أخبار وتقاريرمقالاتومضات

متلازمة الحرب الدائمة: كيف يُشوّه تسفي يحزقيلي التاريخ هربًا من السلام؟

أحمد سليمان

عادةً ما تلجأ الأنظمة التي تفتقر إلى رؤية سياسية للمستقبل إلى نبش الماضي وإعادة تفسيره لتبرير عجزها في الحاضر. وفي هذا السياق، يطل الصحفي الإسرائيلي تسفي يحزقيلي بخطاب يمزج بين التخويف السياسي وتشويه التاريخ، ساعيًا إلى شيطنة أي جهد دبلوماسي، حتى لو جاء برعاية الحليف الأقرب لإسرائيل، الولايات المتحدة. فهو يصف أي اتفاق محتمل بأنه “خطر استراتيجي”، ويلجأ لتبرير موقفه إلى تصوير صلح الحديبية باعتباره “اتفاق خداع”، مدعيًا أن الاتفاقيات في الشرق الأوسط تقوم على “الخداع والمنفعة”.

غير أن هذا الطرح لا يعكس فهمًا للتاريخ بقدر ما يكشف عن إسقاط سياسي ونفسي نابع من عقلية ترى في الحرب الخيار الوحيد الممكن. فالرجل لا يقرأ الحديبية في سياقها التاريخي، بل يوظفها لخدمة موقف سياسي معاصر يرفض أي تسوية قد تفرض على إسرائيل استحقاقات السلام.

فالوقائع التاريخية تؤكد أن صلح الحديبية لم يكن مناورة عسكرية أو وسيلة لكسب الوقت، بل اتفاقًا أرسى حالة من الاستقرار امتدت لعشر سنوات بين المسلمين وقريش. وقد استفاد منه الطرفان، إذ أمنت طرق التجارة، وتراجعت حالة الاستنزاف المستمرة، وتهيأت بيئة أكثر استقرارًا للحركة الاقتصادية والاجتماعية. كما التزم النبي محمد ﷺ ببنود الاتفاق التزامًا كاملًا، حتى في الحالات التي بدت مجحفة بحق المسلمين، ولم يُنقض الصلح من جانبهم، بل جاء نقضه على يد حلفاء قريش بدعم منها. وفي ظل هذا الاستقرار انتشرت الدعوة الإسلامية عبر التواصل السلمي والإقناع، لا عبر الحرب، ما يؤكد أن السلام كان غاية الاتفاق لا مجرد وسيلة مرحلية.

وهنا تتجلى المفارقة الأساسية، ففي الحديبية تجلت شجاعة القيادة في تفضيل السلام على الحرب رغم وجود أصوات دفعت باتجاه المواجهة، بينما يعكس خطاب يحزقيلي حالة من “رهاب السلام” تجعل أي تسوية سياسية تبدو خطرًا وجوديًا، وأي تهدئة مقدمة لانهيار المشروع كله.

وعندما يصف الاتفاقيات بأنها مجرد “خداع ومنفعة”، فإنه لا يصف التاريخ الإسلامي بقدر ما يصف العقيدة السياسية والأمنية التي حكمت إسرائيل لعقود طويلة، والتي تنظر إلى الاتفاقيات باعتبارها أدوات مؤقتة لإدارة الصراع أو تحسين شروطه، لا لإنهائه.

ولفهم جذور هذه العقلية، لا بد من العودة إلى نظرية “الجدار الحديدي” التي صاغها زئيف جابوتنسكي، مؤسس تيار الصهيونية التصحيحية والمرجع الفكري الأبرز لليمين الصهيوني، عام 1923. فقد قامت هذه النظرية على فرضية أن العرب لن يقبلوا بالمشروع الصهيوني طوعًا، وأن السبيل الوحيد لفرضه يتمثل في بناء قوة عسكرية ساحقة تدفعهم إلى اليأس من مقاومته. ومنذ ذلك الحين أصبحت القوة العسكرية، لا التسوية السياسية، إحدى الركائز الأساسية للتفكير الاستراتيجي الإسرائيلي.

في ضوء هذا الإرث الفكري، يصبح مفهوم السلام ذاته موضع شك. فهو ليس هدفًا بحد ذاته، بل مرحلة مؤقتة أو أداة لإدارة الواقع. لذلك لا يبدو مستغربًا أن يتعامل يحزقيلي مع أي حديث عن وقف شامل لإطلاق النار أو انسحاب من أراضٍ محتلة باعتباره تهديدًا استراتيجيًا، لأن الأمن في نظر هذا التيار لا يتحقق عبر التسويات السياسية، بل عبر استمرار التفوق العسكري والحضور الدائم للقوة.

كما يكشف خطابه عن تناقض واضح. فإذا كانت الاتفاقيات في المنطقة قائمة على “الخداع والمنفعة” كما يدعي، فماذا عن اتفاقيات السلام التي وقعتها إسرائيل مع مصر والأردن، أو ما عُرف لاحقًا باتفاقيات أبراهام؟ وهل كانت هي الأخرى مجرد أدوات للخداع؟ إن هذا المنطق لا يسيء للتاريخ الإسلامي فحسب، بل يطعن ضمنيًا في صدقية المسار الدبلوماسي الإسرائيلي نفسه.

ويتضح هذا التناقض أكثر في قراءته للمشهد الراهن، إذ ينظر إلى وقف إطلاق النار، ورفع العقوبات، والانسحاب من مناطق محتلة باعتبارها تنازلات خطيرة لا خطوات نحو الاستقرار. بل إن مجرد افتراض أن حليفًا مثل ترامب قد يدعم اتفاقًا يخفف التوتر يدفعه إلى الحديث عن “تخلٍّ” عن إسرائيل. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: فالسلام لا يُنظر إليه كفرصة، بل كتهديد يكشف التناقضات الداخلية ويجبر إسرائيل على مواجهة استحقاقات سياسية طالما جرى تأجيلها تحت غطاء الحرب المستمرة.

إن المقارنة التي يقدمها يحزقيلي تسقط عند أول قراءة موضوعية للتاريخ. فصلح الحديبية كان نموذجًا لاتفاق انتفع منه الخصوم قبل الحلفاء، وحُقنت فيه الدماء وازدهرت فيه التجارة، ولم يُنقض إلا من الطرف الآخر. أما الخطاب الذي يقدمه اليوم فيقوم على تحويل أي محاولة للتهدئة إلى مؤامرة، وأي دعوة للسلام إلى خطر وجودي، بما يضمن بقاء المنطقة أسيرة منطق الحرب الدائمة.

في النهاية، لم يكن صلح الحديبية يومًا فخًا للخداع، بل جسرًا نحو الاستقرار والأمن، ودليلًا على أن السلام قد يكون أعظم إنجازات القوة لا تنازلًا عنها. أما الخداع الحقيقي، فهو تسويق الحرب على أنها قدر لا مفر منه، وتصوير السلام على أنه تهديد وجودي. ومن يقرأ التاريخ بعين الحقيقة يدرك أن الأمم تُبنى بالسلام العادل الذي يحقن الدماء ويعيد الحقوق إلى أصحابها، لا بالحروب المفتوحة والصراعات المستدامة. أما من يقرأه بعين يحزقيلي وجابوتنسكي، فلن يحصد سوى رماد الصراعات التي لا تنتهي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى