عاشوراء نجاة المستضعفين

الشيخ محمود وتد – عضو حركة الدعوة والإصلاح
الحمد لله الذي جعل في أيامه عبرًا، وفي قصص أنبيائه هدى ونورًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كان يصوم عاشوراء ويقول: «نحن أحق بموسى منهم»، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإن يوم عاشوراء ليس يومًا عابرًا في التاريخ، بل هو يوم من أيام الله العظيمة، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (5، سورة إبراهيم)، وأيام الله هي الأيام التي تتجلى فيها قدرة الله ونصره لعباده وانتقامه من الظالمين.
لقد كان موسى عليه السلام وقومه يعيشون تحت ظلم فرعون وطغيانه، يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويستعبدهم، حتى ظن الناس أن فرعون لا يُقهر، وأن ملكه باقٍ لا يزول. لكن الله سبحانه أراد أن يعلم البشرية كلها أن الطغاة مهما بلغ سلطانهم فإنهم أضعف من أن يقفوا أمام إرادة الله.
خرج موسى عليه السلام ومن معه، فلما وصلوا إلى البحر، والعدو من خلفهم، قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (61، سورة الشعراء)، فكانت كلمة اليقين والثقة بالله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (62، سورة الشعراء). فانشق البحر، ونجا المؤمنون، وغرق فرعون وجنوده، ليبقى ذلك المشهد شاهدًا على أن النصر ليس بكثرة العدد والعدة، وإنما بتأييد الله وتثبيت المؤمنين.
إن عاشوراء يعلمنا أن الظلم لا يدوم، وأن الباطل مهما علا صوته وانتفش بجبروته فإنه يحمل أسباب هلاكه في داخله، وأن الله يمهل ولا يهمل.
وفي واقعنا اليوم، حيث تتكالب الأمم على المستضعفين، وحيث يرى الناس مشاهد القتل والتجويع والتهجير، قد يتسلل اليأس إلى بعض النفوس، ويظن البعض أن القوة المادية هي صاحبة الكلمة الأخيرة، ولكن عاشوراء يهمس في آذان المؤمنين: لا تيأسوا، فإن رب موسى هو رب محمد صلى الله عليه وسلم، ورب المستضعفين في كل زمان ومكان.
لقد وقف فرعون يومًا يخاطب قومه متكبرًا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ (51، سورة الزخرف)، فذهب ملكه وغرق جسده، وبقي ذكره مقرونًا باللعنة والخزي. وكذلك كل طاغية يظلم الناس ويبطش بهم، فإن سنن الله لا تتبدل، وقد يتأخر النصر لحكمة، لكنه لا يضيع.
وعاشوراء ليس دعوة إلى الانتظار السلبي، بل هو دعوة إلى الثبات والأخذ بالأسباب، فقد سار موسى بأمر الله، وتحرك، وبذل، وثبت، ثم جاء الفرج من حيث لا يحتسب.
ومن أعظم دروس عاشوراء أن الأمة لا ينبغي أن تعيش أسيرة الأحداث الآنية، بل تنظر بعين الإيمان إلى سنن الله في التاريخ، فكم من قوة ظن أصحابها أنها خالدة، ثم أصبحت أثرًا بعد عين، وكم من أمة ضعيفة صابرة كتب الله لها العزة والتمكين.
فلنجعل من عاشوراء يومًا لشكر الله، وتجديد الثقة بوعده، وتربية الأبناء على معاني الصبر والثبات، واستحضار أن الله ناصر دينه وأولياءه، وأن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر، وأن البحر الذي كان سبب خوف لموسى، جعله الله طريق نجاة له، وقبرًا لفرعون.
فيا أهل الإيمان، لا تغلبنكم ظواهر القوة، ولا يخدعنكم صخب الباطل، فإن لله أيامًا يرفع فيها أقوامًا ويضع آخرين، وعاشوراء شاهد خالد على أن العاقبة للمتقين، وأن نصر الله آتٍ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.