أخبار وتقاريرمقالاتومضات

ما بين دراسات (ا. ب. يهوشواع) وشعبوية (تسفي سوكوت)

الشيخ رائد صلاح

(تسفي سوكوت) قادته الأحداث أن يكون رئيسًا للجنة التربية والتعليم في الكنيست الإسرائيلي، وها هو يصول ويجول بين مدارسنا ساعيًا إلى اقتحامها ومدعيًا أنها تربي على العنف وتحرض على الكراهية.

وكان يكفينا أن نقول لسكوت هذا: إذا كان بيتك من زجاج، فلا ترم الناس بالحجارة.

ولكن، وعلى قاعدة “لاحق العيّار لباب الدار”، ولأنه بعد أن فتل عضلاته على مدارس بلدة (طوبا الزنغرية) في الجليل، ثم فتل عضلاته على مدرسة وروضة دار الهدى في مخيم شعفاط بالقدس المباركة، وبعد أن أزبد وتوعد باقتحام مدارس مدينة أم الفحم، راجمًا من بعيد هذه المدارس في أم الفحم بالتهم ذاتها، وهي التربية على العنف والتحريض على الكراهية.

بعد كل ذلك، وجدت من المفيد أن أسجل هذه الملاحظات:

1- (سوكوت) هو النموذج الشعبوي القائم على سياسة (عليهم)، فهو صاحب ثقافة شعبوية لا تعرف إلا اليسير النادر عن الإسلام، وعن التاريخ الإسلامي، والحضارة الإسلامية، وعن اللغة العربية.

ولأنه كذلك، فهو يعيش في وهم الاتهام الشعبوي، وها هي نفسيته الشعبوية تقول له: بما أن (طوبا – الزنغرية) بلدة مسلمة، فهذا يعني أن مدارسها تربي على العنف وتحرض على الكراهية. وبما أن مخيم شعفاط هو مخيم فلسطيني، وهو مخيم مسلم، فإن مدارسَه منذ مرحلة الروضة مشكوكٌ في مناهج تربيتها وتعليمها، ولأن مدينة أم الفحم مدينة مسلمة وتضم أكثر من أربعين مسجدًا، فهذا يعني تلقائيًا أن مدارسها تحمل لواء التحريض والدعوة إلى الكراهية.

وهذا هو حال الشعبويين في كل زمان ومكان، ولا يتقنون إلا فن المكاء والتصدية، ويحسبون كل صيحة عليهم، ويحكمون على الإسلام بالإرهاب وهم أجهل الناس بالإسلام، ويتصيدون للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية العيوب، ولم يكلفوا أنفسهم أن يقرأوا وريقات عن هذا التاريخ وعن هذه الحضارة.

ويستبيحون لأنفسهم قمع اللغة العربية، وقمع أدبها وشعرها وبلاغتها وبديع بيانها، وهم لا يفرقون بين مبنى الفعل الماضي والفعل المضارع وفعل الأمر في اللغة العربية، وهكذا يعتمدون في مطارداتهم للإسلام وتاريخه وحضارته وللغة العربية على مراهقات بعض مدعي الإعلام، وعلى بعض التقارير المخابراتية التقليدية، وعلى بعض الإشاعات الجوفاء وهكذا هم يدمغون أنفسهم، رغم مناصبهم البراقة، بالجهل والسفاهة والتفاهة، ولكن في المقابل هناك من لا يرضون لأنفسهم بهذه المنزلقات المعيبة، ولا يتعجلون الحكم على أي دين أو فكر أو أدب إلا بعد دراسته في العمق، ثم يصدرون أحكامهم على كل هذه الملفات على بصيرة ووعي وقناعة، والمثال على ذلك هو الأديب اليهودي (ا. ب يهوشواع) الذي درس الإسلام ودرس السيرة النبوية، فكتب يقول: النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هو من صنع أكبر وأهم حضارة في العالم، قادت البشرية خلال مئات السنوات، ولا تزال إلى يومنا هذا تتمتع بالعديد من مزاياها وفضائلها. فلماذا يتعرضون لمحمد؟ – صلى الله عليه وسلم-.

ولا أدري هل يعرف (سوكوت) هذا الأديب اليهودي؟ وهل يعرف هذا التصريح الذي أدلى به بعد دراسته للسيرة النبوية، أم أن سوكوت قد يقرر زيارة مكتبة هذا الأديب اليهودي متهمًا إياها سلفًا… بالتحريض على العنف والكراهية.

2- وهذا الأديب اليهودي الغربي (ليوبولد فايس)، الذي بذل من وقته وجهده في دراسة الإسلام والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، فانتهى به المطاف أن أسلم وأطلق على نفسه اسم (محمد أسد)، ثم استثمر قلمه للكتابة عن الإسلام والدفاع عنه والتصدي لأي شبهة تثار حوله، وكان كتابه “الإسلام على مفترق طرق” هو من أشهر ما كُتب عن الإسلام.

فهل طرق أذني (سوكوت) اسم هذا الأديب واسم كتابه؟ أم أن وهم شعبويته سيبقى يحاصر عقله ويملي على تفكيره كل مستهجن، ثم يجعل من مواقفه أضحوكة لدى كل عاقل؟

3- وهذا الأديب اليهودي الأمريكي (مايكل هارت) صاحب الكتاب المشهور “المائة الأوائل”، حيث أخذ على عاتقه خلال هذا الكتاب أن يقرأ التاريخ البشري كله، ثم أن يختار من هذا التاريخ أهم الشخصيات التي كان لها الأثر الكبير فيه.

فاختار أهم مائة شخصية -وفق اجتهاده- من التاريخ البشري كله، ثم قام بترتيب أسماء هذه الشخصيات المائة وفق حجم أثرها وأهميتها في هذا التاريخ، ثم بعد أن قام بترتيب هذه الشخصيات المائة، خرج بنتيجة مفادها أن أهم شخصية في التاريخ هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك وضعه رقم واحد في هذا الكتاب، ولا أدري، هل هذا الكتاب “المائة الأوائل” موجود في مكتبة (سوكوت)، فإذا كان موجودًا، فهل قرأه أم علا الغبار هذا الكتاب، ولم يفتح (سوكوت) صفحاته حتى الآن؟

والطامة الكبرى أن يقال لا يوجد مكتبة لسوكوت أصلًا.

4- تعمدت -عن سبق إصرار- أن أنقل عن هؤلاء الأدباء اليهود المعاصرين الذين درسوا غيرهم وأنصفوهم، بل إن بعضهم أسلم وظل البعض الآخر على يهوديته، ثم لو نظرنا إلى التاريخ نظرة تدبر واعتبار، لا نظرة سطحية وساذجة، نجد أن مجموعة من كبار حاخامات اليهود قد أسلموا عندما اجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أو عندما قرأوا عن سيرته بعد موته، وعلى سبيل المثال، هذا الحبر اليهودي عبدالله بن سلام، الذي كان من سكان المدينة المنورة قبل أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، والذي كان من فطاحل علماء اليهود، يحدث عن نفسه ويقول:

“لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة جئت، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال: يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام”.

ثم يروي البخاري عن هذا الحبر عبد الله بن سلام أنه لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة في بني النجار، جاءه مستعجلًا وألقى إليه أسئلة لا يعلمها إلا نبي، ولما سمع ردوده صلى الله عليه وسلم عليها، آمن به ساعته ومكانه.

فهل علم (سوكوت) بخبر هذا الصحابي عبد الله بن سلام رضي الله عنه، الذي كان من أعلم يهود زمانه في التوراة، ولما تبين له أن هذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حقًا، أسلم وبايعه، وكان من خيرة الصحابة رضي الله عنهم حتى لقي الله تعالى.

5- وهذا الصحابي زيد بن السعنة رضي الله عنه، الذي كان في بداية أمره من أحبار اليهود الكبار، وكان من سكان المدينة المنورة قبل أن يهاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم بعد أن سمع زيد بن السعنة بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، أخذ يتفحص أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستعجل الحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وافتعل حدثًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعينه هذا الحدث على التعرف على حقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حدث طويل مكتوب بالتفصيل في السيرة النبوية.

ثم لما اطمأن زيد بن السعنة في ختام ذاك الحدث أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حقًا، أسلم وكان من خيار الصحابة.

وكتب عنه مؤرخو السيرة النبوية، وقالوا: “قتل شهيدًا مقبلًا غير مدبر”.

فهل سمع (سوكوت) ولو لمرة واحدة عن هذا الحبر اليهودي الذي تقلد منصب كعب الأحبار، وهو المنصب الذي كان يتقلده أعلم أحبار اليهود، ولما تحقق من صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلم ومات من ضمن الصحابة رضي الله عنهم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير القرون قرني”.

أم أن هناك من يحاول أن يعتم على تاريخ عبد الله بن سلام وزيد بن السعنة، أعلم أحبار اليهود في زمانهم ولذلك، أنا شخصيًا أوافق قول من قال إن الكثير من أحبار اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلموا، وهناك من جمع أسماءهم في قائمة طويلة وماتوا وهم جزء من جيل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

6- لا بل إن غيرهم من أحبار اليهود الذين لم يسلموا وماتوا على يهوديتهم كانوا على يقين أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حقًا الذي بشرت به التوراة.

وعلى سبيل المثال، قال ابن إسحاق: “حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حُيَيّ بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلّسين. وقالت فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟

قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم”. وفق هذه الرواية، فقد وصل حيي بن أخطب الى قناعة أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حقًا، ومع ذلك أبى حيي بن أخطب أن يسلم.

وقد كان حيي بن أخطب هو الزعيم الأول في حياة القبائل اليهودية التي سكنت المدينة المنورة وخيبر ووادي القرى وتيماء وفدك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكانت هذه القبائل اليهودية لا تعصي لحيي بن أخطب أمرًا، فلا أدري كم يعلم (سوكوت) عن تاريخ حيي بن أخطب وعن شهادته في هذه الرواية التي يؤكد فيها صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

7- هل وصل إلى مسامع (سوكوت) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما استقر بعد الهجرة في المدينة المنورة، عقد معاهدة مع يهود المدينة المنورة، فيها النصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، بعيدًا عن سياسة التهجير والإبعاد والمصادرة والخصام.

وكان من أهم بنود هذه المعاهدة ما يلي:

(1- إن يهود بن عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بني عوف من اليهود.

2- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.

3- وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.

4- وإن النصر للمظلوم.

5- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم… ).

وبنود هذه المعاهدة أكثر من ذلك.

فماذا يعرف (سوكوت) عنها؟!

8- والتزامًا بهذه المعاهدة، فإن رجلًا من يهود المدينة المنورة كان يدعى (مخيريق)، وكان من يهود بني ثعلبة.

ولما وقعت معركة أُحد، قال لقومه: “يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق”. قالوا: إن اليوم يوم الست. قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أُصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم عدا فقاتل حتى قُتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مخيريق خير يهود.” رواه ابن هشام.

فليت شعري، ليتني لو أعرف ماذا يعلم (سوكوت) عن هذا التاريخ الطويل المكتنز بالأحداث؟ ولماذا يتعمد البعض أن يحجب هذا التاريخ وأن يغيبه وكأنه ما كان في يوم من الأيام؟

9- ثم إن (سوكوت)، الذي يضع (الكباه) على رأسه ويدلي سالفين من شعر طويلين على خده الأيمن والأيسر، لا شك أنه قرأ مرارًا وتكرارًا قول سفر التثنية في العهد القديم: “جاء الرب من سيناء وأشرف من سعير وتلألأ من جبال فاران وأتى من ربوات القدس”، وهو نص واضح الدلالة. فسيناء هو الرمز لبداية نبوة سيدنا موسى عليه السلام، وسعير هو الرمز لبداية نبوة سيدنا عيسى عليه السلام، وجبال فاران هو مسمى جبال مكة المكرمة. ومن هناك بدأت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وربوات القدس لها دلالتها التي تظهر في قادمات الأيام. ولي ظن في داخلي حول ماهية هذه الدلالة، ولعل هذا الظن أن يكون صوابًا مستقبلًا. ولكن المقطوع به أن هذا النص من سفر التثنية يتحدث عن منطلق نبوة سيدنا موسى ثم سيدنا عيسى ثم سيدنا محمد صلوات الله عليهم جميعًا وحول ما ورد في العهد القديم، هناك نصوص كثيرة تبشر بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأسأل الله تعالى أن أفرد لها مقالات خاصة بها.

10- لقد مَنَّ الله تعالى عليّ، وقرأت سيرة كل التاريخ الإسلامي من مصدرين، الأول “البداية والنهاية” للإمام ابن كثير، والثاني “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” للإمام ابن الجوزي.

وخلال دراستي لهاتين الموسوعتين، وقفت على أسماء الكثير من أحبار اليهود الذين أسلموا. وتم تدوين أسمائهم بعد أن درسوا الإسلام والسيرة النبوية في العمق، ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا شعبويين يميلون حيث تميل الريح السياسية والمصالح الدنيوية.

11- نحن الآن في منتصف عام 2026، وها نحن نتابع بدقة وانتباه واهتمام تغير المناخ الفكري العالمي. فما بعد مرحلة هيجل ونيتشه وماركس وإنجلز وسارتر وألبير كامو، وما بعد مرحلة الرأسمالية والشيوعية والوجودية واللاأدرية والعبثية، بدأ ينمو ويتجدد ويمتد الفكر الإسلامي العالمي.

وبدأ ينضم إلى هذا الفكر ويدعو له الكثير من أعمدة الفكر الغربي على اختلاف تخصصاتهم، وهو موضوع طويل يحتاج إلى مقالات. ولكن على عجالة أذكر من أسمائهم ليوبولد فايس، وروجيه غارودي، وموريس بوكاي، ومراد هوفمان، والعالم أليسون، والعشرات الذين يطول ذكرهم، والذين لا يزال بعضهم حيًا يعيشون في أوروبا أو أمريكا أو الصين أو اليابان أو روسيا.

ولا يزال عددهم يزداد، وهو ما يؤكد أن المستقبل القادم هو مستقبل الفكر الإسلامي، وانتهى وقت تضليل الشعوب بواسطة الافتراء المتواصل على الإسلام.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى