حين ترتقي النفوس…
ليلى غليون
في واقع مأزوم كواقعنا مع كل الأسف والحسرة، في واقع يزداد كل يوم، بل كل لحظة تعقيدًا وتشابكًا ومرارة، تبرز الحاجة لنفوس كبيرة، نفوس كواحات خضراء هادئة وسط صحراء قاحلة متشققة من التوتر والاحتكاكات اليومية، تبرز الحاجة لهذه النفوس في البيت، في الأسرة، في المدرسة، في العمل، في المجتمع…
هي نفوس ليست خارقة ولا تخلو من آلام الحياة ومنغصاتها، ولا هي تعيش بعيدًا ولا بمعزل عن إشكاليات الحياة أو همومها، ولكنها نفوس أدركت أن الحياة أقصر من أن تُستهلك في حمل الضغائن، وأجمل من أن تمضي بأحمال ثقيلة من الكراهية والخلافات أرهقت القلوب والأرواح، وأجمل ما في هذه النفوس ذاك الصفاء الداخلي، تلك المساحة الرابضة فيها الراحة والسكينة، فاختارت طريقًا مختلفًا، طريق الصفح بدل الانتقام، طريق اللين بدل القسوة، طريق الحكمة والتعقل بدل التسرع والتهور الذي ليست له نتيجة حتمية إلا الندم، ليس لأنها عاجزة عن الرد، بل لأنها أسمى وأرقى من أن تنحدر إلى مستوى الأذى، ولأنها أدركت أن الرد غير المسؤول والمتهور قد يغذي ويشبع لحظته، لكنه سيترك أثرًا غائرًا عميقًا من الندم والتوتر.
نعم هي النفوس الكبيرة والقلوب الأكبر التي تتكسر على صخرة حلمها وسموها ورقيها أمواج الغضب مهما كانت عاتية، فهي لا يمكن لها أن تثور أصلًا، وكيف لها أن تثور في نفس أزهرت بالإحسان والعفو والحلم والأناة؟ وكيف لها أن تثور في قلب امتلأت غرفاته بالمحبة والتسامح؟ قلب تربى على المنهج النبوي السامي “لا تغضب”. بل كررها صلى الله عليه وسلم مرارًا وكأنها مفتاح للخير وهي كذلك، مفتاح لراحة القلب، مفتاح لسلامة العلاقات الإنسانية وسلامة المجتمع.
إنه الغضب جماع الشر، وأخطر ما في الغضب أنه يعمي البصيرة، ويذهب العقل والمنطق، (إلا أن يكون الغضب لله، فذاك موضوع آخر) ففي لحظاته يظن المرء أنه على حق وأن الآخر هو المخطئ تمامًا، فيصدر أحكامه ويرفع صوته ويغلق كل أبواب الفهم والتفاهم ليكون بعدها الرد والانفجار والحصاد المر.
إن “لا تغضب” ليست مجرد نصيحة عابرة، بل مهارة تُكتسب لتكون أسلوب حياة، هي جهاد داخلي يحتاج إلى وعي وتدريب وصبر، بل هي دعوة للهدوء، للحكمة، للنظر للأمور بوعي أعمق، هي رحلة نحو السلام الداخلي، هي رحلة أن يكون الإنسان سيد نفسه، لا أسيرًا لانفعالاته، وحين ينجح في هذه الرحلة سيكتشف أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تكون على الآخرين، بل حين ينتصر على نفسه.
إنها نفوس كبيرة أدركت أن الغضب جماع الشر كله، وأنه إن تُرك بلا ضابط فسيحرق صاحبه ومن حوله، فالغضب يسبب إغلاقًا للعقل ليمر الغاضب بمرحلة جنون مؤقت يستسلم بها لانفعالاته بعيدًا عن التعقل، بعد المشرقين ليندم بعدها ويفيق، ولكن لات حين مندم، ولأن الغضب كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم: “ألا ترون أن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألا ترون حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه…. ألا إن خير الرجال من كان بطيء الغضب سريع الرضا، وشر الرجال من كان سريع الغضب بطيء الرضا”.
فكم من حوادث يشهد عليها واقعنا الكئيب هذا، راح ضحيتها أبرياء لأسباب تافهة فقدَ مرتكبوها القدرة على التحكم بأعصابهم وانفعالاتهم، فاندفعوا وراء ثورة غضبهم ليكون حصادهم مآسي وشرورًا وويلات عمت وطمت وأغرقت المجتمع بشرورها، وكم هي الخلافات الأسرية التي انتهت بالطلاق وتشتت الأبناء وقد كان من الممكن احتواؤها والقضاء عليها لو اتصف كل من الزوجين بالنضج الانفعالي ليملك الواحد منهما نفسه عند الغضب فيقف عند حدود الله فلا يتعداها، ويعلم أن التسامح سيد الأحكام، فلا يندفع وراء ردود أفعال متهورة تكون عاقبتها في غالب الأحيان بل في كل الأحيان مدمرة.
فأين الرفق والتلطف؟ أين الحلم وسعة الصدر؟ أين العفو وتجاوز الزلات؟ هل أصبحت هذه القيم من العملات النادرة في هذا الزمان، أم أصبحت من مفقودات هذا الزمان؟
كلنا نبحث عن الأمن والأمان… نبحث عن السلام الداخلي… نبحث عن هدوء البال… نتمنى من قرارة قلوبنا لو أن ما آل إليه هذا الواقع ليس إلا حلمًا مزعجًا أو كابوسًا سيزول لحظة نستفيق، فلنراجع أنفسنا قبل كل شيء، وهل نعمل على تثبيت وترسيخ مقومات وأسس هذا الأمان في أنفسنا أولًا لنثبتها ونرسخها في مجتمعاتنا ثانيًا؟ وكيف نحلم بمجتمع رشيد متماسك آمن إذا افتقر أفراده لهذه المقومات؟ كيف نحلم بمجتمع كهذا إذا لم يشد أفراده بعضهم بعضًا وذلك بقوة تماسكهم وبدماثة أخلاقهم، وبتنافسهم على الخير والسعي لسد أي ثغرة ممكن أن تتسلل عبرها نفثات شيطانية ترمي إلى تفكيك صلاتهم وفرط عقد وحدتهم؟
أفلا يكفينا ما نلاقيه من أذى وابتلاءات صُبت علينا صبًا؟ ألا يكفينا أننا نؤذى في ديننا، في رسولنا صلى الله عليه وسلم، في قرآننا، في مقدساتنا، في وجودنا، في حاضرنا، في تاريخنا… ألا يكفينا أن كل الأمم تداعت علينا تريد نهشنا كالكلاب المسعورة؟ فكيف نكون نحن يدًا على بعضنا؟
نسأل الله تعالى أن يوحد كلمتنا ويجمع صفوفنا ويؤلف بين قلوبنا وينزع الغل من صدورنا لنكون لبعضنا كما البنيان المرصوص، وتصبح الأخوة رأس مالنا والتراحم والمحبة والتسامح والعفو مطعمنا ومشربنا ومتنفسنا.
وما أجمل ما قاله الشاعر:
سامح فإنك في النهاية فانٍ واجعل شعارك كثرة الغفران
وابسط يديك لرحمة ومودة حتى تنال محبة الرحمن
ليس التباغض من شريعة أحمد بل إنه لبضاعة الشيطان
قابيل أغضب ربه لما قسا وأخوه كوفئ إذ عفا بجنان
سامح أخاك وإن توعر طبعه إن التسامح شيمة الشجعان