العطلة الصيفية إجازة من التعلم.. لا من التألق والإبداع

ليلى غليون
تمر الأيام سريعًا، وتمضي الأعمار كسرعة البرق، وما الحياة إلا مجموعة من الأوقات، من أحسن استثمارها ربح دنياه وآخرته، ومن أهملها خسر الشيء الكثير دون أن يشعر، وقد قال بعض السلف: “إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما”، فالأيام تمضي ولا تنتظر أحدًا، وما يميز إنسانًا عن آخر هو حسن استثمارها.
والعطلة الصيفية فسحة للراحة بعد عام من الجد والتعب والاجتهاد، لكنها في الوقت ذاته ميدان واسع لبناء الشخصية وتنمية المواهب وغرس القيم وتقوية الروابط الأسرية، والموفق من يدرك أن العطلة ليست انقطاعًا عن التعليم، ولا دعوة إلى الكسل وإضاعة الساعات الطوال، بل هي انقطاع من تعليم منظم إلى تعليم أوسع، من واجبات مدرسية إلى تجارب حياتية تنمي قدرات الطلاب.
وها هم العديد من الأهالي، خاصة الأمهات، يستقبلون العطلة الصيفية مع كثير من التذمر والاستياء على اعتبار أن هذه المرحلة تجلب معها المزيد من “وجع الرأس” الذي يسببه الأبناء للأهل بسبب تواجدهم شبه الدائم في البيت، وما يمكن أن ينجم عن ذلك من احتكاك يومي ومشاجرات بين الأبناء أنفسهم أو بينهم وبين أبناء الجيران، وما يمكن أن يسببوه من فوضى وعبث داخل البيت وغيرها من المشاكل والمضايقات التي تجعل الأمهات يتمنين لو تستمر الدراسة وتدوم جميع أيام السنة.
وبالمقابل نجد قلوب الأبناء تخفق فرحًا وابتهاجًا من تحررهم من أعباء الدراسة والامتحانات والواجبات المدرسية التي أثقلت كواهلهم طيلة عام دراسي كامل، وكأنهم عصافير فرت من أقفاصها، ليغمرهم شعور بالحرية والرغبة الجامحة بقضاء الوقت في اللهو واللعب، وإن كان الغالبية منهم لا يعرفون كيف يقضون فترة العطلة الصيفية ويستثمرونها كما يجب، مع تحفظي على كلمة (عطلة) والتي هي من التعطيل، فالعطلة لغة تعني البقاء بلا عمل، فهل هذا يعني بقاء طلابنا وطالباتنا على اختلاف أجيالهم فترة شهرين بطولها وعرضها بلا عمل ولا هدف ولا استفادة من هذه الأوقات؟!
إن مفهوم العطلة الصيفية، والذي يعني انقطاع الأبناء عن الدراسة، لا يعني تعطيلهم عن الاستفادة والإبداع، وهذه مسؤولية الأهل بالدرجة الأولى في كيفية توجيه طاقاتهم في الأمور المفيدة، وفي كيفية استثمار هذه الفترة بما ينفع وما يفيد، وذلك حتى لا تشل حركتهم وتضيع أوقاتهم سدى أمام الحاسوب أو التلفاز أو الهواتف الذكية أو في السهر لساعات متأخرة من الليل، أو النوم لساعات طويلة في النهار أو التسكع في الحارات أو المشاجرات مع الأصحاب وأبناء الجيران، الأمر الذي يحتم على الأهل أن ينتبهوا جيدًا ويهيئوا أنفسهم وأبناءهم لهذه المحطة المهمة في حياة الأبناء، فلا يتركون لهم الحبل على غاربه بحجة أنها عطلة أو إجازة حتى لا يفاجَؤوا في نهاية المطاف بما لا تحمد عقباه، وحتى لا تكون صفحات العطلة فارغة يطويها الزمن بلا أثر.
إنَّ العطلة الصيفية ليست فراغًا، بل هي مساحة واسعة لبناء النفس واكتشاف المواهب وتجديد النشاط، وهي مسؤولية مشتركة بين الأهل والأبناء، ونجاحها لا يكون بكثرة الأنشطة، بل بحسن تنظيم الوقت وتحقيق التوازن بين الراحة والفائدة.
هناك الكثير من أوجه المنفعة من أجل إجازة مثمرة لو أحسن الأهل التخطيط لها من خلال برنامج مدروس محبب للأبناء يشاركون هم في إعداده، وهذا الأمر فيه ما فيه من منفعة تربوية تكمن في إكسابهم مهارة التخطيط ومسؤولية الوقت، كما يزيد من التقارب والتآلف الأسري، ويساعد على معرفة الأهل لرغبات وهوايات وتطلعات الأبناء، مما يساعدهم في توجيه أبنائهم في استغلال الوقت وتوظيف قدراتهم بما يعود عليهم بالنفع من خلال النشاطات التربوية والترفيهية المختلفة.
وفي هذا المقال نقدم بعض التوجيهات للأبناء وللأهل في كيفية استثمار العطلة الصيفية وتوجيههم لما هو خير ونافع بإذن الله.
توصيات للأهل الكرام:
• اجعلوا من العطلة الصيفية فرصة لتقوية الروابط الأسرية من خلال الجلسات العائلية الحميمة، والحوارات الهادئة الدافئة، فكم تفتقر معظم بيوتنا لمثل هذه الجلسات، خاصة بعد غزو الشاشات التي سرقت معظم الأوقات وباعدت حتى بين أفراد الأسرة الواحدة.
• ضعوا برنامجًا بمشاركة أبنائكم يوازن بين العبادة والتعلم والترفيه بدون تشدد أو تساهل.
• شجعوا أبناءكم على القراءة وتعلم المهارات وممارسة الرياضة، وباعدوا بينهم قدر الإمكان وبين الأجهزة الإلكترونية التي يقضون معظم أوقاتهم بصحبتها.
• ضرورة مراقبة استخدامهم للأجهزة الإلكترونية والمحتويات التي يشاهدونها، فلا تغفلوا عن هذا الأمر طرفة عين، (المقصود مراقبتهم مراقبة راشدة وليس التجسس عليهم).
• احرصوا على تقوية ثقتهم بأنفسهم وعلى تحمل المسؤولية، وذلك بتكليفهم مهام وأعمال تناسب أعمارهم، مع أهمية التشجيع والثناء على أي إنجاز يقومون به مهما كان بسيطًا، فالكلمة الطيبة لها من مفعول السحر على النفس ما لها.
• القدوة… القدوة… فالأبناء يتعلمون من الأفعال أكثر من الأقوال، فأروهم من أنفسكم القدوة الحسنة.
وهذه بعض التوصيات للأبناء الأعزاء:
• الوقت هو الحياة، فحافظوا على حياتكم من الضياع، اجعلوا لكل يوم هدفًا ولو كان صغيرًا، فالإنجازات الكبيرة والنجاحات الباهرة بدأت من خطوة صغيرة.
• حافظوا على الصلوات في أوقاتها، واجعلوا للقرآن نصيبًا ثابتًا من أوقاتكم كل يوم.
• احرصوا على بر الوالدين ومساعدتهما وطاعتهما وإدخال السرور على قلبيهما.
• اختاروا الصحبة الصالحة التي تعينكم على الخير والصلاح، وإياكم وصديق السوء فإنه مهلكة لكم في الدنيا والآخرة.
• إياكم أن تسمحوا للص الصغير (الهاتف) أو النوم الطويل أن يسرق أيام عطلتكم الجميلة.
• تعلموا مهارة جديدة تنفعكم في مستقبلكم، وحاولوا قدر الإمكان استثمار الوقت فيما يزيدكم علمًا وخبرة.
فلنجعل من العطلة الصيفية خلية نحل تعج بالحركة والنشاط، فالمسلم لا يعرف التعطيل ولا الكسل ولا الخمول، أوقاته دائمًا مستثمرة بالعمل والإنتاج وما يرضي الله تعالى، ولنجعل شعارنا هذا الصيف: وقت نرتقي فيه بإيماننا، وننمي فيه عقولنا، ونقوي فيه أجسادنا، ونسعد فيه أسرنا.
ولنحرص جميعًا على أن تكون العطلة الصيفية موسمًا للإنجاز والعطاء والتألق، لا موسمًا للفراغ والكسل والخمول، موسمًا لصناعة المستقبل لا لإضاعته، ومتنفسًا للراحة الهادفة حتى نعود منها وقد ازددنا نضجًا وقوة، وإيمانًا، وعزمًا على مواصلة الطريق، فلا يزال الطريق طويلًا، ولا يزال بحاجة لكل دقيقة لبلوغ الهدف، فطوبى لمن جعل من وقته حياة، ومن عمره رسالة، ومن العطلة بداية مشرقة نحو النجاح والإبداع.