أخبار عاجلةتكنولوجياومضات

الإساءات الرقمية تهدد الأطفال..

الأخصائية الاجتماعية رميصاء محاميد: الحوار والثقة خط الدفاع الأول في مواجهة مخاطر العالم الافتراضي

مارِيّة محاجنة

في ظل التوسع الكبير في استخدام الأطفال للهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، باتت الإساءات الرقمية واحدة من أخطر التحديات التربوية والنفسية التي تواجه الأسرة والمجتمع. وهذه الإساءات لا تقتصر على التنمر الإلكتروني فقط، بل تمتد إلى الابتزاز والاستغلال والمحتوى المؤذي الذي يترك آثارًا عميقة على شخصية الطفل وصحته النفسية.

للحديث حول هذا الملف المهم، حاور موقع موطني 48 الأخصائية الاجتماعية والمعالجة بأسلوب العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، رميصاء جمال محاميد، حيث تحدثت عن أبرز المخاطر، والعلامات التي يجب أن ينتبه إليها الأهل، ودور الأسرة والمدرسة والدولة في حماية الأطفال داخل الفضاء الرقمي.

موطني 48: من هي رميصاء جمال محاميد؟

محاميد: أنا رميصاء جمال محاميد من مدينة أم الفحم، زوجة وأم لخمسة أولاد. أؤمن برسالة الأسرة ودورها في بناء الأجيال، وأسعى لأن أكون نموذجًا متوازنًا بين الحياة الأسرية والعمل المهني والعطاء المجتمعي.

أعمل في مجال العمل الاجتماعي كعاملة اجتماعية، ومرشدة أهالٍ، ومعالجة بأسلوب العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، حيث أرافق الأفراد والعائلات في مواجهة التحديات النفسية والتربوية والاجتماعية، انطلاقًا من إيماني العميق بأهمية الدعم المهني والإنساني في حياة الإنسان.

كما أنني طالبة لقب ثانٍ في مجال علاج الضغط والصدمات النفسية، وقد تناولت إحدى المواد الأكاديمية في اللقب موضوع الإساءات والاعتداءات الرقمية لدى الأطفال، بإشراف الدكتورة أفنان نجار أطرش، التي تُعد من أوائل الباحثين في هذا المجال في البلاد، الأمر الذي عزز اهتمامي بقضايا حماية الأطفال في العالم الرقمي ورفع الوعي المجتمعي حولها.

وفي الجانب الدعوي والتربوي، أقوم بدور مسؤولة للأخوات في مدرسة نسائم الإيمان للتربية الإسلامية وتعليم القرآن الكريم، وهي مؤسسة تُعنى بالتربية الإسلامية، وتعليم القرآن الكريم، وغرس القيم والأخلاق، وبناء جيل واعٍ ومتمسك بهويته ودينه.

كما أهتم بنشر الوعي المجتمعي والتربوي والنفسي، خاصة في القضايا المتعلقة بالأطفال والتربية والصحة النفسية وحماية الأبناء، إيمانًا مني بأن الوعي هو الخطوة الأولى لبناء أسرة ومجتمع أكثر أمانًا وتوازنًا.

موطني 48: كيف تعرّفين الإساءات الرقمية التي يتعرض لها الأطفال؟

محاميد: الإساءات الرقمية هي كل سلوك مؤذٍ أو استغلالي يتعرض له الطفل أو المراهق من خلال الإنترنت أو الوسائل الرقمية، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو الألعاب الإلكترونية، أو تطبيقات المحادثة، أو أي منصة رقمية أخرى.

وتشير المعطيات إلى أن استخدام الأطفال للهواتف الذكية والإنترنت ارتفع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ما جعل الفضاء الرقمي جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية، وبالتالي أصبح مجالًا واسعًا للتأثير الإيجابي والسلبي معًا.

ومن أبرز أشكال هذه الإساءات:

  • التنمر الإلكتروني، مثل السخرية والإهانة والتهديد ونشر الشائعات أو العزل الاجتماعي عبر الشبكات الرقمية.
  • الاستغلال والابتزاز الجنسي، من خلال استدراج الأطفال أو تهديدهم بنشر صور ومحتويات شخصية.
  • إرسال أو نشر محتوى جنسي دون إدراك خطورة انتشاره أو استغلاله.
  • التعرض لمحتويات مؤذية، مثل العنف، وتشجيع إيذاء الذات، أو مجموعات تروّج لاضطرابات الأكل والسلوكيات الخطرة.
  • الاستخدام المفرط للإنترنت والألعاب الإلكترونية، الذي قد يتحول إلى نوع من الإدمان الرقمي.

موطني 48: إلى أي مدى أصبح الفضاء الرقمي بيئة تحمل مخاطر حقيقية على الأطفال؟

محاميد: الفضاء الرقمي اليوم لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح بيئة اجتماعية كاملة يعيش فيها الطفل ويتأثر بها نفسيًا وسلوكيًا. والمشكلة أن الطفل قد يتعرض للأذى بشكل مستمر وسريع، وأحيانًا أمام جمهور واسع، ما يضاعف التأثير النفسي عليه.

وقد تؤدي هذه الإساءات إلى:

  • انخفاض الثقة بالنفس والشعور بالخجل أو الخوف.
  • القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية.
  • صعوبات في بناء العلاقات أو الثقة بالآخرين.
  • اضطرابات في النوم والتركيز والتحصيل الدراسي.
  • تقليد سلوكيات خطرة أو عدوانية نتيجة التعرض المستمر للمحتويات المؤذية.

كما أن بعض الأطفال ينسحبون اجتماعيًا، بينما يتحول آخرون إلى سلوكيات عدوانية نتيجة الضغط النفسي الذي يعيشونه داخل العالم الرقمي.

موطني 48: ما العلامات التي قد تنبّه الأهل إلى تعرض طفلهم لإساءة رقمية؟

محاميد: هناك عدة مؤشرات قد تدل على أن الطفل يتعرض لإساءة رقمية، من أهمها:

  • تغير مفاجئ في المزاج أو السلوك.
  • الانعزال أو فقدان الرغبة في التواصل.
  • الخوف أو التوتر عند استخدام الهاتف.
  • حذف الحسابات أو إغلاق الأجهزة بشكل مفاجئ.
  • اضطرابات النوم أو تراجع الأداء الدراسي.
  • قضاء وقت طويل جدًا على الإنترنت مع انفعال أو عصبية واضحة.

أما الأخطاء الأكثر شيوعًا التي يقع فيها الأهل، فهي:

  • اللوم أو العقاب بدلًا من الاستماع إلى الطفل.
  • التقليل من خطورة ما يحدث واعتباره مجرد «مزاح».
  • المراقبة المفرطة التي تفقد الطفل شعوره بالأمان والثقة.
  • منع الإنترنت بشكل كامل بدل بناء وعي ومهارات استخدام آمن.

والتوازن هنا مهم جدًا، فالتدخل الأبوي يجب أن يكون بالحوار والمرافقة والدعم، لا بالخوف والرقابة المفرطة فقط.

موطني 48: ما الدور المطلوب من الأهل والمدرسة والمؤسسات التربوية؟

محاميد: الوقاية من الإساءات الرقمية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية. فدور الأهل لا يقتصر على المراقبة، بل يشمل:

  • بناء علاقة قائمة على الحوار والثقة.
  • تعليم الطفل التفكير النقدي والتمييز بين المحتوى الآمن والخطر.
  • مرافقة الطفل رقميًا بدل الاكتفاء بالمنع والعقاب.
  • تشجيعه على طلب المساعدة عند التعرض لأي إساءة.

أما المدرسة والمؤسسات التربوية، فعليها:

  • نشر التوعية الرقمية منذ جيل مبكر.
  • إدخال التربية الرقمية ضمن البرامج التعليمية.
  • توفير دعم نفسي واجتماعي للحالات المتضررة.
  • تعزيز التعاون مع الأهل والاختصاصيين.

وتؤكد النماذج الحديثة أن حماية الطفل لا تعتمد فقط على الرقابة أو القوانين، بل أيضًا على بناء ما يُعرف بـ”المرونة الرقمية”، أي قدرة الطفل على التعامل مع المخاطر، وطلب الدعم، والتعافي منها.

موطني 48: من خلال تجربتك، ما أبرز التحديات التي تواجهكم في هذا المجال؟

محاميد: من أبرز التحديات التي نواجهها أن كثيرًا من الأطفال لا يبلغون عن الإساءة خوفًا من العقاب أو من سحب الهاتف منهم. كما أن بعض الأهل يفتقرون إلى المعرفة الرقمية الكافية، ما يجعل التدخل متأخرًا أحيانًا.

كذلك نرى اليوم أن الخطر لا يأتي فقط من أشخاص غرباء، بل أحيانًا من أقران الطفل أنفسهم، أو من المحتويات والخوارزميات التي تدفعه نحو سلوكيات مؤذية أو خطرة.

موطني 48: ما الرسالة التي تودين توجيهها للأهل والأطفال؟

محاميد: رسالتي إلى الأهل: كونوا قريبين من أطفالكم رقميًا، وقريبين منهم في حياتهم اليومية أيضًا. فالحوار والثقة أهم من المراقبة وحدها، والطفل يحتاج إلى من يسمعه قبل أن يحتاج إلى من يراقبه.

أما رسالتي إلى الأطفال: الإنترنت مساحة فيها فرص وفوائد كبيرة، لكن من حقكم أن تشعروا بالأمان. وإذا تعرضتم لأي إساءة أو تهديد، فتحدثوا مع شخص بالغ تثقون به، ولا تواجهوا الأمر وحدكم.

كما أؤكد أن مسؤولية حماية الأطفال من الإساءات الرقمية لا تقع فقط على الأهل والمدرسة، بل أيضًا على الدولة والمؤسسات الرسمية. ومن المهم أن يكون هناك ضغط ومطالبة مجتمعية من قبل الأهالي والمدارس من أجل قيام الدولة بواجبها في حماية الأطفال في الفضاء الرقمي، وذلك من خلال:

  • فرض رقابة وتنظيم على المواقع والمنصات المعروفة باحتوائها على مضامين خطرة أو استغلالية للأطفال.
  • تطوير آليات حماية وإبلاغ فعالة وسهلة الوصول للأطفال والأهالي.
  • سنّ وتشديد قوانين واضحة تُجرّم الابتزاز الإلكتروني، والتنمر الرقمي، والاستغلال الجنسي، ونشر المحتويات المؤذية المتعلقة بالأطفال.
  • ملاحقة مرتكبي الجرائم الرقمية قانونيًا، وعدم التعامل مع هذه القضايا بوصفها أمورًا “افتراضية” أو أقل خطورة من العنف الواقعي.
  • إدخال برامج توعية داخل المدارس والمجتمع حول الأمان الرقمي وحقوق الأطفال في البيئة الإلكترونية. فالحديث اليوم لم يعد فقط عن “استخدام الإنترنت”، بل عن حق الأطفال في بيئة رقمية آمنة تحفظ كرامتهم وتحمي صحتهم النفسية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى