لبنان العالق بين إسرائيل وإيران.. هل يفعلها ترامب ويتخلى عن نتنياهو؟

الإعلامي أحمد حازم
منذ بداية الحرب الأخيرة في المنطقة، وأقصد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والحرب الإسرائيلية على لبنان، كثيرًا ما تتحدث الصحافة الأميركية والإسرائيلية عن خلافات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي كثيرًا ما يقفز عن الطاعة “الترامبية”، معلنًا العصيان والتمرد على “سيده” الأميركي، كما حصل مؤخرًا بشأن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي اتفق عليها الجانبان، والتي يحاول نتنياهو إفشالها لأهداف سياسية وشخصية.
يرى كبير المعلقين السياسيين في صحيفة “معاريف” العبرية، بن كاسبيت، أن ترامب “يحيك خططًا ضد نتنياهو ويدبر له أكبر إهانة في تاريخه”. وألمح في مقال له بعنوان: “يجب أن ترى لتصدق: ترامب يدبر لنتنياهو أكبر إهانة في تاريخه السياسي”، متهمًا إياه بأنه “باع أوهامًا وخيالات لترامب بشأن إسقاط النظام الإيراني”.
وقد اعترف بن كاسبيت بأن ما يقوله ترامب لا يفاجئ أحدًا إلى درجة أنه يصعب تصديقه، لكنه يواصل مفاجأة الجمهور بقوله لنتنياهو عمليًا: “اسمع، أنت بين يديّ، وأنا المتحكم بمصيرك، ومن الأفضل لك أن تلتزم بما أريده”. وهذا يعني، بلغتنا العربية، تهديدًا علنيًا وصريحًا. نحن الآن أمام رئيس أميركي يهدد، وأمام رئيس حكومة إسرائيلية “مهدَّد” يحاول التغريد خارج السرب الأميركي. ولماذا كل ذلك؟
كلنا يتذكر الاتفاق الذي وقعه باراك أوباما مع إيران عام 2015 حول البرنامج النووي الإيراني، والذي استطاع نتنياهو أن يدفع ترامب إلى الانسحاب منه. ولكن هل كانت خطوة الانسحاب صحيحة؟ اسمعوا ما يقوله بن كاسبيت: “إن خطوة انسحاب ترامب، بضغط من نتنياهو، من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، كانت الخطيئة الأصلية التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي، والأهم من ذلك أنها قرّبت الإيرانيين من امتلاك القنبلة النووية، وكل ذلك من صنع نتنياهو. أما ترامب فكان آنذاك مجرد الأداة المفيدة التي استخدمها نتنياهو”.
ويبدو واضحًا أن نتنياهو يحاول هذه المرة الضغط بطرقه الخاصة على ترامب للانسحاب مجددًا من الاتفاق مع إيران، لأن بقاء الوضع متوترًا في المنطقة يصب في مصلحة نتنياهو، لكنه لا يخدم المصلحة الأميركية.
شركاء نتنياهو في الائتلاف الحكومي، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وكذلك موشيه غافني ويتسحاق غولدكنوبف، يحاولون دائمًا ابتزاز نتنياهو، الذي لا يستطيع رفض طلباتهم لأنه يعتمد على الكتلة الائتلافية ويعيش سياسيًا بفضلها. لذلك يقبل الابتزاز مرغَمًا، لأنه يحتاج إليهم لبقاء الحكومة. اسمعوا ما يقوله بن كاسبيت عن هذا الابتزاز: “نتنياهو هو الأكثر قابلية للضغط والابتزاز في التاريخ، علمًا بأن مصيره الشخصي أهم لديه بكثير من مصيرنا، في محاولته الفاشلة للهروب من محاكمته”.
لقد تم التوصل إلى مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة. ويرى نتنياهو أن إسرائيل تدفع ثمن “تفاهم” الولايات المتحدة وإيران، لكن الحقيقة هي عكس ذلك تمامًا، لأن نتنياهو لا يريد أن يكون لبنان جزءًا من هذه الاتفاقية، ويريد مواصلة قصف جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله.
ويرى محللون سياسيون أن ترامب كثّف في الأسابيع الأخيرة انتقاداته الموجّهة إلى نتنياهو، وتعددت تصريحاته المنتقدة لسلوك إسرائيل في لبنان، كما لمّح إلى استيائه من محاولة نتنياهو النيل من مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية من خلال قصف الضاحية الجنوبية قبل ساعات من توقيع المذكرة.
الأمر الواضح الآن أن إسرائيل، التي كانت شريكة للولايات المتحدة في الحرب على إيران، ليست شريكة في اتفاق التفاهم معها. بمعنى أن نتنياهو كان حاضرًا في غرف العمليات الحربية المشتركة، لكن ترامب أقصاه كليًا عن غرف التفاوض، الأمر الذي دفع بعض المحللين إلى الاستنتاج بأن ترامب أجبر نتنياهو على الجلوس في مقاعد المتفرجين على العرض الكبير.
ولكن ما هدف ترامب من ذلك؟ ليس من المستبعد أن ترامب، واستنادًا إلى آراء محللين سياسيين، يريد نهاية نتنياهو ونهاية حقبة سياسية في إسرائيل، تمهيدًا لفتح صفحة جديدة بطاقم حاكم مختلف.
وترى القناة 12 العبرية أن ترامب يريد بالفعل التخلص من نتنياهو. فقد ذكرت، الأحد الماضي، أن الإدارة الأميركية تسعى إلى بناء قواعد شعبية جديدة قبل الانتخابات، وتجري اتصالات مع المعارضة الإسرائيلية بهدف تغيير حكومة نتنياهو. وأضافت أن مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرون أن هناك احتمالًا كبيرًا لتغيير الحكومة في إسرائيل، وهو ما دفع واشنطن إلى إجراء اتصالات غير رسمية مع كل من نفتالي بينيت، رئيس حزب “معًا”، وغادي آيزنكوت، زعيم حزب “يشار”.
كل ذلك مجرد تكهنات وتحليلات. أما الواقع السياسي الحالي فيقول إن وقف الحرب في لبنان هو بند من بنود وقف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بمعنى أن إسرائيل مجبرة على الخضوع لمذكرة تفاهم لم تكن شريكة في التوصل إليها.
ولذلك باشر نتنياهو حملته الانتخابية من بوابة مقاومة الاتفاق مع إيران، استجابة لليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي أخذ على نتنياهو “خضوعه” لرغبات الرئيس الأميركي.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل يستطيع ترامب سحب البساط من تحت أقدام نتنياهو وإعادته إلى الحظيرة الترامبية، أم أن العكس هو الصحيح؟
