مع كتاب «الشباب روح الأمة ووقودها»
الشيخ رائد صلاح
حتى كتابة هذه المقالة، فقد قرأت مجموعة كتب لكاتبات الصحوة في الداخل الفلسطيني، وكان من ضمن هؤلاء الكاتبات كل من الأخوات: د.نوال شبلي، وليلى غليون، و د.هبة هريش عوّاد، وسوار وتد، وسوسن مصاروة، وقد استفدت من إنتاجهن الفكري والدعوي والتربوي فوائد كثيرة.
ثم كم فرحت عندما أُهديتُ هذا الكتاب «الشباب روح الأمة ووقودها» للأخت سجى الخالد من بلدة نحف، وهذا يعني أنه اجتمع لدينا هذا العدد المبارك من كاتبات الصحوة، وأسأل الله تعالى أن يزداد مع الأيام، وأن يتحول هذا العدد من بضع كاتبات إلى عشرات الكاتبات.
وسلفًا أعبر عن طموح اطمع فيه أن تقيم هؤلاء الكاتبات ملتقى كاتبات الصحوة بهدف أن يجمعهن هذا الملتقى، وأن يحثهن هذا الملتقى على تأليف المزيد والمزيد من كتب الصحوة النسائية التي تقود النساء قيادة فكرية ودعوية وتربوية راشدة وحكيمة، بعيدًا عن فكر النسوية المنحرف الذي وجدت نفسي مضطرًا أن أكتب عنه في مقالات سابقة.
وحول كتاب «الشباب روح الأمة ووقودها» للأخت سجى الخالد، أسجل هذه الملاحظات بعد أن عشت مع هذا الكتاب ساعات ماتعة ورابحة.
1- لفت انتباهي وفاء الأخت سجى عندما حددت في صفحات كتابها الأولى إلى من تهدي هذا الكتاب، حيث كتبت ما يلي: (إهداء إلى من علمني كلماتي الأولى، قرة القلب ومهجته، والدي الحبيبين، إلى معلمي الخير ومشرفي القرآنيين الذين ساهموا في بناء هذا الوعي وهذه المعرفة، والذين رأوا تلك الشرارة وزادوها اشتعالًا، إلى الشباب الصادق حملة راية أمة الإسلام وعمادها ووقودها، أهدي هذا الكتاب سائلة أن يكون سببًا في صحوة الشباب واشتعال همتهم وانشغالهم في الذود عن الأمة المختارة).
2- من يقرأ هذا الكتاب يقف على قلب كاتبة يحترق حزنًا على حال أمتها بعامة، وعلى شباب هذه الأمة بخاصة. ودفعًا للتوهم، فهي تؤكد في ثنايا كتابها أنها عندما تخط كلمة (شباب) في سطور كتابها فهي تقصد الشباب ذكورًا وإناثًا، وهذا هو المدلول اللغوي لهذه الكلمة في اللغة العربية، وإلا إذا أردنا أن نخاطب الذكور استخدمنا كلمة “شبان“، وإذا أردنا أن نخاطب الإناث استخدمنا كلمة “شابات”.
وهذا يعني أنها لما استخدمت كلمة (شباب) في كل صفحات كتابها فهي تخاطب الذكور والإناث، لأن قلبها يحترق على حال الذكور وعلى حال الإناث، فهم في وادٍ ودورهم المنشود في وادٍ آخر. وهمهم في وادٍ، وآلام أمتهم في وادٍ آخر، وأهدافهم في وادٍ، وطموح صحوتهم في وادٍ آخر.
3- ولذلك فإن الأخت سجى تقول لنا صراحة في ثنايا كتابها لماذا كتبت هذا الكتاب؟ فهي في الأساس كتبت هذا الكتاب مرضاة لله تعالى، ثم كتبت هذا الكتاب بعد أن عاشت أيام الدراسة الجامعية واستمعت إلى طلاب الجامعة ذكورًا وإناثًا، سواء كانوا ممن ينسبون أنفسهم إلى المشروع الإسلامي أو إلى غيره.
فآلمها ما سمعت منهم عندما كان يتحدث أحدهم عن أهدافه المستقبلية، حيث لم تتعدَّ أهدافهم الوصول إلى النجاح الشخصي المتمثل بالحصول على وظيفة، وبناء أسرة وبيت، واقتناء سيارة، ولم تسمع منهم ما كانت تتمنى أن تسمعه، وهو الحديث الحي الباكي على حالنا الإسلامي العروبي الفلسطيني، والطموح الصافي الصادق لبذل السعي المستديم للخروج من هذا المأزق المصيري الذي بات يهدد بإضاعة هويتنا، وهدم ثوابتنا، وقطعنا عن ماضينا، وتشتيت حاضرنا، والتغافل والتكاسل عن الاستعداد لمستقبلنا.
وها هي تقول صفحة 117 من كتابها بلهجة الحسرة والأنين: (يتغنى الكثير من جيل الشباب على مرأى ومسمع مني بانشغالهم وانعدام الوقت الزائد لديهم، فيحتجون بأنه ليس بمقدورهم حفظ القرآن بسبب الدراسة، (مدرسة أو جامعة) أو بسبب العمل، أو حتى قراءته أو تأدية أقل واجباتهم، رغم أني أراهم يتقلبون بين شلالات (الريلز) أو (المسلسلات) أو (الستوريات) أو حتى سهرات وجلسات المصاحبة بين الشباب، حيث يجلسون منذ بداية الليل حتى طلوع الفجر يتسامرون ويتحدثون بلا فائدة تذكر). ثم تختم هذه الفقرة العاصفة من كتابها صارخة: (يا أمة محمد أفيقوا).
4- ولأنه لا يصح إلا الصحيح، ولأنه لن يصلح الأمة اليوم إلا بما صلحت به بالأمس، وإلا ما دون ذلك فهي الثرثرة وطك الحنك، فإن الأخت سجى تضع أهم شروط النهضة التي يجب أن تتزين بها عقول الشباب وقلوبهم ونفوسهم، في الوقت الذي تتزين فيه أجسادهم بأحدث الماركات الصارخة والفاقعة والفاتنة.
وها هي الأخت سجى تفتتح كتابها بتعريفنا على أبجديات شروط النهضة، حيث تتساءل لتستوقفنا كي نتساءل كذلك عن غاية خلقنا، صفحة 13: (إذا كان الهدف من الاستخلاف عمارة الأرض، لذا فحتى تنال الفوز، الكبير أي رضوان الله عز وجل، وتكتب عند الله من الصادقين، وحتى يستخلفك الله ويستعملك في عمارة الأرض، لا بد لمقاصدك وغاياتك في الحياة أن تكون في سبيل الله وإقامة شرعه حتى تنال هذه المرتبة العالية).
5- رأت الأخت سجى من الواجب أن تذكر الشباب عسى الذكرى أن تنفعهم، أنهم شباب الأمة الإسلامية المختارة لمهمة الاستخلاف في الأرض، وهذا يلزمهم أن يتحلوا بالفهم والسلوك والالتزام الذي يتوافق مع هذه المنزلة العالية التي خصهم الله تعالى بها. فكما أن أمتهم هي الأمة المختارة من بين أمم الأرض، فهم الشباب المختارون من بين شباب الأرض. وتأكيدًا لذلك ها هي تقول صفحة 15 وهي تخاطب الشباب: (هذه الأمة التي تنتمي لها هي الأمة المصطفاة المختارة التي فضلها المولى عز وجل على غيرها من الأمم بأن أورثها الكتاب الأعظم القرآن الكريم). وهذه الأمة المصطفاة المختارة ليست أمة هلامية، بل هي أمة ذات صفات تميزها عن سائر الأمم، ولذلك فإن شبابها مطالبون أن يحافظوا على هذه الصفات حتى يحافظوا على وجود أمتهم في الواقع لا في أحاديث الكتب فقط. وها هي الأخت سجى تقول صفحة 16: (كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم علمنا مرارًا وتكرارًا عن مركزية الأمة، فإذا به يقول: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”، ويشبك بين أصابعه مبينًا لنا المعنى. ويقول صلى الله عليه وسلم أيضًا: “مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”).
6- وهكذا توصلنا الأخت سجى إلى معادلة واضحة ترسم لنا معالم الطريق، وهذه المعادلة تقول بكل بساطة: لأن الأمة الإسلامية هي الأمة المختارة من بين الأمم، فإن شبابها هم الشباب المختارون من بين شباب الأرض، ولأن لهذه الأمة صفات تقوم بها، فإن شبابها يقومون بالصفات ذاتها، وحتى لا تضيع هذه الصفات فتضيع الأمة، وحتى لا تضيع الأمة فيضيع شبابها، فإن هؤلاء الشباب مطالبون بحمل هم استعادة دور أمتهم. ولأن ذلك لن يكون إلا بدين الإسلام، فإن هؤلاء الشباب مطالبون بحمل هم هذا الدين، وتأكيدًا لذلك ها هي تقول لنا صفحة 9 وهي تخاطب الشباب: (وحمل الدين واجب كل فرد منا). ثم تقول لنا صفحة 10 وهي تستثير همهم الشباب ونخوتهم وفتوتهم: (فهل للأمة من صحوة كأيام الفاتحين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هل للأمة من مجد يعاد؟ هل من فتح كفتح تستر؟ هل لنا أن نعود لعزة الإسلام في عهد عمر؟
7- وحتى توقظ الأخت سجى النائم من الشباب، وحتى تنبه الغافل منهم، وحتى تثبت المترنح منهم، فقد حرصت أن تذكرهم أنهم هم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أحبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ورأى فيهم رأس مال الأمة الإسلامية وعمود نهضتها ومشعل سيرها وراية رقيها ونور فجرها وصمودها في كل محنة. ولأن هذه الوصية النبوية بالشباب هي الوصية التي ما بعدها وصية، فقد حرصت الأخت سجى أن تسلط الضوء عليها في أكثر من صفحة في كتابها. فها هي تقول لنا صفحة 23 تذكرة لكل الشباب: ( إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أوصيكم بالشباب خيرًا”، مبينًا ومشيرًا أن هذه الفئة فئة مهمة ومؤثرة في مصير ومسار الأمة. أيها الشباب، أيا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا لب الأمة، يا شبابها الصاعد، في كل واحد منكم قوى كبيرة وهمم عالية وطاقات كثيرة وغايات جلية. أيها الشباب، نحن اليوم أبناء الأمة، غدًا سنكون أصحابها، اليوم نحن أهل البناء، أهل الإصلاح، أهل الغراس، غدًا سنكون أهل الحصاد). وها هي تقول لنا صفحة 28: (كيف لا وقد جعل الله تعالى الشباب الناشئ في طاعة الله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إذ ورد في الحديث: “وشاب نشأ في طاعة ربه”. وتقول لنا صفحة 29: (بل إن التوبة في مرحلة الشباب كانت سببًا لنيل محبة الله عز وجل، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب الشاب التائب”).
8- وبدافع أن يجدد الشباب ثقتهم في أنفسهم موقنين أنهم هم الشباب الذين يرجى دورهم وسيرهم وصعودهم، وهم الشباب الذين صدق فيهم قول الشاعر: (وبورك في الشباب الطامحينا)، وهم البدر في ليل الأمة الطويل الذي انتظر دوره الشاعر وناجاه قبل أن يولد عندما قال: “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”. لأنهم كذلك، ولأن الأخت سجى ترجو لهم أن يتحققوا بذلك، فقد اجتهدت أن تمر في كتابها على الكثير من تجارب الشباب السابقين المبدعين، وكأني بها تصرخ في شباب اليوم القلق وتقول لهم: (أولئك آبائي فجئنا بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع). وفي الصفحات الممتدة ما بين صفحة 26 حتى صفحة 45 من كتابها، ها هي تستوقفنا عند هذه القائمة من الشباب الأفذاذ: مصعب بن عمير، الزبير بن العوام، أسامة بن زيد، عمرو بن سلمة، طلحة بن عبيد الله، سعد بن أبي وقاص، زيد بن ثابت، الأئمة الأربعة، أنس بن النضر.
9- ثم توصي الشباب وصية قلب ملذوع على حالهم، وتقول لهم : (علينا أن ندرك بأن كون الله تعالى لم يخلقنا عبثًا إكرامًا لنا، هو مفتاح للرضا بما كتب الله لنا، لذا أينما أنبتك الله أيها الشباب أدرك النعمة واشكر وتدبر وفكر وبادر وأثر).
10- ورأفة بالشباب واستثارة لهم وحرصًا على دورهم وطمعًا بنجاحهم ودفعًا لهم إلى الأمام، ها هي تقول لهم صفحة 34: (مجتمعنا تمامًا كقطع البازل، كل قطعة هي مهمة وذات معنى في كافة تفاصيل الصورة، وكل فرد في الإسلام كذلك، وكلنا يشد بعضه بعضًا). وكأني بها تقول لهم: نريد الشاب العامل، والشاب المتعلم، والشاب المحاضر، والشاب الطبيب، والشاب الإعلامي، والشاب السياسي، والشاب المزارع، والشاب الأديب الشاعر، والشاب الاقتصادي، وهكذا. ثم تضع الشباب بين يدي هذا الحديث النبوي العميق في توجيهاته ودلالاته: “أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
11- ثم تنصح الشباب النصائح الكثيرة في صفحات كتابها، وهي نصائح نفيسة ومنوعة ما بين نصائح شرعية تبين لهم دورهم المطلوب الجامع بين الواجب العيني والواجب الكفائي، إلى جانب نصحهم بالحفاظ على الدور الجامع بين العمل الذاتي والعمل الجماعي. ولا تغفل أن تدلهم على الزاد المطلوب في طريق شبابهم، فتدعوهم بلطف ولين في صفحات كثيرة من كتابها للتزود بالإخلاص والدعاء والصدق والخلوة وعلو الهمة والحرص على قيمة الوقت وبركة الفجر، وأن يتحرروا من الشعور بالغربة، وأن يسارعوا إلى علاج الفتور في داخلهم، وأن لا يسمحوا له أن يتغلغل في جوهرهم ومظهرهم كيما لا يجري فيهم مجرى الدم في العروق، وأن يواصلوا تجديد حياتهم من خلال تجديد توبتهم، وأن يكونوا دائمًا في المقدمة يقودون ولا يقادون، وأن يحلقوا في سيرهم بجناحي العلم والعمل، وبجناحي العمل والإخلاص، وبجناحي الخوف والرجاء، وبجناحي التغيير والتفاؤل. وهكذا سيكون حالهم كحال ذاك الطائر الموفق بتوفيق الله تعالى أينما سقط لقط.
12- ولأن القرآن الكريم هو خير زاد للشباب من المهد إلی اللحد، ومن المحبرة إلى المقبرة، ومن رحم الأم إلى رحم الأرض، فإن الأخت سجى قد خصصت العشرات من صفحاتها للحديث عن منزلة القرآن الكريم كزاد علمي وروحي وشفاء قلبي وعقلي ونفسي، وكهوية أمة وهوية شبابها، فهي أمة القرآن وهم شباب القرآن. ولكي تعطي هذه القضية حقها كما يجب، فقد استشهدت بعشرات الآيات القرآنية وعشرات الأحاديث النبوية وعشرات الحكايات من واقع الحياة، وأنصح أن تجمع هذه الثروة على صورة رسالة حول القرآن الكريم.
13- ولأن الشباب هم عنوان اليوم والغد، وعنوان الحاضر والمستقبل، وغذاء الأمة وماؤها وهواؤها، فهي تدعوهم في ثنايا كتابها أن يحملوا هموم الناس، فهم أصحاب العقل الذكي والهمم العالية والإرادات الفتية والصحة الوافرة والعطاء المستديم، وهم مطالبون بمعرفة حقيقة أمتهم وكيف هي اليوم وكيف يجب أن تكون، بشرط أن يكونوا هم خير طبيب لها يقودها إلى بر الأمان والأمن والسكينة والطمأنينة.
14- ثم في مسك ختام هذه المقالة أقول كما قالت الأخت سجى في صفحة 175 وهي تخاطب الشباب: (أنتم المكلفون بعمارة الأرض وقيادة الأمة وحمايتها وكفايتها عن غيرها، أنتم أهل صناعة الخير فاستقيموا واثبتوا واعملوا واسعوا لمرضات الله، وعين الله تراكم وترعاكم). وكما قالت صفحة 158: (واعلموا أن الإسلام رسالة للحياة، فلا تصرفنكم نفوسكم إلى الغلو في الدين، أيها الشباب أحسنوا الظن بالله دومًا، كونوا على ثقة أن من سلك طريقًا ابتغى به رضا الله كان الله معه). وكما قالت صفحة 159: (وليحدث كل منكم نفسه: “لو كنت وحدك لهانت، لكنها أمة يا فتى”).
