غاب الفارس.. والحارس للغة الضاد

د. نواعم شبلي جبارين
ليس كلُّ راحلٍ يغيب، فهناك رجالٌ يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون مقيمين في الضمائر، نابضين في الذاكرة، خالدين بما تركوه من أثرٍ طيب، وعلمٍ نافع، وسيرةٍ عطرة. ومن أولئك الأفذاذ ابن خالتي الغالي أحمد سليم أبو بلال، الذي ترجّل عن صهوة الحياة، بعد أن أدّى رسالته بصدقٍ وإخلاص، فغاب الفارس، وغاب الحارس الأمين للغة الضاد.
إن الفقد حين يطرق باب العائلة لا يستأذن، لكنه حين يختار رجلًا بقامة أحمد، فإنه يترك فراغًا لا تملؤه الكلمات، لأن بعض الأشخاص لا يكونون أفرادًا عاديين، بل يكونون مدارس في الأخلاق، ومنارات في الفكر، وأصحاب رسالة عاشوا لها.
كان أبو بلال عاشقًا للعربية، وآمن بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل وعاء الهوية وروح الأمة. وتجسّد هذا الإيمان في كتابه «بالعربي أهيب»، الذي دعا فيه إلى إحياء المفردة العربية الفصيحة واستبدال الدخيل منها، فكان الكتاب رسالةً ثقافيةً راقيةً تحث على الاعتزاز بلغة الضاد وصونها للأجيال.
لقد أدرك أن ضياع المفردة بداية ضياع الهوية، فكرّس جهده لتصويب اللسان العربي، وغرس محبة اللغة في النفوس، مؤمنًا بأن الأمة التي تحفظ لغتها تحفظ تاريخها وحضارتها.
أما على المستوى الإنساني، فقد كان مثالًا في التواضع، وطيب الخلق، وصدق المحبة، كريم النفس، حاضر الابتسامة، حسن السيرة، فترك في قلوب كل من عرفه أثرًا لا يمحوه الزمن.
نم قرير العين يا أبا بلال، فقد تركت علمًا نافعًا، وسيرةً عطرة، ومحبةً صادقةً في قلوب أهلك وأصدقائك ومحبيك.
نسأل الله تعالى أن يجعل علمك صدقةً جارية، وأن يغفر لك ويرحمك، ويجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، ويلهم أهلك وذويك الصبر والسلوان.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجعل ذكرك الطيب باقيًا ما بقيت لغة الضاد شامخة.