الثبات الثبات يا حملة الراية

الشيخ كمال خطيب
اللهم إنك تعلم أن دعاة الإسلام يريدون لدينك سيادة، ولكتابك تحكيمًا، ويريدون للإسلام عزًا، ولكل العالم أمنًا وسلامًا واستقرارًا {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [25 سورة يونس].
اللهم منك العون وبك الصون وإليك الوجهة وعليك المعتمد. النصرة قدرتك {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [126 سورة آل عمران]، والهداية مشيئتك {وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [46 سورة النور].
اللهم ربّنا وجهك أردنا، ودينك أحببنا، ورسولك اتبعنا، وبقرآنك اهتدينا، وفي سبيلك بذلنا، وعليك توكّلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [14 سورة الممتحنة].
إنه لا أعجب من رجل أعطاه الله نعمة فيركلها بقدمه، وقوّة فيبدّدها، وعقلًا فيلغيه ليعيش كالأنعام بل أضلّ سبيلًا، {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [ 179 سورة الأعراف]. وإن من أعظم النعم التي أنعم الله بها علينا هي نعمة الإسلام التي لا يسع العقلاء إلا أن يشكروا الله ربّهم عليها، ولكننا نجد من يرى بأمّ عينيه، ومن يقوم الدليل القاطع الجازم بين يديه يثبت له فشل وسقوط مناهج الشرّ التي نادوا بها وزعموا أنها ستسعدهم وتحلّ لهم مشاكلهم، وإذا بهم كمن يشرب من ماء البحر، فكلّما ازداد شربًا ازداد عطشًا. ومع فشل مشاريعهم ومناهجهم الشرقية والغربية، الاشتراكية والرأسمالية، القومية والوطنية، إلا أنهم مصرّون ومستكبرون، ويرتكسون في الضلالة بل ويستحبون الضلالة على الهدى {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [160 سورة البقرة].
استحبوا العمى على الهدى
إننا لو نظرنا في أحوال وأسباب أولئك المكابرين الذين اختاروا الضلالة على الهدى والذين اختاروا الباطل على الحقّ والشرّ على الخير وعادوا الإسلام وانحازوا إلى صفّ أعدائه، لوجدنا أنها أسباب ومبررات كثيرة ومختلفة، ولكنهم يجتمعون كلهم في قاسم مشترك واحد، إنه العداء لدين الله تعالى. كان هذا في الماضي وهو كذلك في الحاضر وسيظلّ في المستقبل إلى ما شاء الله.
فمن هؤلاء من يمنعهم عن اتباع الحقّ الجحود والعلوّ كما كان حال فرعون وملأه {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [14 سورة النمل]. وكما كان حال قريش مع رسول الله ﷺ {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [33 سورة الأنعام].
ومن الناس من يمنعهم عن اتباع الحقّ انتكاس فطرتهم ورضاهم بالحياة التافهة {وَأَمَّا ثَمُوْدٌ فهديناهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [17 سورة فصلت]. فكما أن من الناس من يستكبرون ويرفضون السجود لله تعالى، بينما هم يخرّون ساجدين لصنم من خشب أو حجر صنعوه بأيديهم، وكما أن طيورًا لا تعيش إلا في قمم الجبال، فإن طيورًا أخرى لا تحبّ العيش إلا في السفوح بل في حفر الأرض. ومثلما أن طيورًا لا تحبّ العيش إلا عند منابع الأنهار، فإن طيورًا أخرى لا تعيش إلا في المستنقعات. ومثلما أن حيوانات لا تأكل الجيف وما اصطاده غيرها، فإن حيوانات وطيورًا لا تقتات إلا على الجيف ولا تراها إلا عند مكبّات النفايات.
وهكذا حال من انتكست فطرتهم، ففضّلوا العمى على الهدى، {وَأَمَّا ثَمُوْدٌ فهديناهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [17 سورة فصلت].
ومن الناس من يمنعهم عن اتباع الحقّ وامتثال توجيهات الإسلام الكبر، كما قال كفار قريش لرسول الله ﷺ {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} “27 سورة هود”. فقد كان صعبًا عليهم وفق منطقهم الأعوج ووفق الكبر الذي طفحت به رؤوسهم، أنه من غير المعقول أن يكونوا في جماعة واحدة فيها الفقراء وعامة الناس، بل إنهم استكثروا أن يكون هذا القرآن نزل على رسول الله ﷺ لأنه كان أولى وأجدر بالنزول على زعيم عظيم وصاحب جاه، وليس على فقير يتيم هو محمد ﷺ {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [31 سورة الزخرف] المقصود أن من كان يليق به أن ينزل عليه القرآن هو عظيم مكة الوليد بن المغيرة، أو عظيم الطائف حبيب بن عمير الثقفي وليس على محمد ﷺ.
وهذا ما كان كذلك مع جبلة ابن الأيهم آخر ملوك الغساسنة وقد دخل في الإسلام، ثم إنه في عهد وخلافة عمر رضي الله عنه وقد كان جبلة يطوف حول الكعبة وكان يلبس ثوبًا طويلًا يجرّ بعض أطرافه جرًا، فكان أن داس أحد الأعراب خلال الطواف على ثوب جبلة فغضب وشعر بالإهانة، فلطم جبلة الأعرابي الذي اشتكاه إلى عمر رضي الله عنه، فحكم عمر بالقصاص، أي أن يلطم الأعرابي جبلة لطمة، فاحتال جبلة وفرّ هاربًا إِلى بلاد الروم وارتدّ عن الإسلام كبرًا أن يقتصّ منه أعرابي من عوام الناس وهو سليل الملوك.
إنه الكبر يجعل البعض يسلك سبيل الهلاك والضلال فقط لأنه يعظم عليه أن يستجيب للحقّ، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال له: كُل بيمينك. قال: لا أستطيع. فقال له النبي ﷺ: لا استطعت ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلى فيه”. أي أصابها الشلل بسبب كبره ومناكفة رسول الله ﷺ.
ومن الناس من يمنعهم عن اتباع الحق أنهم يستحسنون القبيح ويحكمهم الهوى بدل الإنصاف، كما حصل في قصة يوسف عليه السلام لمّا اتهمته امرأة العزيز كذبًا وزورًا أنه يراودها عن نفسها، فرغم الأدلّة الواضحة إلا أنهم أصرّوا على سجنه {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} [35سورة يوسف].
مثل هؤلاء، فرغم كل الأدلّة على فشل مشاريعهم وإفلاسها إلا أنهم يصرّون على معاداة الإسلام وعدم القبول به بديلًا وحلًّا لمشكلات البشرية، ليصدق فيهم قول القائل: “عنزة ولو طارت”.
ومن الناس من يمنعهم عن اتباع الحقّ بل ومعاداة الإسلام، موازينهم المختلة وأحكامهم المتضاربة. فهذا رسول الله ﷺ الذي كان لا يُعرف عندهم إلا بالصادق الأمين، وكان أحدهم لا يجد شخصًا يأتمنه على أمواله إذا سافر إلا محمد ﷺ، فما أن صدع بالرسالة وناداهم إلى الحقّ ودعاهم إلى الإسلام، وإذا بهم تنقلب موازينهم فيصبح الكذّاب المجنون صلوات ربي وسلامه عليه.
وهذا ما كان من إصرار أبي طالب عمّ رسول الله ﷺ على عدم النطق بالشهادتين رغم معرفته بصدق ابن أخيه وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ لعمّه: “قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. قال: لولا تعيّرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك”. فأنزل الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [56 سورة القصص].
وهذا ما كان مع الصحابي الجليل عبد الله بن سلام
وكان من أعلم أحبار اليهود، فلما أسلم ونطق بالشهادتين قال: يا رسول الله إن قومي قوم بُهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك. فجاءت اليهود ودخل عبد الله بن سلام البيت، فقال لهم الرسول ﷺ: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وخيرنا وابن أخيرنا. فقال لهم رسول الله ﷺ: أفرأيتم إن أسلم عبد الله، فهل تسلمون؟ قالوا: أعاذنا الله من ذلك. فخرج عبد الله بن سلام إليهم وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا: هو شرّنا وابن شرّنا وسفيهنا وابن سفيهنا. أي أنهم غيّروا رأيهم فيه فقط لأنه أسلم. فقال عبد الله بن سلام للنبي ﷺ: ألم أقل لك إنهم قوم بُهت.
الثبات الثبات
ومع اختلاف أنواع من يعادون الإسلام ويمتنعون عن اتباع الحقّ، ومع كل ما يمارسونه من أكاذيب وافتراءات لتشويه صورة الإسلام ودعاته، فإنهم لن يستطيعوا أن يوقفوا مسيرة الحقّ، ولن يستطيعوا تشويه صورة هذا الدين وهذه الدعوة. فهم مثل ذلك الصبي الذي راح ينثر التراب يريد أن يحجب نور الشمس فيسقط التراب على رأسه بينما بقيت الشمس تتوهّج في كبد السماء.
وإن مثل هؤلاء كمثل ذلك الوعل “الغزال” الذي أعجب بقرنيه وطولهما وحدّتهما فظن أنه بهما يستطيع أن يتحدّى الصخرة الصلبة، فراح يناطحها، وإذا بقرنيه يتكسّران بينما بقيت الصخرة صلبة شامخة ثابتة في مكانها.
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرّها وأوهى قرنه الوعل
إن اغترار أهل الباطل وصلفهم وظنّهم بأن كيدهم للإسلام ودعاته سيحقق مبتغاهم ويُنجح مشروعهم بطمس نوره، فإنه الوهم، لا بل إن النتيجة بإذن الله تكون عكسية، لأن لكل فعل ردّ فعل مساويًا له في القوّة ومعاكسًا له في الاتجاه، فها هم دعاة الإسلام وحملة رايته ماضون لا يرهبهم التهديد ولا الوعيد يحملون الراية فلا تسقط بإذن الله تعالى، وإن كان ثمن ذلك السجون والمنافي، بل وحتى الموت في سبيل الله، لسان حال الواحد منهم يقول:
تالله ما الدعوات تهزم بالأذى أبدًا وفي التاريخ برّ يميني
ضع في يديّ القيّد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي ناصري ومعيني
سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي وأموت مبتسمًا ليحيا ديني
إنهم دعاة الإسلام وحملة رايته، ومهما تناوشتهم سهام الأعداء والأشقاء فإنهم ماضون لأنهم أخذوا على أنفسهم العهد أن لا يقيلوا ولا يستقيلوا وأن لا ينقضوا عهدهم ولا بيعتهم مع دعوتهم ومع رسولهم وحبيبهم محمد في خدمة دينه، ولسان حالهم يقول:
نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما حيينا أبدًا
إنهم ماضون ثابتون وهم يعلمون أن طريقهم ليس مفروشًا بالورود والرياحين وإنما هي طريق المحن والابتلاءات، {الم*أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [1-2 سورة العنكبوت]. ولقد أوصاهم بذلك الشهيد سيّد قطب لما قال لكل واحد من الدعاة: “لن يتركوك حتى لو اعتزلت في بيتك وأغلقت عليك بابك، فطالما الحقّ ينفذ من شباك بيتك فأنت تهديد يجب أن يزول”.
وكيف يزول ضوء الحقّ ونور الإسلام ودعاته الذين يحملونه وربنا سبحانه قد تكفّل به لمّا قال: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [8 سورة الصف].
فالثبات الثبات يا دعاة الإسلام ويا حملة رايته في هذه الحرب الظالمة على الإسلام، وفيها حتمًا سينتصر الإسلام بإذن الله، وليس أنه بالثبات يكون الضمان الأكيد لإسناد دعوة الإسلام وإنما بما هو أعظم من ذلك، كما قال ابن القيّم رحمه الله: “على قدر ثبات العبد على هذا الصراط الذي رضيه الله لعباده في الدنيا يكون ثبات قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم يوم القيامة”.
فاثبتوا أيها الدعاة الأخيار ولا تسقطوا الراية. وإذا كان بعض الصحابة من الرماة قد نزلوا من مواقعهم في أُحد، فكانوا سببًا في الهزيمة، فإن آخرين ثبتوا ولم يبرحوا مواقعهم ولسان حالهم يقول:
سنظلّ في جبل الرماة وخلفنا صوت النبي يهزّنا لا تبرحوا.
فاثبتوا أيها الدعاة ولا تبرحوا مواقعكم، ولسان حالكم يقول:
سنظلّ في صفّ الدعاة وخلفنا صوت النبيّ يهزنا لا تبرحوا
فاثبتوا يا حملة راية الإسلام وكونوا كالخيل الأصايل حينما تشعر بفطرتها بقرب نهاية شوط السبق، فإنها تبدو في أقصى طاقتها. فأنتم الخيول الأصايل وخيول غيركم تعرج، لا بل إنها خيول هجينة. فامضوا في طريقكم واثبتوا على نهجكم وأخلصوا لربكم، ورابطوا في ثغور ومواطن دعوتكم واصبروا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [200 آل عمران]، وكونوا على يقين بصدق وصية داعية مثلكم يوصي أخاه يقول له: “يا أخي إذا رأيت الليل يسود ويسود فاعلم أن فجره قريب، وإذا رأيت الحبل يشتدّ ويشتدّ فاعلم أن انقطاعه قريب، وإذا رأيت الباطل يعتدّ ويعتدّ فاعلم أن زواله قريب، وإذا رأيت الكرب يحتدّ ويحتدّ فاعلم أن الفرج قريب.
نعم إن الفرج قريب، وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
