د. محمود مصالحة
لم تدم طويلًا احتفلية القوميين واليساريين بـمشروع (نقد العقل العربي) للمغربي محمد عابد الجابري؛ الذي وُصف بأحد أعلام العرب المبدعين في الفكر الإصلاحي. وفي قراءة في كتاب الدكتور حسين الإدريسي المعنون “محمد عابد الجابري ومشروع (نقد العقل العربي) يعرض د. حسين الإدريسي منهج الجابري في الفصل الثاني من خلال العنواين الآتية:
- تكوين العقل العربي. ب. بنية العقل العربي. ج. العقل العربي السياسي، ص(69-98).
وقد ذكر الإدريسي أن محمد الجابري قد تأثر بالاشتراكي بن بركة وكان الجابري عاملًا نشيطًا في الصحافة وأنشطة نقابية حزبية في الجناح اليساري المنفصل عن الجناج المحافظ لحزب الإستقلال. وفي عام 1953. سافر إلى سوريا للدراسة، هناك تأثر بالأحداث السياسية المتقلبة، وعايش ظهور التيار القومي، إن ممارسة الجابري للصحافة مع مرحلة التعليم العالي كان له الأثر على مشروعه الفكري. وعاد الى رباط المغرب عام 1958، وانتسب لكلية الأداب ودرس الفلسفة كصحفي حزبي مرتكزًا على ما يحمل من فكر إشتراكي يقوم على المادية التاريخية، وفي البداية لم يصادم الموروث الثقافي الإسلامي.
أما الفصل الثالث: تحدث عن استخدام الجابري للمنهح الإبسمولوجي الغربي لنقد التراث (الإسلامي)، لذلك نسلط الفهم على نظرية (الإبسمواوجيا) التي عرفها (لالاند أندري) في معجمه الفلسفي على أنها دراسة نقدية لمختلف مبادئ العلوم والمعارف وفروعها ونتائجها لتحديد أساسها المنطقي وبيان قيمتها الموضوعية، التي عليها ارتكز الجابري في نقده للتراث الإسلامي، ونظرية الإبسمولوجيا تُعدُّ العمود الفقري لمشروع الجابري(نقد العقل العربي) الذي يقوم على جذور غربية حداثية بحسب المنهج الإبسمولوجي والمنهج الحدائي ونظرية: المعرفة اليقينية عبر “الشك المنهجي” (لديكارت)، وحضور(أندريه لالاند (1867–1963 الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي في ثنائية (العقل المُكوَن والعقل المُكوِن) التي اعتمدها الجابري.
ثم ينتقل الجابري في مشروعه (نقد العقل العربي) إلى (الهرمسية) التي عُرِّفت بأنها تقليد فلسفي وديني باطني يعود إلى العصور القديمة من كتابات منسوبة إلى أسطوري يُدعى (هرمس الإله اليوناني، الوروث القديم) ص(183)، فهي أساطير وثنية جاء بها ليسقطها على الإسلام والتراث الإسلامي في معركته الفكرية.
استعرض في الفصل الرابع: (مقاصدية الجابري في نقد العقل)، يشكك الجابري في علوم الأحاديث النبوية وفي إحياء علوم الدين للغزالي وأخطر ما فعله إلغاء التراث بأكمله وفق نظرية الإبسمولوجيا، ص(218) لإعادة تاسيس منهج فلسفي عربي وثقافة عربية جابرية جديد بالنسق الغربي. يقول الجابري:” وقضينا نحن العرب حياتنا بعد ابن رشد خارج التاريخ في جمود وانحطاط لأننا تمسكنا بلحظة ابن سينا بعد أن أدخلها الغزالي في الإسلام … وعاش الأوروبيون التاريخ الذي خرجنا منه، لأنهم أخذوا منا ابن رشد فعاشوا لحظة ولا يزالوا يفعلون”. نحن والتراث.
فهذا الإستنتاج الذي خلُص إليه الجابري لا يُسلَّم به ويحتاج إلى مراجعة وتدقيق، فمن الممكن الإقرار بأن الغرب أخذ العلوم الإسلامية في لحظة من التاريخ وهذا فخر لنا فنحن أصحاب الحضارة الإسلامية أخرجنا أوروبا من ظلمات الجهل إلى التقدم الحضاري العلمي، وهنا أرتكب الجابري تحريفًا كبيرًا بأنها ليست لحظة ابن رشد التي نقلت الغرب هذه النقلة النوعية العلمية كما زعم.
إن الجابري يعلم أننا نعلم أنه يحاول طمس الصرح التراثي العلمي الحضاري الذي أسسته الأمة الإسلامية والعربية بالقرآن الكريم ورسولنا صلى الله عليه وسلم وليس ابن رشد الذي توفي عام 595 هـ. فلماذا يهاجم التراث الإسلامي العلمي الحضاري أساس نهضة الأمة؟ فأين الجابري من الثروة العلمية لعلماء المسلمين؟ لقد سبقوا ابن رشد بعقود وقرون، لماذا تجاوزها الجابري بنزعته الأيديولوجية الديلكتيكية الجدلية الإشتراكية وتعصب لفكره الذي أسكته فخرج عن الموضوعية العلمية وتعامى عن تراث جابر بن حيان مؤسس علم الكيمياء واضع النهج التجرريبي وله 306 كتاب الذي توقي عام 200هـ الذي برع في علم النباتات وابن خردوية المتوفي عام 313هـ واضع علم الجغرافيا ومسالك علم البحار وأبو بكر الرازي المتوفى سنة 313هـ الذي له مؤلفات في الكيمياء التجريبية والتقطير واشتهر بالطب وعلاج الأمراض النفسية بالموسيقى، والزهراوي المتوفي سنى427هـ البارع في الطب والعمليات الجراحية في العظام والأوعية الدموية والتخدير والبيروني العالم الموسوعي في الفيزياء والرياضيات والجيولوجيا والجغرافيا واستخراج مقدار محيط الأرض والصيدلة وابن الهيثم المتوفى سنة 431هـ واضع علم البصريات والمناظير، وصاحب نظرية الجسيمات قبل نيوتن وابوبكر الخورزمي المتوفي عام 232 ه، واضع علم الخورزميات في علم الرياضيات وأسس علم الحاسوب، وجابر ابن أفلح 540هـ عالم الفلك الذي صحح نظرة بطليموس، وغيرهم من علماء المسلمين الذين ساهموا في تغيير الوجه الحضاري للبشرية كلهم سبقوا ابن رشد. لكن حقيقة الجابري المُزِّف لابد من أن تكشف مهما طال الزمن.
إن الشخصية القومية القيادية العربية التي أعمت الجماهير في خطاباتها قرنًأ وهي تُمجد الحداثة والتجديد والعقلانية، استقبلت مشروع الجابري بحفاوة واحتفالية، هل فقدت بصيرتها فلم تتفحص مئات الشواهد المُزيفة التي قادها والدكتور الطرابيشي والدكتور طه عبد الرحمن، أما آن للأجواء الاحتفالية أن تخجل وتعتذر للشعوب على التطبيل والتمجيد للجابري الفيلسوف المُزيف، أم نحن أمام استبداد فكري قومي غربي مستورد يتلقى دعمًا فكريًا وسياسيًا غربيًا مُشبّع بالقابلية الإستعمارية.
ولكن حقيقة الجابري المُزيف لم يطل كشفها، فعن طه عبد الرحمن في نقده للجابري وقد راجع النص الأصلى للعالم السويسري المعاصر الذي وجد الجابري يزيف عبر قلب معنى الترجمة إلى ضدها لتناسب مبتغاه الأمر الذي دفعه للقول: “إن الجابري يعمل على تقويل الكتاب ما لم يقوله، سواء في التصرف في النصوص وفساد التعرريف وفساد التصور والسقوط في الناقص، وعدم تحصيل الملكة في العلوم التصورية والمنهجية، والعجز عن نقد وتمحيص الآليات الإستهلاكية، وكذلك الدكتور الطرابيشي الذي كتشف تزييف الجابري لشواهده، الذي قام بإجراء فحص نصي شامل للنصوص الأجنبية والتراثية في المشروع الجابري ص253.
فالاستنتاجات تقول: إن مشروع الجابري (نقد العقل العربي) فاقد للقيمة الاعتبارية لارتكازه على قواعد ومنطلقات الفلسفات الغربية فهو مشروع فكري ثقافي تغريبي معادي وفاقد للقيمة العلمية لتلبِّسه بشواهد التزييف، وكون مرجعية الجابري الإشتراكية(لا إله والحياة مادة) هذا شأنه، ولكن أن ينطلق بمشروعه بعقلية إشتراكية إلحادية ليهاجم التراث الإسلامي وديننا الإسلام فهذا لن يمرَّ دون تعرية مشروع هذا التغريبي المُزيَف، فالفكر الإسلامي قادر على أن يضع لطغيان الجابري المعادي وأمثاله الحدود.
