انضمام سورية إلى “حلف مكة”: المكاسب والمخاطر

شهدت المنطقة تحولات عميقة ومتسارعة منذ سقوط النظام السوري السابق أواخر عام 2024، لتصل إلى مرحلة مفصلية جديدة مع إعلان وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، خلال مشاركته في الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر “حوار المنامة 2026″، عن وجود نقاشات جارية بشأن إمكانية انضمام سورية إلى “حلف مكة” الدفاعي، الذي يضم كلاً من السعودية وتركيا وباكستان.
وهذا الإعلان الصريح لم يأتِ من فراغ أو معزولاً عن السياق الإقليمي، بل يمثل تتويجاً لمسار طويل من التفاعلات السياسية والدبلوماسية الهادفة إلى إعادة صياغة معادلات الردع والأمن في المنطقة، بعيداً عن الاعتماد الحصري على المظلات التقليدية الدولية التي أثبتت الأزمات المتلاحقة تراجع فاعليتها.
وفي السابع من أغسطس/ آب 2026، استضافت مدينة مكة المكرمة قمة ثلاثية تاريخية جمعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، أثمرت توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي نص بندها الجوهري على أن أي هجوم مسلح يتعرض له أي طرف من الأطراف الثلاثة يُعد هجوماً على الجميع.
واختيار اسم “مكة” يحمل دلالات رمزية وثقافية عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية للدول الموقعة، لتمتد إلى العمق العربي والإسلامي الشامل. أما من الناحية العملية والعسكرية، فإن هذا التحالف يجمع بين ثلاث قوى إقليمية وازنة، وهي السعودية بثقلها السياسي والديني والاقتصادي وسعيها إلى توسيع شبكة شراكاتها الأمنية في مواجهة التصعيد المتزايد والهجمات المستمرة التي يشنها الحوثيون المدعومون من إيران، وتركيا بجيشها القوي المصنف ثانياً في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وصناعاتها الدفاعية والعسكرية المتطورة، وباكستان بقدراتها العسكرية والنووية وشبكة علاقاتها الدولية المتوازنة.
وفي قلب هذه المعادلات المتشابكة، تبرز سورية اليوم لاعباً يحاول التعافي من تركة ثقيلة خلّفها النظام المخلوع، متطلعةً إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية، والخروج النهائي من دائرة الصراعات لتأخذ مكانتها الطبيعية على طاولة صناعة الأمن الإقليمي، إذ أكد الوزير الشيباني أن دمشق تأمل ترجمة هذا المناخ السياسي الإيجابي إلى نتائج ملموسة وواقع اقتصادي وشراكات تثمر على الأرض لإنجاح مسار التعافي الوطني الشامل، مشدداً على أن الأمن الحقيقي يتجسد في دول قادرة على حماية شعوبها، وجيران يحفظون سيادة بعضهم بعضاً.
المكاسب المتبادلة مع الحلف
على الرغم من حجم التحديات الداخلية التي فرضتها سنوات الحرب الطويلة، تظل سورية تشكل ركيزة جغرافية واستراتيجية لا غنى عنها لأي منظومة أمنية أو اقتصادية تسعى إلى الاستقرار المستدام في المنطقة. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور باسل الحاج جاسم، المستشار السياسي ومدير العلاقات الدبلوماسية في مؤسسة بوليتيكو تايمز، في تصريحات صحفية، أن الأهمية التي تنطوي عليها سورية في هذا التحالف تنبع أساساً من موقعها الجيوسياسي حلقةَ وصل رئيسيةً بين الخليج وبلاد الشام وشرق المتوسط، إلى جانب دورها المحتمل في ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب وقطع طرق تهريب المخدرات.
وأضاف أن الواقع الجغرافي يمنح دمشق القدرة على لعب دور محوري في مشاريع الربط الإقليمي والتجاري بين تركيا ودول الخليج العربي عبر الأراضي السورية والأردن، وهي مشاريع لا تقتصر على النقل البري فحسب، بل تمتد لتشمل ممرات الطاقة وأنابيب الغاز والربط السككي المنتظر تنفيذه ليربط تركيا بالخليج والمدينة المنورة، فضلاً عن خطط إعادة تشغيل خط النفط عبر ميناء بانياس السوري لتأمين تدفقات الطاقة.
وفي المقابل، فإن الانضمام المحتمل يوفر لدمشق مكاسب أمنية وسياسية استراتيجية في هذه المرحلة الانتقالية، إذا أن الانضمام إلى حلف يضم قوى عسكرية وسياسية كبرى، كتركيا وباكستان والسعودية، يمنح دمشق ورقة ضغط سياسية وأمنية لحماية سيادتها الوطنية، ويشكل سنداً قوياً لمطالبتها بالعودة إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وحفظ حقوقها التاريخية في الجولان المحتل وفق القرار الأممي 497.
إضافة إلى ذلك، يتيح الحلف لدمشق فرصاً كبيرة لترميم بنيتها الدفاعية وتطويرها، إذ يسهم الانضمام، في دعم سعي سورية إلى إصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية وإعادة بنائهما وتوحيدهما تحت مظلة جيش وطني واحد يقضي على حالة الفصائلية، وذلك عبر الاستفادة من الخبرات والقدرات المتقدمة للدول الأعضاء، كالتدريب والتصنيع الدفاعي التركي، والقدرات التقنية والاستخبارية الباكستانية، إلى جانب الثقل السياسي والاقتصادي السعودي اللازم لدعم برامج التأهيل الشاملة وتوفير التمويل لمشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية.
كما تبرز أهمية التنسيق الأمني واللوجستي المباشر لحماية الحدود المشتركة، لا سيما مع تركيا، وتبادل المعلومات الاستخبارية لاجتثاث بقايا التنظيمات الإرهابية، ومكافحة الجرائم العابرة للحدود وتهريب المخدرات والسلاح، وهو ما تتقاطع فيه مصالح دمشق كلياً مع مصالح الرياض وأنقرة وإسلام أباد.
هل هناك جدول زمني للانضمام؟
على الرغم من الأبعاد الإيجابية والآفاق الواعدة التي يفتحها هذا النقاش، فإن تحول فكرة انضمام سورية إلى “حلف مكة” إلى واقع ملموس يخضع لتقييمات دقيقة ومعقدة ترتبط بالواقع السياسي والدفاعي القائم. وحول ما إذا كان هناك جدول زمني محدد للإقدام على هذه الخطوة، أوضحت مصادر إعلامية سورية، أن الوضع الحالي هو في مرحلة التقييم والنقاش القانوني والسياسي، ولا يوجد جدول زمني محدد أو موعد نهائي لحسم الانضمام حتى الآن، وأنه لم يُقدَّم طلب رسمي أو تُوجَّه دعوة رسمية بعد.
وأشار إلى أن هذا المسار يرتبط بعدة شروط أساسية، في مقدمتها اكتمال إجراءات المصادقة بين الدول المؤسسة نفسها، إذ يمر الحلف حالياً بمراحل التفعيل القانوني بين أعضائه الأساسيين، بعد أن أحال البرلمان التركي أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2026 مشروع قانون المصادقة على الاتفاقية إلى جدول أعماله، فضلاً عن أن قبول أي أعضاء جدد يتطلب توافقاً كاملاً بين الدول الثلاث المؤسسة.
من جهة أخرى، يرى الدكتور باسل الحاج جاسم أن الانضمام ينطوي على مخاطر وتحديات استراتيجية لا يمكن التغافل عنها، تتمثل أساساً في خطر الانزلاق من شريك أمني إلى طرف في صراعات إقليمية لا تخص دمشق، فضلاً عن خشية تقييد هامش القرار السيادي بأي التزامات دفاعية تلقائية، فالمسألة أعمق بكثير من مجرد التوقيع على اتفاقية دفاعية، وفق تعبيره.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بالنظر إلى العامل الإسرائيلي والانتهاكات المستمرة للسيادة السورية، إذ إن انضمام دمشق الفوري إلى الحلف سيضعه أمام التزامات دفاعية مباشرة في مواجهة إسرائيل، في وقت تركز فيه دمشق على الدبلوماسية والحلول السياسية لمعالجة هذا الملف، بينما تنصب أولويات الحلف في مرحلة التأسيس على ترسيخ هياكله الذاتية وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق قد تربك مساراته التنموية والاقتصادية.
وتشكل الضغوط والتحديات الاقتصادية المرتبطة بالحاجة إلى مراجعة شاملة للعقوبات الدولية ورفعها كلياً شرطاً أساسياً لضمان اندماج سورية الكامل في هياكل الشراكة الإقليمية. ويكمن الاختبار الحقيقي للدبلوماسية السورية في المحافظة على التوازن الدقيق في علاقاتها الخارجية، من خلال الحفاظ على مسافة متوازنة وشبكة شراكات مرنة لتوفير البيئة الملائمة لإعادة بناء الدولة والأمن القومي، إلى أن تنضج ظروف الانضمام الكامل، الذي سيكون في نهاية المطاف حصيلة منطقية لتنامي هذه الشراكات الاستراتيجية، ولما يقدمه الحلف لدمشق وما تقدمه دمشق لاستقرار الإقليم برمته.