أخبار وتقاريردين ودنياومضات

اللهم اجعله عامًا جديدًا يغمره السلام والسكينة والطمأنينة

د. نواعم شبلي جبارين

مع إشراقة عامٍ هجري جديد، تتجدد في النفوس معاني الأمل، وتنبعث في القلوب رسائل الرجاء، وتتجه الأرواح إلى الله تعالى بالدعاء أن يجعل أيامنا القادمة خيرًا من أيامنا الماضية، وأن يملأ أوطاننا وأهلنا والعالم أجمع بالسلام والسكينة والطمأنينة.

إن رأس السنة الهجرية ليس مجرد انتقالٍ من رقمٍ إلى آخر في التقويم، بل هو محطة إيمانية وتاريخية عظيمة تستحضر واحدًا من أعظم الأحداث في التاريخ الإسلامي، وهو هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. تلك الهجرة التي لم تكن هروبًا من واقعٍ صعب، بل كانت انتقالًا من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة البناء، ومن دائرة الضيق إلى آفاق الأمل والعمل والإنجاز.

لقد علّمتنا الهجرة النبوية أن التغيير الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان، وأن المستقبل لا يُصنع بالأمنيات وحدها، بل بالإيمان والعلم والصبر والتخطيط وحسن التوكل على الله. كما أكدت أن الأزمات مهما اشتدت تحمل في طياتها فرصًا جديدة للنهوض والتقدم لمن يُحسن قراءتها والتعامل معها.

وفي مطلع هذا العام الهجري الجديد، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذه الدروس العظيمة. ففي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه التحديات، تبقى القيم الإنسانية النبيلة هي المنارة التي تهدي الإنسان إلى طريق الأمن والاستقرار. فالسلام ليس مجرد غيابٍ للحروب، بل هو حالة من التوازن النفسي والاجتماعي، تبدأ من سلام الإنسان مع نفسه، ثم مع أسرته ومجتمعه، وتمتد إلى الإنسانية جمعاء.

أما السكينة، فهي تلك النعمة الربانية التي تنزل على القلوب فتجعلها أكثر ثباتًا أمام المحن، وأكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة. وقد امتنّ الله تعالى بها على عباده في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، لأنها تمنح الإنسان قوة داخلية تفوق كثيرًا من القوى المادية الظاهرة.

والطمأنينة هي الثمرة المباركة للإيمان الصادق والعمل الصالح وحسن الظن بالله تعالى. فالإنسان المطمئن لا تعصف به المخاوف، ولا تهزمه الصعوبات، لأنه يدرك أن تدبير الله أرحم وأحكم من تدبير البشر لأنفسهم.

ومن أجمل ما يمكن أن نستقبل به العام الهجري الجديد أن نجدد نياتنا، ونراجع أولوياتنا، ونفتح صفحاتٍ جديدة مع الله ومع الناس. أن نسامح من أساء إلينا، وأن نمد جسور المحبة والتعاون، وأن نجعل الخير منهجًا في أقوالنا وأفعالنا. فالأعوام لا تُقاس بعدد أيامها، بل بما نزرعه فيها من قيم وإنجازات وآثار طيبة تبقى بعد رحيلنا.

إن المجتمعات التي يسودها التسامح والتراحم والتكافل هي الأقدر على مواجهة الأزمات وبناء المستقبل. ولذلك فإن مسؤولية نشر السلام لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تبدأ من الفرد في بيته، ومن المعلم في مدرسته، ومن الكاتب في قلمه، ومن كل إنسان يحمل في قلبه رسالة خير للناس.

وفي هذه المناسبة المباركة، نرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل أن يجعل هذا العام الهجري عام خيرٍ وبركةٍ ورحمة، وأن يبدّل الخوف أمنًا، والحزن فرحًا، والفرقة أُلفة، وأن يرزق البشرية جمعاء السكينة والطمأنينة والاستقرار.

اللهم مع بداية عامٍ هجري جديد، اجعل أيامنا عامرة بالإيمان، وقلوبنا مفعمة بالرضا، وأوطاننا مزدهرة بالأمن والسلام، واغمر العالم كله بالسكينة والرحمة والطمأنينة. وكل عام وأنتم بخير، أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء بالخير واليُمن والبركات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى