من البيت إلى المجتمع… كيف نعيش التناقض بين القول والعمل

ليلى غليون
ليس أبلغ ولا أبين ولا أدق من آيتين كريمتين أفتتح بهما مقالتي توضحان، بل تختصران كل ما سيُذكر في هذه المقالة، إنه قول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” (سورة الصف).
فهذا النداء من رب العزة ليس مجرد لوم أو تقريع على أقوال لا تتحول إلى أفعال، بل هو دعوة عميقة لمراجعة النفس، ومحاسبة الضمير، والتأمل في المسافة التي تفصل بين ما نقوله وما نعيشه.
وقد سمى المولى عز وجل هذا الانفصام بين القول والعمل بالمقت، لا بل جعله أكبر المقت (كبر مقتًا)، وهذا من عظم هذه الآفة الخطيرة.
فما أسهل أن نتحدث عن الصدق وأن نطالب الآخرين بالوفاء، وأن نرفع شعارات العدل والاحترام والتسامح والمحبة وغيرها، وما أسهل أيضًا أن ننتقد الكذب والظلم والأنانية والنفاق، وأن نضع أنفسنا في موقع الحكم على الآخرين، لكن السؤال الصعب: هل نلتزم نحن بما نطالب به غيرنا؟ وهل نمارس في حياتنا اليومية القيم والمبادئ التي ندافع عنها ونرفع ألويتها، أم أنّ الأقوال في واد والأفعال في واد آخر؟!
فهناك من هو بارع في اكتشاف عيوب الآخرين، يراقب كلماتهم ويحصي زلاتهم ويصدر عليهم أحكامه بثقة مدهشة، ولكنه حين يُنتقد بأخطائه يتحول هذا النقد في نظره إلى تجنٍ أو إلى إهانة لا يستحقها، يتحدث عن الأخلاق، ثم يأتي بسلوك مناقض لما يدعو له، يتحدث عن الصدق لكنه لا يتردد في الكذب حين تتعارض الحقيقة مع مصلحته، ينتقد الغيبة وأصحابها وهو أول من يشارك فيها، يطالب بالاحترام، ولكنه يسمح لنفسه بإهانة من يختلف معهم، يدافع عن العدالة ما دامت في مصلحته، ثم يتسامح مع الظلم حين يكون هو المستفيد.
إنه لخلل عميق، حين تصبح المبادئ والقيم كلمات للاستهلاك بلا رصيد، حين تكون الفجوة واسعة بين الأقوال والأفعال، بين المبادئ التي نعلنها وبين السلوكيات التي نمارسها، وليست المشكلة في أن يعجز أحدنا أحيانًا عن تطبيق ما يؤمن به، فنحن بشر، والبشر يضعفون ويخطئون ويقصرون، ولكن المشكلة أن يتحول التناقض إلى أسلوب حياة، أن نرتكب الخطأ فنحيط أنفسنا بالتبريرات، بينما نحاسب الآخرين على الأخطاء نفسها بصرامة لا تعرف التسامح، أن نتخذ من الأخلاق قناعًا ومن المبادئ شعارات نرفعها على الآخرين، بينما نتخلى عنها عندما تُختبر أفعالنا… فهنا مكمن الخلل.
وسأتطرق إلى مظاهر هذا التناقض، الاجتماعية والأسرية والزوجية:
الأسرة… الأبناء يتعلمون ما نفعله لا ما نقوله
فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كل القيم الراقية من صدق واحترام وعدالة ومسؤولية… غير أن هناك من الآباء والأمهات من يقعون في تناقض واضح بين التربية التي يطالبون بها أبناءهم والسلوك الذي يمارسونه أمامهم، ترى الأب يربي ابنه على عدم الكذب، ولكنه في الوقت نفسه يطلب منه أن يخبر المتصل هاتفيًا أنه غير موجود بينما هو حاضر في البيت، أو يختلق عذرًا لتجنب موقف لا يرغب فيه، وقد تنهى الأم أبناءها عن الغيبة لكنها لا تتوانى عن الحديث أمامهم عن عيوب الجيران أو الأقارب، وقد يطالب الوالدان أبناءهما باحترام الآخرين، بينما يسمع الأبناء منهما كلمات جارحة تجاه بعضهما أو تجاه شخص ما، في مثل هذه المواقف، فإن الابن لا يتلقى درسًا في الاحترام أو الصدق أو غيرها من القيم، بل يتعلم أن القيم مجرد كلمات نرددها، وأن مخالفتها تصبح مقبولة إذا كانت تخدم مصالحنا.
وتظهر المشكلة بصورة أعمق عندما يميز الوالدان بين أبنائهما، فيسامحان أحدهم على أخطاء ويعاقبان الآخر عليها، أو يمدحان باستمرار أحدهما لأنه أكثر نجاحًا أو طاعة، بينما يقللان من شأن أخيه لأنه مختلف عنه في الشخصية أو في التحصيل العلمي، ثم يطالبان الجميع بالمحبة والعدل والتعاون دون أن ينتبها أن هذا التمييز يزرع الغيرة بين الأبناء.
فالتربية لا تقوم على إصدار النصائح فحسب، بل على تقديم نموذج يقتدي به الأبناء، وليس المطلوب من الوالدين أن يكونا مثاليين لا يخطئان، ولكن حين يرى الطفل أباه يكذب كذبة ما، ثم يعترف بخطئه ويصححه على الفور، يتعلم أن الصدق مسؤولية، وحين يرى أمه تعتذر عن كلمة غير لائقة، يتعلم أن الاعتذار قوة لا ضعف، وحين يلمس العدل بينه وبين إخوته، يدرك أن الاحترام ليس شعارًا، بل ممارسة يومية. فلا يمكن أن نربي أبناءنا على قيمة نهدمها أمام أعينهم ثم نتوقع منهم أن يتعلموها من خلال النصائح وحدها.
وما أجمل ما قاله أبو الأسود الدؤلي في هذا المجال: (وقيل إنه من شعر الشافعي وقيل إنه من غيره):
يا أيها الرجل المعلم غيره… هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى… كيما يصح وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها… فإن انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله… عار عليك إذا فعلت عظيم
في الحياة الزوجية… عندما نطالب بالاحترام ونمارس السيطرة
ينبغي أن تبنى العلاقة الزوجية على الثقة والاحترام المتبادل، لكن ازدواجية المعايير تظهر عندما تتحول هذه العلاقة إلى ساحة يطالب فيها كل طرف بحقوق لا يمنح الطرف الآخر مثلها. فقد يطلب الزوج من زوجته أن تصغي إليه، بينما يقاطعها كلما تحدثت، وقد يرفض أن ترفع صوتها عليه ويعتبر ذلك انتقاصًا من كرامته، ولكنه يسمح لنفسه بالصراخ عليها أو السخرية من رأيها، يرفع صوته، بل ويستخدم الكلمات المهينة عندما يغضب أو ينشب أي خلاف بينهما، وحين تعترض يتحدث عن ضرورة احترام الزوج مستشهدًا بالآيات والأحاديث، متجاهلًا النصوص التي حثت أيضًا على احترام الزوجة وإكرامها وعدم بخسها حقوقها.
وقد يحدث العكس أيضًا، إذ تطالب الزوجة زوجها بالاهتمام بمشاعرها في الوقت الذي تستهين هي بمشاعره حين يعبر عن حزنه مثلًا أو ضيقه أو…، أو تطالبه بالوفاء بوعوده بينما تتعامل هي مع وعودها باعتبارها أمورًا قابلة للتأجيل.
وأيضًا المشكلة هنا ليست في اختلاف الزوجين، فالاختلاف طبيعي وشرعي، وإنما في أن يصبح أحدهما صاحب الحقوق والآخر مطالب بالواجبات فقط، فالعلاقة الصحية تقوم على التفاهم والحقوق والواجبات المتبادلة دون أن يطغى أحد على أحد.
ومن صور التناقض في الحياة الزوجية، أن يُستخدم الأبناء كأدوات في الخلافات الزوجية، كأن يطالب الزوج الأبناء باحترام والدتهم، ولكن إذا بدر منها خطأ أهانها أمامهم، أو أن تطالب الأم أبناءها بحب أبيهم، لكنها تحرضهم عليه إذا وقع بينها وبينه أي خلاف، عندها لا يقتصر الضرر على العلاقة بين الزوجين فحسب، بل يمتد إلى أن يمس صحة الأبناء النفسية حيث وُضعوا في قلب صراع وخلافات يدفعون ثمنها من أمانهم النفسي واستقرارهم الشعوري. (مع التنويه أنه يجب التمييز بين الخلافات الزوجية العادية وبين العنف أو السيطرة المؤذية التي تتطلب التدخل والحماية وطلب المساعدة التي لا تقبل التأجيل).
في المجتمع… المحاباة والتملق بحسب المصالح
ظاهرة (لم تقولون ما لا تفعلون)، لا تتوقف عند حدود الأسرة أو العلاقات الزوجية، بل تمتد إلى المجتمع، حيث تتكرر التناقضات في مواقف متعددة تكشف عن خلل في فهم القيم: فقد يشتكي شخص من المحسوبية ويطالب بتكافؤ الفرص، لكنه يستخدم علاقاته الشخصية للحصول على وظيفة قد لا يستحقها، أو يستخدم علاقاته الشخصية لتجاوز دور ليس دوره، أو يتجاوز قواعد أو قوانين لصالحه، وعندما يعترض الآخرون يصف الأمر بأنه مساعدة بسيطة أو حق لا يستحق كل هذا الجدل، أما هو فقد يقيم الدنيا ولا يقعدها لو حدث ذات الشيء مع غيره، وقد يتحدث عن التواضع واحترام جميع المهن، ثم يتعامل بتعالٍ وكبرياء مع عامل النظافة أو موظف أقل منه، بينما يبالغ في اللطف أمام صاحب منصب أو جاه أو مال، فالمجتمع العادل لا يُبنى بكثرة الحديث عن القيم والنزاهة، بل حين يُرفع فيه شعار العدالة للجميع دون استثناء، حين تُطبق القواعد على الجميع، على القريب والغريب، على القوي والضعيف، على صاحب المهنة البسيطة والكبيرة، حين لا يصبح الالتزام بالقيم عبئًا يتحمله فقط الضعفاء بينما يفلت أصحاب النفوذ من المحاسبة.
ولنتذكر دائمًا أن أجمل الكلمات تفقد قيمتها عندما تكذبها الأفعال، وأن المواقف الصادقة قد تغني عن آلاف الخطب، والإنسان بأفعاله لا بأقواله، والأخلاق ليست كلمات ننتقيها ولا شعارات نرفعها، إنها التزام تصدقها المواقف، وحين نتعامل مع الناس بنفس المعايير التي نتعامل بها مع أنفسنا، ونبدأ الإصلاح من سلوكنا قبل أن نطالب به الآخرين، نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو أسرة أكثر عدلًا، وعلاقات أكثر احترامًا، ومجتمع أكثر صدقًا وإنسانية.
