إن هدمتم بيتًا من حجر.. فجذورنا عميقة كالشجر

د. أحمد سليمان
لطالما كان السكن الملائم حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وجزءًا لا يتجزأ من كرامته المكفولة في المواثيق الدولية. إلا أن التاريخ يخبرنا بأن “سياسة هدم البيوت والممتلكات” كانت دائمًا الأداة المفضلة للأنظمة الاستعمارية والعنصرية لإعادة هندسة المجتمعات ديمغرافيًا وعرقيًا بالقوة.
ففي جنوب أفريقيا، استخدم نظام الأقلية البيضاء الحاكم هدم البيوت أداةً قانونية وتخطيطية؛ وبموجب “قانون تفريغ المناطق” الصادر عام 1950، أعلنت الحكومة أن بعض المناطق الحضرية مخصصة للبيض فقط، مثل منطقة “سوفياتاون” في جوهانسبرغ، و”المنطقة السادسة” في كيب تاون، فجُرفت منازل مئات الآلاف من السكان من أصحاب البشرة السوداء والملونين، وهُدمت فوق أثاثها، ونُقل السكان قسرًا إلى “بانتوستانات” (معازل سكنية فقيرة خارج المدن). ولكنهم يمكرون ويمكر الله؛ فقد تحولت تلك الأنقاض إلى رموز دولية لظلم نظام الأبرتهايد، وتصاعدت المقاومة الداخلية الشرسة، وعُزلت جنوب أفريقيا دوليًا عبر عقوبات خانقة، مما أجبر النظام في النهاية على الانهيار والتحول الديمقراطي عام 1994.
ولم يكن الأمر ببعيد في عهد جوزيف ستالين (بين عشرينيات وأربعينيات القرن العشرين)، حيث استُخدم هدم الممتلكات أداةً لإعادة صياغة المجتمع بالقوة خلال حملة “التجميع الزراعي القسري” ضد طبقة “الكولاك”. ولاحقًا، اتهم ستالين قوميات كاملة بالخيانة (مثل تتار القرم والشيشان والإنغوش)، فجرى تهجيرهم جماعيًا، وهُدمت قراهم ومساجدهم ومقابرهم لمحو أثرهم الجغرافي، مما أورث الدولة السوفيتية أحقادًا قومية عميقة دُفنت تحت الرماد، وبمجرد ضعف القبضة المركزية لموسكو في أواخر الثمانينيات، انفجرت تلك النزاعات العرقية، وكانت أحد العوامل الأساسية التي عجّلت بتفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره عام 1991.
يقول أبو البقاء الرندي:
هِيَ الأُمُورُ كَمَا شَاهَدْتَهَا دُوَلٌ
مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ
إن إخراج الناس من ديارهم أمر شديد الوطأة على النفس البشرية، حتى عده الله جل في علاه مماثلًا لقتل النفس في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ (النساء: 66).
ويقول أحمد شوقي:
وللأوطانِ في دمِ كلِّ حُرٍّ
يدٌ سلفتْ ودينٌ مستحقُّ
وبيتٌ نفسُه الحرُّ الكريمُ
يرى أنَّ الحياةَ به تحقُّ
(أحمد شوقي)
واليوم، تشكل “سياسة هدم البيوت” الممنهجة التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية امتدادًا لهذا الفكر الإقصائي، حيث يتباهى وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” بتخصيص جلسات صباحية كل جمعة لمتابعة سيرورة الهدم، زاعمًا تفعيل سلطة القانون على الجميع. ولكنه ادعاء كاذب تفضحه الانتقائية العنصرية؛ إذ تقف آلاف الإضافات والمباني غير المرخصة في مدينة “بني براك” وغيرها من المدن الحريدية شاهدة على ازدواجية المعايير، حيث لا يحرك ساكنًا هناك، بينما تُساق الجرافات لتهشيم الوجود العربي تحت ذرائع تنظيمية واهية.
وتثبت شواهد التاريخ أن الأنظمة التي جعلت من تشريد المدنيين سياسةً استراتيجية انتهت دائمًا إلى نتائج عكسية؛ فالهدم يولد بيئة خصبة للاستنزاف الأمني، ويقضي على فرص السلم، ويجلب للأنظمة عداءً شعبيًا مستدامًا وعزلةً دولية تُسرّع من تآكل شرعيتها.
وما نشهده اليوم، وكان آخره عملية الهدم في قرية مصمص، من مفارقة صارخة في تباهي الدولة نفسها بإرسال بعثات النجدة والإنقاذ إلى مناطق الكوارث الطبيعية لإنقاذ من فقدوا منازلهم، بينما هي نفسها تصنع الكوارث الإنسانية محليًا، وتشرّد الأطفال والنساء والشيوخ، لَهُوَ الدليل الأكبر على سقوط الأقنعة الأخلاقية. لكن هيهات؛ فالحجر يُهدم، أما الجذور فلا تُقتلع.
