أخبار وتقاريرمقالاتومضات

الشرع الذكي وترامب الغبي.. وخرافة السلام بين لبنان وإسرائيل

الإعلامي أحمد حازم

في مقالي لهذا الأسبوع أريد معالجة موضوعين في آن واحد، نظرًا لأهميتهما: الأول، تصريح لترامب حول توريط سوريا في دخول لبنان بهدف الاشتباك مع حزب الله، والثاني، اتفاق ما سُمّي “إطارًا لسلام دائم” بين لبنان وإسرائيل.

لقد تفتقت عبقرية الرئيس الأميركي ترامب ليخرج إلينا بتصريح ناري يقول فيه إنه سيسلّم ملف حزب الله في لبنان إلى سوريا، مما يعني أنه يريد توريط الرئيس السوري أحمد الشرع مع حزب الله. ففي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” الأميركية، تحدث ترامب عن أن سوريا قد تكون قادرة على أداء “دور أفضل” من إسرائيل في مواجهة حزب الله، وهو ما قاله أيضًا على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا. ويرى ترامب أن “الرئيس السوري أحمد الشرع يتمتع بقدرة على التعامل مع ملف حزب الله بدقة أكبر”، والمقصود هنا: أكثر من إسرائيل.

ليس مهمًا ما يقوله ترامب، وليس مهمًا تقييمه لأي دور لسوريا، حتى لو لم يتم تقديم تفاصيل حول طبيعة هذا الدور أو آلياته، بل المهم هو رد فعل سوريا على الطرح الأميركي، وموقف الشرع من تصريحات ترامب.

الرئيس السوري أحمد الشرع كان في منتهى الوضوح في رده على ترامب، حيث قال في مقابلة إعلامية: “إن ما طُرح في بعض الاتصالات غير الرسمية أو اللقاءات السياسية يتعلق بإمكانية دعم الاستقرار في لبنان عبر قنوات سياسية وأمنية غير قتالية، وليس عبر أي وجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية، وأن الأولوية السورية تتمثل في منع التصعيد الإقليمي ودعم الاستقرار الحدودي، وأن سوريا لا تنوي القيام بأي تدخل عسكري في لبنان، وأن النقاشات التي جرت لم تتناول أي خطوات عسكرية”.

لا أحد يستطيع فهم عقلية ترامب، ولا أحد يمكنه تفسير تصرفه الغبي باقتراحه زجّ الشرع في صراع مع حزب الله، لكن الواضح أن ترامب يريد أن يعيد مجددًا تاريخ حافظ الأسد في لبنان، الأمر الذي يعني الجهل التام من جانب ترامب بطبيعة المنطقة. فالتدخل السوري، المطلوب أميركيًا في لبنان، يأتي لأن ترامب يطلب من أحمد الشرع القيام بما يبدو أن ترامب غير مستعد للقيام به، أو غير قادر عليه. وموقف ترامب، كما يراه محللون، يثير كل المخاوف في منطقة بات هناك شك في ما إذا كان الرئيس الأميركي يمتلك القدرة على فهم أبعادها وتعقيداتها.

(2)

في السادس والعشرين من شهر يونيو/حزيران الماضي، وقّع لبنان وإسرائيل في واشنطن على وثيقة ما سُمّي “إطارًا لسلام دائم”. والتوقيع، من المفترض، أن يوقف القتل الذي لم يتوقف من الجانب الإسرائيلي. لكن اتفاقًا لم يكن فيه الطرف الأهم في الصراع، وهو حزب الله، سيكون مجرد سلام على الورق، بينما ستتواصل الحرب على الأرض.

لنكن واقعيين ونضع النقاط على الحروف: هل الوثيقة الموقعة بين لبنان وإسرائيل هي فعلًا اتفاق سلام، أم هي اتفاق وعد بالسلام؟

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كان الأكثر صدقًا عندما وصف الاتفاق بأنه “بداية البداية”. فما وُقّع ليس معاهدة سلام، ولا حتى وقفًا دائمًا لإطلاق النار، بل خارطة طريق متدرجة، مشروطة، تقوم على مبدأ “التنفيذ مقابل التنفيذ”.

حتى إن كلام روبيو غير صحيح، لأن السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، له رأي آخر. اسمعوا ما يقوله بوضوح حول المعيار الأساسي الذي ورد صراحة في الاتفاق: “نزع سلاح حزب الله في مختلف أنحاء لبنان”. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى إسرائيل في المنطقة العازلة التي تسيطر عليها اليوم، والتي توازي نحو خمس مساحة الجنوب، مع احتفاظها بما تسميه “حرية العمل العسكري”. وكان نتنياهو أكثر وضوحًا عندما أعلن أن الجيش الإسرائيلي سيبقى حيث هو إلى أن يُنزع سلاح حزب الله، وربما حتى بعد ذلك.

الواضح أن فرص نجاح هذا الاتفاق ضئيلة جدًا، لكن يمكن أن يتغير كل شيء وتتبدل المعادلات، على أساس أن السياسة فن الممكن. ولو نظرنا إلى الاتفاق بشكل عام، لوجدنا وجهتي نظر مختلفتين تمامًا: إسرائيل ترى أن الانسحاب يبدأ بعد نزع سلاح حزب الله، بينما تقول وجهة نظر الحزب إن الانسحاب يجب أن يسبق أي نقاش بشأن السلاح. وهذا التباين ليس مسألة تفاوضية يمكن تجاوزها، بل هو رؤيتان متناقضتان بالكامل بشأن مَن يجب أن يقدّم التنازل الأول.

والمفارقة أن لبنان يفاوض إسرائيل، وهو نفسه أصبح جزءًا من صفقة لم يكن طرفًا في التفاوض عليها، إذ يجري التفاوض عليه في مكان آخر، والمقصود بين الولايات المتحدة وإيران. وهذا، كما يراه محللون، ما يجعل سيادته رهينة حسابات تُتخذ في واشنطن وطهران أكثر مما تُتخذ في بيروت. والحقيقة هي أن القرار اللبناني ما يزال مرتبطًا بتوازنات إقليمية أكبر منه، وأن هدوء الجبهة اللبنانية أصبح ورقة تفاوضية مفيدة لإيران.

السؤال المطروح الآن: هل إيران مستعدة للضغط على حزب الله ومنع التصعيد، وإبقاء الهدوء قائمًا في الجنوب؟ لكن، من جهة ثانية، لا يمكن لإيران أن توافق على نزع سلاح حزب الله، لأن ذلك يعني التخلي عن أهم أدوات الردع التي بقيت لها في المنطقة.

المعادلة الآن هي أن الوثيقة موقعة من ثلاثة أطراف، بغياب الطرف الأساس، وهو حزب الله. فالجدول الزمني أميركي، وأوراق الضغط إيرانية، والحسابات الأمنية إسرائيلية. وهذه العناصر الأربعة تنتظر ما ستسفر عنه التطورات على أمل النجاح، لكن حتى يتحقق ذلك، سيبقى السلام في لبنان مجرد فكرة يجري التفاوض عليها أكثر مما سيكون واقعًا يمكن أن يعيشه الشعب اللبناني.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى