من يحمي فرادة الإبداع الإنساني بعد إطلاق جائزة للأدب الاصطناعي؟

في الوقت الذي تشهد فيه الأوساط الثقافية انتقادات واسعة لموجة النصوص المولّدة آلياً والهجينة، والتي انتهت بإعلان دار النشر الكندية “بوريال” مقاطعتها للكاتب الهايتي-الكندي تيليسون أورليان ووقف طباعة روايته التي استُبعدت من جائزة غونكور لثبوت استعانته بالذكاء الاصطناعي، يظهر في فرنسا مسارٌ معاكس تماماً بإطلاق “جائزة باسكال للأدب بالذكاء الاصطناعي” (Prix Pascal de Littérature IA).
هكذا يجد الإبداع نفسه أمام مفارقة غير مسبوقة؛ فبينما تُستبعد النصوص المولّدة بالآلة من منصات التتويج ودور النشر حمايةً للبصمة البشرية، تُفتح لها أبواب أخرى، بل تُستدعى للمشاركة في الحوار الراهن حول أزمات الإنسان والبيئة. إذ تشترط الجائزة أن تُسهم النصوص المتنافسة في ابتكار حلول لمعضلة أخلاقية أو اجتماعية أو بيئية تهدد البشرية، وكأن الآلة قادرة على الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي عجز الإنسان عنها.
شرعنة الانتحال
تتكشّف دوافع هذه الجائزة، وربما مواطن الريبة في مشروعها، بمجرد النظر في شروطها، إذ تتراوح أحجام المخطوطات المقبولة بين عشرة آلاف وخمسين ألف كلمة، مع إلزام الكاتب بالإفصاح عن النماذج اللغوية والموجِّهات التي استعان بها في تشييد عالمه الروائي، أو بالأحرى “عوالمهم” المخلَّقة، فهل المراد من الإفصاح ضمان الشفافية وتقييم إسهام كل طرف في النص، أم اختبار النماذج اللغوية وقياس قدرتها على توليد الأدب، ومقارنة أداء شات جي بي تي بجيميناي، ورصد مواطن القوة والقصور في مخرجاتهما؟
تحمل الجائزة اسم العالِم والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال، وهو الذي ابتكر الآلة الحاسبة لتخفيف عبء الأرقام عن العقل البشري، لكنه عندما انصرف إلى كتابة الخواطر، لم يترك لتروس الآلة مهمة التفكير نيابة عنه. وربّما احتاج الشاعر، منذ فجر الأدب، إلى قوة تفوق قدرته تقديراً لعظمة الخلق وصعوبة مخاضه؛ فهوميروس استدعى في الميثولوجيا الإغريقية “ربّة الشعر” ملتمساً منها جذوة الإبداع لبناء مآسي حرب طروادة، بينما رأى أفلاطون، في محاورة “أيون”، أن الشاعر تحركه قوة إلهية تجعله في لحظة الإلهام أشبه بوسيط يتلقى القول ثم يفيض به على الآخرين.
غير أن الآلة ليست ربّة شعر؛ وما يُنسب إليها من قدرة على الإبداع لا يعدو أن يكون محاكاةً بارعة لآثاره الظاهرة. إنها محض ببغاء رقمية تتغذّى على قريحتنا، وتنسج من شذراته نصوصاً قد تبدو متماسكة، لكنها لا تنفذ إلى صميم التجربة الإنسانية وفرادتها. وبما أن الإبداع الأصيل نسيج فريد لا يأتي على غرار غيره، فإن كل ما تنتجه منصات الدردشة الآلية منبتّ الصلة عن جوهر الخلق الفني.
في مصيدة التجارة الرقمية
يبدو الوعد بنشر العمل الفائز، وما يحيط بالجائزة من اعتراف أدبي ومكانة، وسيلة لاستمالة الكاتب إلى الوقوع في الفخ، ودفعه، تحت إغراء التكريم والنشر، إلى قبول شراكة مع الآلة لم تتضح بعد تبعاتها الجمالية، مع أننا ندرك من الآن فداحتها؛ اللغة المكررة، التراكيب الشائعة، الأنماط المجترة دون القدرة على منحها تلك الروح المباغتة والبصمة البشرية. فمن المستفيد الحقيقي من ترسيخ هذه الشراكة ومنح الذكاء الاصطناعي شرعية الشراكة بالقوة؟
لعل النظر في خلفيات مؤسسي جائزة باسكال يتيح لنا زاوية أوسع للرؤية، فالمبادرة لم تنطلق من مؤسسة أدبية عريقة أو تجمع للكتّاب، بل أسسها ثلاثة من رواد الأعمال المرتبطين بقطاعات التكنولوجيا والأعمال الرقمية: فيليب رودريغيز، وهو من الشخصيات البارزة في قطاع العملات المشفرة والبلوك تشين في أوروبا؛ وألبان سرفيان، رائد الأعمال في الإعلام الرقمي والرئيس السابق لمجلة “تيتو”؛ وجيل مانتريه، الأكاديمي والموظف الحكومي السابق الذي شارك في تأسيس منصة للتصويت الإلكتروني.
ربما لا تثبت هذه الخلفيات وحدها وجود غرض مستتر وراء الجائزة، لكنها تفتح الباب أمام التساؤل عن المصالح التي قد تلتقي عند تقاطع التكنولوجيا والثقافة. فحين يبادر فاعلون من عالم الأعمال الرقمية إلى إطلاق جائزة تمنح الكتابة بالذكاء الاصطناعي اعترافاً أدبياً ومؤسسياً، يصبح من الضروري الالتفات إلى ما قد يترتب على هذه المبادرات من تطبيع لاستخدام النماذج اللغوية وتوسيع سوقها التجارية.
هل علينا أن نقلق؟
لا خلاف على ما أتاحه الذكاء الاصطناعي من قواعد بيانات مذهلة، ولا على قدرته على تقديم نصائح تبدو، في معظمها، نافعة، فتحت آفاقاً جديدة للحوار مع المبدع؛ ذلك الحوار الحي الذي طالما افتقده الأديب في كامل عزلته أمام رقعة البياض. ولعل أكثر ما يلفت النظر في أزمة رواية “اتصل بي، وسأتولى إخفاء الجثة” للكاتب النيجيري جيري فالادي، أن المخطوطة التي غدت لاحقاً موضع شك، كانت قد حظيت، قبل انكشاف الجدل حولها، بإعجاب واسع. فقد وصفها الوكيل الأدبي مارك جيرالد بأنّ “الجميع قد وقع في حبها؛ إنها رواية يمكن أن تجذب جميع القراء بلا استثناء”.
يكفي هذا النجاح للدلالة على كفاءة العقول التي صنعناها بأيدينا، وعلى قدرتها على إنتاج نصوص تستدرج إعجاب القراء وتستميل ذائقتهم. لكن أن ترتقي من مرتبة الأداة إلى مرتبة الشريك في الإبداع، أو أن تتقاسم الجوائز مع الأرواح البشرية الحائرة، أو أن يُعلن عنها طرفاً موازياً للكاتب في العملية الإبداعية، يقلب المعادلة رأساً على عقب. فبدلاً من أن تظل أداةً في يد الإنسان، كما جرى العهد منذ حجر الصوان حتى القنبلة الذرية، إذا بالإنسان المبدع نفسه يوشك أن يتحول إلى أداة في يدها؛ يمدّها بخبرته، ويختبر نماذجها، ويغذّي خوارزمياتها، ثم يدخل معها في منافسة على جائزة أدبية.
أهي مفارقة العصر الرقمي، أم أننا نشهد بداية عملية لإعادة تشكيل روح الإبداع، وتسطيح فرادته؟ وهل يُراد لنا، في خضم هذا الطوفان، أن نتخلى لأجل الحصول على جائزة، عن بصمتنا البشرية، تلك التي لا تتكرر؟
