آثام جارية، وأجور باقية

الشيخ عبد الله ادريس- عضو حركة الدعوة والاصلاح
ما أجمل أن يلقى الإنسان ربه بعمل صالح مقبول يكون سببًا في رحمة الله له في الدنيا والآخرة، ولكن الأجمل أن يأتي الإنسان يوم القيامة فيُفاجأ بحسناتٍ لم يتعب بها، وإنما لأنه دل الناس عليها، فكان له مثل أجرها. فقد أتى النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ رجلٌ يستحملُه (يطلب منه ناقة ليركبها ويحمل عليها) فلمْ يجدْ عندهُ ما يتحملُهُ، فدلَّه على آخرٍ فحملَهُ، فأتى النبيَّ صلى اللهُ عليهِ و سلمَ فأخبرَه فقال: “إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعلِه”، والمعنى بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “من دلّ على خير فله أجر فاعله”.
ومن هنا كان السلف الصالح يتسابقون في أعمال الخير فيدلون الناس عليها ويعلمونهم إياها ليأخذوا أجر فاعلها، فقد كانوا يتسابقون في تعليم الصبيان فاتحة الكتاب، ليكون لهم أجرها كلما قرئت، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “من علّم آية من كتاب الله كان له ثوابها كلما تُليت”. وقد قال السمعاني: رأوا أبا منصور الخياط بعد موته «في المنام»، فقيل له: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي بتعليمي الصبيان فاتحة الكتاب.
وفي ذلك قال عليه الصلاة والسلام: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا”. فمن دلّ الناس على كفالة حافلة للأقصى، فله أجر كفالة الحافلة، ومن دل غيره على صلاة، فله أجر صلاته، ومن دل على طاعة فله أجرها وأجر من عمل بها. ومن دل على سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء”.
وقد قال تعالى: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون” (104،آل عمران).
فتلك حسنة جارية في حياتك وبعد مماتك، قال عليه الصلاة والسلام: “من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته، وبعد مماته حتى تترك” ولهذا الحديث قصة لطيفة، فعن الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ اُ۪تَّقُواْ رَبَّكُمُ اُ۬لذِے خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ: ﴿إِنَّ اَ۬للَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباٗۖ﴾ [النساء:1]، وَالآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اُ۪تَّقُواْ اُ۬للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٞ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٖۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ﴾ [الحشر: 18]؛ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ.
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ“.
فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه.
وفي مقابل ذلك، فإن أناسًا يأتون يوم القيامة لا بسيئاتهم فحسب، وإنما يأتون بسيئات غفلوا عنها ولم يغفل الله عنها فكانت موبقات في رقابهم، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. إنهم أناس دلّوا غيرهم على الحرام، ودعوهم إلى حرام، وارتكاب الموبقات تحت تزيين الأسماء.
يقول أبو حامد الغزالي: “طوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مئة سنة ومئتي سنة أو أكثر يعذب بها في قبره، ويُسأل عنها إلى انقراضها”. هؤلاء من يقولون يوم القيامة متحسرين: (فأغويناكم إنا كنا غاوين)”32، الصافات”.
كانوا من دعوا الناس إلى ارتكاب المحرمات، ويسروا لهم المحرمات، وهونوا عليهم المحرمات، وسعوا بانتشار المحرمات، بل كادوا يحاربون من لا يستجيب إلى تلك المحرمات تحت وطأة العائلية والعاطفية. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيء”.
وهذا ما قاله الله تعالى: “وليحملنَّ أَثقالهم وأثقالًا معَ أثقالِهم وليُسألنَّ يوم القيامة عما كانوا يفترون” (13، العنكبوت). ويقول تعالى: “ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم” (25،النحل) يقول ابن كثير: “يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم”.
وقد بيّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم مثلًا واقعيًا في ذلك فقال: “لا تُقتل نفسّ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سنَّ القتل”. فقد ابتدأ سنة القتل وتتابع الناس في الجرأة على دماء بعضهم، فكان كل من قُتلَ ظلمًا في رقبته إذ ابتدأَ سنة سيئة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ”.
فمن دعا الناس إلى عرسٍ مليء بالخمور والموسيقى والتعري والاختلاط والرقص على الملأ، فعليه إثم كل من حضر تلك السهرة المحرمة. وعلى من شارك الإثم، قال ابن حجر: “من كثر سواد قوم في معصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم”، ومن دعا الناس إلى تدخين الشيشة فعليه إثم كل من ارتكبها معه. ومن حث صاحبه على أخذ قرض ربوي وأغراه فيه فعليه وزر الربا ذلك كله، ومن أفتى لغيره بغير علم فتوى باطلة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، فلا تتجرأ بالفتوى ولا تتجرأ بقولك له: ضعها في رقبتي.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “من استفتي له بشيء فإثمه على من أفتاه”. ومن نشر صور النساء والمتبرجات تحت مسميات الأعراس وألعاب كرة القدم النسائية وكرة السلة وكأنها وطنية، وصور الحفلات، فعليه وزرها ووزر من رآها إلى يوم القيامة. ومن فتح محلّا للقمار والتوتو وبيع الخمور والمحرمات، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها. (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم). ومن علّم غيره كيفية فتح المواقع المحجوبة والإباحية فعليه وزرها ووزر من عمل بها. ومن يرسل لغيره مقاطع مصورة أو صورًا للعورات والأمور الجنسية ونحو ذلك، فعليه وزرها ووزر من نظر إليها.
وإننا نشهد ابتداعًا وتطورًا في الإسراف والتبذير في الأعراس والمناسبات والعقائق والحفلات بغير داعٍ، فهي أموال في الهباء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا”. هؤلاء يوم القيامة من قال فيهم ربنا: (… وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا)”30، آل عمران”.
هؤلاء من يتفاجؤون يوم القيامة كما قال الله تعالى: “وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون” (الزمر). فما دعوت الناس له في الحرام سيلازمك يوم القيامة، وقد صحح ابن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما من داع يدعو لشيء إلا وقف يوم القيامة لازمًا لدعوته ما دعا إليه وإن دعا رجل رجلًا”.
واعلم أخيَّ، قال الحافظ ابن الجوزي: “ضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك، وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك – أعظم من الذنب إذا عملته”.
عن محمد بن المنكدر، أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه ما الذي أبكاه، فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال : يا أخي ما الذي أبكاك قد روعت أهلك أفمن علة أم ما بك ؟ قال : فقال : إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل، قال : وما هي ؟ قال : قول الله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) . قال : فبكى أبو حازم أيضا معه واشتد بكاؤهما، قال: فقال بعض أهله لأبي حازم : جئنا بك لتفرج عنه فزدته، قال : فأخبرهم ما الذي أبكاهما.
دعِ الفُجورَ فإنّ الشرَّ مُتّسِعُ – وكلُّ زَلَّةِ نفسٍ خلفَها طَمَعُ
تجري السيئاتُ إن مات الذي سنَّها – كَــنَهرِ سُوءٍ به الأحياءُ تندفعُ
مَن سـنَّ سُنَّةَ شرٍّ ظلَّ يحملها – وِزرًا عليه، وإن طالتْ بهُ الشُّـرَعُ
يا من يُضلُّ الورى فافهمْ بأنّ لهم – من كلّ ما اقترفوه، الإثمَ يتّبعُ
كأنّ قبــرَك نارٌ لا انطفـاءَ لها – وكلّ نَفْـسٍ على آثامِها تُدفعُ
فازرعْ من الخير ما يبقى سـنا حسَنٍ، – وإنْ مِتَّ… فأجرك الباقي هو الزرعُ
