أخبار عاجلةتقارير ومقابلاتمحلياتمرئياتومضات

د. شادية دهامشة لـ”موقع موطني 48”: الطفولة المبكرة تصنع مستقبل الإنسان.. والدكتوراه بداية لمسيرة عطاء جديدة

مارية محاجنة

تمثل الدكتورة شادية جمال دهامشة نموذجًا للمربية التي جمعت بين الخبرة الميدانية والبحث العلمي، بعد مسيرة تربوية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في رياض الأطفال، تُوّجت بالحصول على درجة الدكتوراه في الإدارة التربوية.

وفي هذا الحوار مع موقع موطني 48، تتحدث عن رحلتها الأكاديمية، ورسالة بحثها، والتحديات التي واجهتها، ورؤيتها لمستقبل التربية، كما توجه رسالة ملهمة إلى النساء والمربيات الساعيات إلى تحقيق طموحاتهن العلمية.

موطني 48: بداية، نبارك لكِ الحصول على درجة الدكتوراه في الإدارة التربوية. ماذا يعني لكِ هذا الإنجاز على الصعيدين الشخصي والمهني؟

د. شادية: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فهذا الإنجاز هو قبل كل شيء فضل من الله تعالى، ثم ثمرة سنوات طويلة من الاجتهاد والإيمان برسالة التربية والتعليم.

الحصول على درجة الدكتوراه بالنسبة لي ليس مجرد لقب أكاديمي، بل رحلة مليئة بالإصرار والصبر والعمل المتواصل. وعلى الصعيد الشخصي، هو تحقيق لحلم رافقني سنوات طويلة، وتجسيد لشغفي بالعلم والمعرفة، وإيمان راسخ بأن التعلم رسالة مستمرة. كما يحمل هذا الإنجاز رسالة لكل امرأة تؤمن بقدرتها على النجاح، مهما تعددت مسؤولياتها؛ فالإصرار ووضوح الهدف قادران على تجاوز كثير من العقبات.

أما مهنيًا، فأرى أن الدكتوراه مسؤولية قبل أن تكون إنجازًا، لأنها تضع على عاتق صاحبها واجب تحويل المعرفة إلى أثر حقيقي ينعكس على المجتمع والمؤسسات التربوية. ولذلك أعتبرها بداية مرحلة جديدة من البحث والعطاء والتطوير، وليست نهاية الطريق.

 موطني 48: كيف انعكس تخصصكِ في الإدارة التربوية على إدارتكِ لروضة الأطفال، وتعاطيكِ مع الأطفال والأهالي والطواقم التعليمية؟

د. شادية: علمتني الإدارة التربوية أن القيادة ليست سلطة، وإنما القدرة على بناء الإنسان وتحفيز الآخرين نحو تحقيق رؤية مشتركة. هذا التخصص جعلني أنظر إلى المؤسسة التربوية باعتبارها مجتمعًا متكاملًا يقوم على الثقة والانتماء والشراكة، لذلك أصبحت أكثر اهتمامًا بالتخطيط الاستراتيجي، وتمكين الطواقم التعليمية، واتخاذ قرارات تستند إلى المعرفة، إضافة إلى تعزيز دور الأسرة كشريك أساسي في العملية التربوية.

أما الطفل، فهو محور كل عمل تربوي، لأن ما يُبنى في سنواته الأولى يرافقه طوال حياته. ولذلك فإن العمل في رياض الأطفال يحتاج إلى تعلم مستمر، وفهم عميق لاحتياجات الأطفال النفسية والاجتماعية والتعليمية.

كما أؤمن أن المربية مطالبة بالتطور المهني الدائم، لأن رسالتها لا تقتصر على نقل المعرفة، بل على صناعة الإنسان.

وأظهرت نتائج دراستي أيضًا أن للأسرة دورًا محوريًا في تشكيل التجربة التعليمية، إذ استحضر كثير من الطلبة الجامعيين المشاركين في البحث أثر أسرهم في مرحلة الطفولة المبكرة.

 موطني 48: رحلة الدكتوراه ليست سهلة، خاصة مع مسؤوليات العمل والأسرة. ما أبرز التحديات التي واجهتكِ؟

د. شادية: التحدي الأكبر لم يكن الجانب الأكاديمي بحد ذاته، وإنما القدرة على التوفيق بين أدواري المختلفة؛ كمديرة، وباحثة، وأم، وجدة، إلى جانب مسؤولياتي الاجتماعية والمهنية. كانت مراحل جمع البيانات وتحليلها، وإجراء المقابلات، وكتابة الرسالة، من أكثر المراحل تطلبًا للوقت والجهد، إلى جانب السفر المتكرر، والمشاركة في المؤتمرات العلمية، وتقديم أبحاث باللغة الإنجليزية.

ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر لابني قصي، الذي كان سندًا حقيقيًا لي طوال هذه الرحلة، من خلال مرافقتي في السفر ومساعدتي في كثير من التفاصيل التي أسهمت في استمراري. كما أن دراسة بعض المساقات باللغة الإنجليزية والمشاركة في مؤتمرات دولية شكلتا تحديًا إضافيًا، لكن دعم المشرفين والزملاء، والثقة بالله تعالى، جعلت تجاوز هذه الصعوبات ممكنًا.

ومن المواقف التي أعتز بها وقوفي على منصة الجامعة في مناسبات رسمية مع تمسكي بقيمي ومبادئي الدينية، وهو ما اعتبرته رسالة تؤكد أن النجاح العلمي لا يتعارض مع الثبات على المبادئ.

موطني 48: رسالتكِ العلمية تناولت أثر الطفولة المبكرة على المسار الأكاديمي. ما الفكرة الأساسية التي أردتِ إيصالها؟

د. شادية: أردت أن أوصل رسالة واضحة مفادها أن الطفولة المبكرة ليست مرحلة عابرة، وإنما الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان، ودوافعه، واتجاهاته المستقبلية.

وأثبتت نتائج الدراسة أن أثر رياض الأطفال يمتد إلى سنوات طويلة، ويؤثر في شخصية الفرد ومسيرته التعليمية والأكاديمية، ولذلك فإن الاستثمار في الطفولة المبكرة هو استثمار في مستقبل المجتمع كله. اخترت هذا الموضوع انطلاقًا من خبرتي الطويلة في هذا المجال، وإيماني بأن ما يُزرع في السنوات الأولى يثمر لاحقًا، إضافة إلى وجود فجوة بحثية في الدراسات العربية التي تناولت العلاقة بين تجربة رياض الأطفال والنجاح الأكاديمي في التعليم العالي.

كما أؤكد دائمًا أن للمربية دورًا محوريًا في بناء الإنسان؛ فكل كلمة أو موقف أو تشجيع قد يترك أثرًا يمتد سنوات طويلة، وهو ما يجعل هذه الرسالة من أعظم الرسائل الإنسانية.

 موطني 48: بعد هذا الإنجاز، كيف ترين المرحلة المقبلة؟ وما الرسالة التي توجهينها لكل امرأة أو مربية تطمح إلى مواصلة تعليمها؟

د. شادية: أتطلع إلى مواصلة البحث العلمي، والعمل على تطوير مبادرات وبرامج تربوية تسهم في رفع جودة التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، وتعزيز الدافعية والانتماء لدى الأطفال. كما أطمح إلى نقل خبراتي إلى الأجيال القادمة من المربيات والقيادات التربوية، والمساهمة في تطوير العملية التعليمية وصنع القرار التربوي المبني على البحث العلمي.

أما رسالتي لكل امرأة ومربية، فهي ألا تسمح للظروف بأن تحدد سقف أحلامها. قد تكون الطريق طويلة، لكنها تستحق كل تعب، لأن الاستثمار في العلم هو استثمار في الذات والمجتمع، وكل امرأة تحقق ذاتها تفتح الباب أمام أخريات للسير في الطريق نفسه.

موطني 48: في ختام هذا اللقاء، ما الكلمة التي تودين توجيهها؟

د. شادية: تعلمت خلال هذه الرحلة أن النجاح لا يتحقق بصورة فردية، وإنما يقف خلفه أشخاص آمنوا بنا وساندونا في اللحظات الصعبة. أتوجه أولًا بالشكر لله سبحانه وتعالى، ثم لعائلتي التي كانت الداعم الأكبر، ولمشرفي الأكاديمي، ولكل من رافقني في هذه الرحلة. وأقول لكل العاملين في مجال التربية إن الأثر الحقيقي لعملنا قد لا يظهر اليوم، لكنه يبقى حيًا في نفوس الأطفال لسنوات طويلة. نحن لا نبني أنشطة وبرامج فحسب، بل نبني إنسانًا ومستقبلًا ومجتمعًا بأكمله.

وأدعو الله أن يجعل هذا الإنجاز بداية لمزيد من العطاء والعلم النافع وخدمة المجتمع، وأن يوفق كل من يحمل رسالة التربية والتعليم بإخلاص.

بطاقة تعريف

الاسم: الدكتورة شادية جمال دهامشة.

البلدة: كفر كنا.

الحالة الاجتماعية: أم لخمسة أبناء وبنات، وجدة لعشرة أحفاد.

المسيرة المهنية: معلمة ثم مديرة “روضة البراعم” منذ 35 عامًا.

المؤهلات العلمية: بكالوريوس في الطفولة المبكرة، وماجستير في إدارة أنظمة التعليم، ودكتوراه في الإدارة التربوية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى