أنِرْ شموعك لمن يرتجف بالظلام
د. نواعم شبلي جبارين
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه الهموم، يقف كثير من الناس على أطراف الحياة مرتجفين من ظلام الوحدة، أو الخوف، أو الفقد، أو الحاجة إلى كلمةٍ صادقة تعيد إليهم شيئًا من الأمل. وفي خضم هذا الظلام، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى معجزةٍ كبيرة بقدر حاجته إلى شمعةٍ صغيرة تنير له الطريق، وتخبره أن الخير ما زال موجودًا، وأن الرحمة لم تغادر القلوب.
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان ليس المال وحده، ولا الجاه وحده، بل ذلك النور الإنساني الذي يبعث الطمأنينة في النفوس. فكم من كلمةٍ طيبة أنقذت قلبًا من الانكسار، وكم من ابتسامةٍ صادقة أزاحت جبالًا من الحزن، وكم من موقفٍ نبيل أعاد الثقة إلى إنسانٍ كاد أن يفقد إيمانه بالحياة.
لقد خلق الله تعالى الإنسان ليكون مصدر خير وعطاء، فقال سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. والإحسان لا يقتصر على تقديم المساعدة المادية، بل يشمل كل ما يزرع النور في حياة الآخرين.
إن المجتمعات لا تنهض بالقوانين وحدها، بل تنهض بالقلوب الحية التي تشعر بآلام الآخرين. فحين نرى شخصًا يمر بضائقة نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية، فإن أقل ما يمكن أن نقدمه له هو أن نكون بجانبه.
ولعل من أجمل صور الإنسانية أن يكون الإنسان نورًا للآخرين وهو يمر هو نفسه بتحديات الحياة. فالشمس لا تحتفظ بضوئها لنفسها، والشمعة لا تبخل بنورها رغم أنها تحترق لتمنحه.
وفي زمن أصبحت فيه العلاقات أحيانًا محكومة بالمصالح والمكاسب، تبقى القلوب النقية هي التي تدرك أن العطاء الحقيقي لا ينتظر مقابلًا.
إن إنارة شمعة في حياة إنسان قد تكون سببًا في تغيير مستقبله كله. معلمٌ يؤمن بقدرات طالبٍ متعثر، وأمٌّ تزرع الثقة في قلب طفلها، وصديقٌ يقف إلى جانب صديقه في محنته.
فلنحرص جميعًا على أن نكون مصابيح أمل لا مصادر يأس، وجسور محبة لا حواجز قسوة، وأن نترك في حياة من حولنا أثرًا جميلًا يبقى بعد رحيلنا.
وفي الختام، تذكّروا أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الظلام، بل إلى مزيد من الشموع. فأنِرْ شموعك لمن يرتجف بالظلام، فقد تكون أنت النور الذي انتظره طويلًا. فكلما ازداد نورك في حياة الآخرين، ازداد نورك في الحياة.