أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (290) نزع السلاح، حزام أمني وعقلية الجدار

حامد اغبارية

1)

في سنة 2004 أطلق إسحاق رابين، مقولته الشهيرة: “ليت غزة تغرق في البحر”! وكان بذلك يعبر عن يأس الاحتلال من إحكام قبضته على قطاع غزة واستمرار السيطرة عليه. وبتلك المقولة كان رابين يهرب من الواقع المعقد الذي تفرضه غزة على الاحتلال إلى أحلام اليقظة التي يستحيل تحقيقها. ولم يكن رابين هو الوحيد الذي سعى إلى التخلص من عبء غزة. فقد كانت مصر في عهد السادات قد اشترطت على الاحتلال أن يكون هو المسؤول المباشر على معضلة غزة، ضمن اتفاقية كامب ديفيد. وقد نجح السادات في إخلاء مسؤولية مصر التاريخية تجاه غزة، وتبعه في ذلك المخلوع حسني مبارك الذي استخدم كل وسيلة لخنق القطاع بواسطة ردم الأنفاق وإغراقها بالمياه، وواصل الانقلابي الدموي السيسي، وما يزال، ذات السياسة، ولكن بصورة أكثر قذارة.

2)

بعد عشر سنوات من مقولة رابين الشهيرة تلك، وبعد انتهاء حرب 2014 على غزة، نشر موشيه آرنس، وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق مقالا في صحيفة “هآرتس” دعا فيه إلى نزع سلاح غزة وردم الأنفاق من تحت الأرض، وتدمير المراكز الأمنية ومقرات القيادة ومواقع إطلاق الصواريخ فوق الأرض، والحيلولة دون تمكن حركة حماس والقوى الأخرى من استعادة قدراتها العسكرية. ومما قاله في ذلك المقال إنه ينبغي على تل أبيب عدم الاعتماد على القوى الخارجية (المجتمع الدولي/ الأمم المتحدة) أو على السلطة الفلسطينية لوضع حد للصداع الذي تسببه غزة للاحتلال، بل على جيش الاحتلال أن يتكفل بذلك بنفسه، من خلال تشديد الخناق على القطاع، حتى لو احتاج الأمر إلى البقاء في غزة (احتلالها) فترة طويلة. بهذه الطريقة فقط يمكن التوصل إلى تسوية (مع الفلسطينيين)!!

3)

بعد نحو عشر سنوات من نشر آرنس لمقاله في “هآرتس”، بدأت قوات الاحتلال تطبيق نظريته بحذافيرها وأكثر من حذافيرها. وهكذا نجد أن هدف نزع سلاح غزة ليس من اختراع نتنياهو وحكومته الحالية التي شنت حربها المجنونة على القطاع، والتي ما تزال مستمرة حتى هذه اللحظة، بل هو هدف استراتيجي من سلسلة أهداف المشروع الصهيوني، بغض النظر عن ماهيّة الحكومة التي تسعى إلى تحقيقه، سواء كانت حكومة برئاسة رابين أو حكومة برئاسة نتنياهو. فغزة بالنسبة للمشروع الصهيوني جزء من الحلم التوراتي الكبير، الذي تمتد أطرافه لتصل إلى بلاد الشام كاملة، فالنيل والفرات وجزيرة العرب، وصولا إلى مكة والمدينة.

4)

إن هدف نزع السلاح لا يقتصر على غزة ولا على الحركات الفلسطينية المناهضة للإحتلال في الضفة والقطاع، وإنما يشمل المنطقة كلها، وخاصة ما يعرف بدول الطوق (مصر وسوريا ولبنان والأردن)، ذلك أن الهاجس الأمني الذي يرافق الدولة الإسرائيلية منذ تأسيسها عام 1948 على أنقاض الشعب الفلسطيني، لم يغادرها للحظة، بل ازدادت وتيرته مع مرور الأيام، بدافع من سيناريوهات الرعب التي فشل الاحتلال حتى الآن في التعامل معها.

لقد نجح المشروع الصهيوني، بمدد من دول الاستكبار: أمريكا وأوروبا، وبقرارات أممية هزلية، من “نزع سلاح” الأنظمة العربية كافة، من خلال “اتفاقيات سلام” نجحت من خلالها في تحييد دول مثل مصر (عام 1979) والأردن (عام 1994)، واتفاقية فض اشتباك مع نظام الأسد في سوريا (عام 1974)، و “تقليم أظافر” منظمة التحرير وحركة فتح (عام 1993)، وزرع سلطة للتنسيق الأمني في رام الله (عام 1994). ولما لم تشفع لها تلك الاتفاقيات في تحقيق جبهات هادئة، عمدت إلى الخطوة التالية المعروفة بصفقة القرن، التي ابتدعها دونالد ترامب في فترة رئاسته الأولى، والتي من رحمها خرجت خطيئة “الاتفاقات الإبراهيمية” التي ضمت أنظمة خليجية، كخطوة أولى نحو ضم سائر الأنظمة الوظيفية في المنطقة. غير أن هذه الخطة فشلت أيضا في تحقيق الهدف، لأن القرار ليس بيد واشنطن ولا تل أبيب ولا غيرهما ممن لف لفهما. ولذلك نرى اليوم عودة مصطلح “نزع السلاح” إلى الواجهة بكل قوة.

5)

والسؤال الذي لا يجرؤ أي سياسي أو عسكري أو خبير استراتيجي إسرائيلي على الإجابة عليه بشكل صريح: هل يمكن فعلا نزع سلاح غزة؟! وهل يمكن حقا نزع سلاح حزب الله في لبنان؟!

إن ما يقال في التصريحات الإعلامية والتعبير عن الطموح شيء، وإنزاله على أرض الواقع شيء آخر. فمنذ أن بدأ الاحتلال حربه على قطاع غزة بعد السابع من تشرين الأول 2023، وحتى اليوم ترددت مقولة “نزع السلاح” سواء في غزة أو في لبنان، آلاف المرات، بل وتوسعت الدائرة لتصل إلى السعي لمنع تصنيع الصواريخ البالستية في إيران، والبحث عن وسائل لمنع وصولها من اليمن، لكن شيئا من هذا لم يتحقق. فهل حقا يتصور الاحتلال، ومِن ورائه أمريكا، أن هذا المطلب واقعي يمكن تحقيقه، أم أنه وسيلة ضغط لتحقيق أغراض أخرى أو للتغطية على الشعور بالفشل والإحباط؟!

6)

تعلم القيادة الإسرائيلية، بشقيها السياسي والعسكري، كما تعلم جميع الدول التي أطلقت العنان لمطلب نزع السلاح، أن تحقيق ذلك يتسنى فقط بإحدى طريقتين: إما بالقوة العسكرية وتحقيق النصر الحاسم، وإما باستسلام حركات المقاومة وإعلانها القبول بنزع سلاحها. ليست هناك وسيلة ثالثة لتحقيق هذا.

7)

حاول الاحتلال، ومِن خلفه القوى التي تتحكم بقيادتها واشنطن، تحقيق نزع السلاح طوال سنتين من حرب مجنونة دكّ خلالها غزة بمئات آلاف الأطنان من أسلحة الدمار، وقتل عشرات الآلاف، وجرح أضعافهم، وشرّد وجوّع واعتقل وسيطر على غالبية مساحة القطاع، لكنه فشل في تحقيق الهدف. فلماذا سينجح الآن؟ وهل هناك من يمكن أن يظن أنه سينجح في تحقيق ذلك بنفس الأسلوب؟ إن خبراء عسكريين، ومنهم إسرائيليون وأمريكيون وأوروبيون أكدوا وما زالوا يؤكدون حتى الآن، أن نزع السلاح من غزة بالقوة العسكرية شبه مستحيل، بل إن الإدارة الأمريكية توصلت إلى هذه القناعة مبكرا، بعد فشل تحقيق أي هدف من أهداف الحرب التي أعلنها نتنياهو، وإن تجربة سنتين من تلك الحرب الطاحنة التي لم تُبق ولم تذر، والتي كانت الأسلحة التي استخدمت فيها كانت كافية لدفع دول لرفع الراية البيضاء، تكفي دليلا على ذلك.

8)

وأما تحقيق الهدف بالطريقة الأخرى، فإن الخبراء العسكريين يعتبرون هذا من الأوهام. أو كما قال أحد هؤلاء الخبراء: إن إمكانية نزع سلاح غزة، سواء بالقوة العسكرية، أو بدفعها إلى الاستسلام، أو حتى عن طريق خطة ترامب المسماة “مجلس السلام” تساوي صفرا.

لماذا؟

يقول ذلك الخبير إن الفلسطينيين يحملون عقيدة مغايرة مختلفة، إذ يعتبرون أن قضيتهم ذات بُعد عقائدي، ويؤمنون بأن مقاومة الاحتلال حق لهم تضمنه القوانين الدولية، وحتى لو اختفت القوى الموجودة الآن في غزة أو انتهى دورها لسبب من الأسباب، فسوف تظهر قوى جديدة في الساحة الفلسطينية لتؤدي نفس الدور.

9)

خلاصة القول إن مطلب نزع السلاح، هو مجرد وسيلة ضغط، وليس هدفا بحد ذاته، وإن كان الاحتلال يتمنى لو أنه حققه فعلا، سواء في غزة أو الضفة أو لبنان أو أي مكان آخر في المنطقة. هو وسيلة لتحقيق أهداف أخرى، تحركها “عقلية الجدار” التي ترافق المشروع الصهيوني منذ اللحظة الأولى التي أقام فيها الدولة الإسرائيلية. فقد سعت إلى ضرب سياج أمني من حولها لضمان استمرارها وبقائها، لاعتقادها بأن بناء الجُدُر يجب أن توازيه جبهات خامدة لا تشكل أي خطر حقيقي عليها، و “نزع السلاح” إحدى وسائل تحقيق ذلك.

10)

و “عقيلة الجدار” عبارة عن هوس أمني دافِعُه الخوف المزمن، أنتج استراتيجية بناء الجدران الفاصلة، كما هو الأمر مع جدار الفصل العنصري الذي بدأه شارون على طول الخط الفاصل مع الضفة الغربية، وكما هو الأمر مع الجدار الإلكتروني الذي ضربه نتنياهو على طول الحدود مع قطاع غزة، وكما هو الأمر مع الجدار على الحدود الشمالية، حتى أصبحت الدولة الإسرائيلية فيما يشبه الغيتو.

في شباط 2020 نشر الجنرال الإسرائيلي يهودا فاخ، قائد الكتيبة 796 التي تعمل في الجبهة الشمالية (الحدود مع لبنان) مقالا له في مجلة الشؤون العسكرية “بين الأقطاب”، قال فيه “إن مجتمعًا يطوّق نفسه ببناء المزيد من الجدران هو مجتمع يسيطر عليه الخوف”، مضيفا أن “تشييد الجدران والتحصين المتواصل هو في الواقع نوع من الحصار الذاتي الذي له من دون شك آثار بعيدة المدى تتجاوز التأثيرات العسكرية والأمنية، إذ يُعدّ التحصين منذ القدم نقطة ضعف كثيراً ما يُلجأُ إليها بدافع الخوف”. ويبدو أن “عقلية الجدار” ليست ذات بُعد عسكري وحسب، بل لها بُعد أعمق من ذلك هو البعد الديني التلمودي.

11)

ومثل قضية نزع السلاح، كذلك قضية “الحزام الأمني”. فهذا أيضا، بحسب الخبراء العسكريين، لا يمكنه تحقيق الأمن، كما يزعم نتنياهو في تصريحاته الإعلامية المتكررة. ففي عصر الأسلحة المتطورة التي أصبح بإمكانها تجاوز الحدود، ليس لأي حزام أمني أي دور في تحقيق الأمن ومنع الطرف الآخر من شن هجمات، سواء في غزة أو في لبنان أو في سوريا. ويبقى السؤال: هل حقا أن “الحزام الأمني” يهدف إلى ما يعلنه القادة الإسرائيليون أم أن المسألة أبعد من ذلك بكثير، يقف في مركزها احتلال المزيد من الأراضي ضمن هدف استراتيجي أكبر له علاقة بأطماع المشروع الصهيوني؟؟؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى