتعاطى البروكسيت ومن أدمن على مخدرات أخطر، ومن جنح إلى إحدى عصابات الجريمة ولاذ بها وبما تقدمه له من مغريات خادعة.
فمن لهم؟ ومن سيحتضنهم؟ ومن سيصوب مسارهم؟ ومن سيعيد لهم الثقة بأنفسهم؟ ومن سيعيدهم إلى رباط الألفة مع مجتمعنا؟ ومن سيشعرهم أن لهم وزنًا وقيمة وليسوا كمًّا مهمَلًا قبل أن يتحولوا إلى طوفان جارف في كل اتجاه!! يضاعف العنف فينا ويضاعف مآسيه، ولات حين مندم.
5. ينتظرنا المسجد الأقصى الذي أوشك أن يكون وحيدًا فينا، إلا من عشرات الآلاف التي تشد إليه الرحال في كل يوم جمعة، وإلا من ألف أو أقل منا قد تشد إليه الرحال في كل يوم سبت، وفي سائر أيام الأسبوع.
فأين نحن؟ هل لأهلنا في القدس المباركة عذر ألا يرفدوا المسجد الأقصى بألف من رجالهم ونسائهم وأطفالهم كل يوم؟ وهل لأهلنا في الجليل عذر ألا يرفدوا المسجد الأقصى بخمسين حافلة كل يوم؟ وهل لأهلنا في المثلث عذر ألا يرفدوا المسجد الأقصى بثلاثين حافلة كل يوم؟ وهل لأهلنا في النقب عذر ألا يرفدوا المسجد الأقصى بعشرين حافلة كل يوم؟ وهل لأهلنا في المدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) عذر ألا يرفدوا المسجد الأقصى بخمسة حافلات كل يوم؟
كي يلتزم الجميع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إئتوه فصلوا فيه).
وإلا فإن البديل أن يبقى المسجد الأقصى وحيدًا إلا من أفواج المستوطنين التي باتت تقتحمه كل يوم. فهل نرضى لأنفسنا ونرضى للمسجد الأقصى أن يبقى غريبًا فينا؟
سألت نفسي: كم عدد أهلنا في القدس؟ وقيل لي يصل عددهم إلى أربعمائة ألف، وهذا يعني أن كل واحد منهم لو زار المسجد الأقصى مرة واحدة في كل عام لظلت ساحات المسجد الأقصى مزدحمة بأهله، كل يوم وكل ساعة.
ثم سألت نفسي: كم عدد أهلنا في الداخل ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية، (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة)؟ فقيل لي يصل عددهم إلى مليونين ونيف، وهذا يعني أن كل واحد منهم لو زار المسجد الأقصى مرة واحدة في كل عام لظلت ساحات المسجد الأقصى مزدحمة بأهله كل ساعة وكل يوم.
إلتزاما من كل هؤلاء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إئتوه فصلوا فيه).
وقد يقال لي: هناك خطر بالإبعاد عن المسجد الأقصى، ولو سلمنا بهذا الأمر، ولو قام الاحتلال الإسرائيلي بإبعاد عشرة آلاف عن المسجد الأقصى، فأين سائر أهلنا في المواقع التي ذكرتها…
6. ينتظرنا لجنة المتابعة العليا، وسلفًا أقول: لا أنتظر منها المعجزات، ولكن أنتظر منها أن تقوم بما تستطيع القيام به، أنتظر منها أن تقيم لنا نواة صندوق مالي عصامي حتى تمول ما تحتاج إليه من الأساسيات التي لا بد منها.
أفيعقل أن تبقى لجنة المتابعة العليا حتى الآن بلا مكتب ثابت وعنوان معروف لها، وبلا سكرتير وبلا أرشيف وبلا قدرة على تغطية التشريفات في جلساتها، وبلا حد أدنى من المراقبة والمحاسبة لأعضائها ولجانها وقراراتها؟
7. ينتظرون أجواء مجتمعية مغبرة وملبدة بالضباب الكثيف والمصحوب بالاحتقان بسبب الكم الهائل من سقطات الألسن والأقلام والمواقع في أجواء انتخابات الكنيست الأخيرة، وكأن مجتمعنا لم يشهد إلا هذه الانتخابات منذ عام 1949، حيث استبيح فيها الكذب المصحوب بالأيمان المغلظة، واستبيح فيها توجيه الشتائم السوقية والتجريح، والرجم بالتخوين، واستحضر فيها البعض مصطلح الخوارج أو مصطلح اليمين، ليصف بها البعض من أبناء مجتمعنا، وظهر فيها من يفتي وهو لا يملك أدنى شروط الإفتاء، وتسافه فيها البعض على أهل العلم والدعاة، وتساوق فيها البعض مع من يكيدون لمجتمعنا المأزوم والملاحق في شربة مائه ولقمة طعامه وغرفة نومه، ما بين بلدة طوبا الزنغرية في الجليل حتى بلدة عبدة في النقب.
ولا شك أن ذلك أحدث احتقانًا مؤسفًا، والمطلوب هو أن يحاسب الجميع نفسه، وأن يعمل كل واحد بمسؤولية على تنقية أجواء مجتمعنا من كل هذه الترسبات المؤسفة، ومن كل هذه الاحتقانات، العائدة على الجميع بخسران مبين.
