مفهوم يهودية الدولة وهندسة الاستعلاء والدونية

المحامي خالد زبارقة
لم يكن صدور “قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي” في يوليو/تموز 2018 مجرد حدث تشريعي عابر، بل كان الذروة الدستورية التي نقلت مفهوم “يهودية الدولة” من سياق الممارسات السياسية والرموز الثقافية إلى مصاف الحصانة القانونية المطلقة. وبموجب هذا التحول، أصبحت “اليهودية” الركيزة الأساسية المهيمنة على البنيتين القانونية والقضائية، وعلى المنظومتين الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
إن خطورة هذا القانون لا تقف عند حدود الحصر القومي للهوية، بل تتعداه إلى كونه استراتيجية بنيوية متكاملة تهدف إلى إبقاء الأقلية العربية الفلسطينية -أصحاب البلاد الأصليين- في مكانة دونية، مهمَّشة، ومقيَّدة القدرة على النمو الطبيعي أو التأثير السياسي الحقيقي.
محاور الإقصاء الممنهج
تنطلق الدلالات القانونية والسياسية لـ “يهودية الدولة” من ثلاثة محاور رئيسية صاغت واقع الإقصاء الممنهج.
المحور الأول: حصرية تقرير المصير: جعل قانون 2018 هذا الحق حكراً على الشعب اليهودي، مقروناً بأغلبية ديموغرافية وسيادة مطلقة.
المحور الثاني: إقصاء أصحاب الأرض وتخفيض مكانة لغتهم: تجاهل القانون تماماً الوجود التاريخي للأقلية العربية، وحوَّل اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة ذات مكانة خاصة.
المحور الثالث: مأسسة الإقصاء البنيوي: تحولت “اليهودية” من صفة تعريفية للدولة إلى أداة تحدد الحقوق والمكانة بناءً على الانتماء القومي والديني.
صناعة السيكولوجية الاستعمارية: فوقية مطلقة ودونية مفروضة
هذه المأسسة الدستورية ولَّدت ثقافة وممارسات تكرس مفهوم “الفوقية اليهودية” (Jewish Supremacy)، وهي منظومة لا تكتفي بتمييز القوانين، بل تعيد صياغة الوعي الجمعي وسيكولوجية الأفراد. إنها تعمل على مستويين متوازيين يتغذى أحدهما على الآخر: صناعة وعي الاستعلاء لدى الفرد اليهودي، والهندسة النفسية لإجبار الفرد العربي على الشعور بالدونية.
فعلى مستوى الوعي اليهودي، يمنح القانون المواطن اليهودي حصانة نفسية وشعوراً جارفاً بأنه “صاحب السيادة المطلق” والمالك الوحيد للدولة ومواردها، مما يحوِّل سلوكه اليومي وتفاعله مع العربي إلى ممارسة استعلائية واثقة، مدعومة بهيبة القانون وجهاز الدولة.
وفي المقابل، تُسخِّر الدولة أدواتها البنيوية لإجبار المواطن العربي على تبني شعور الدونية والقبول بموقع “التابع” أو “الضيف المؤقت”. وهذا الإجبار النفسي لا يقتصر على الكلمات، بل يُمارَس عبر تفاصيل الحياة اليومية؛ فعندما يرى العربي لغته تُقصى من الصدارة، وأرضه تُصادر لصالح المستوطنات الفردية، وقريته تُهدم بينما يُشاد بجوارها استيطان يهودي متطور، وبيته يُهدم ويتعرض للقمع اليومي المتواصل في مختلف تفاصيل حياته، فإن المنظومة ترسل إليه رسالة يومية صارمة مفادها أن قيمته الإنسانية والقانونية دونية، وأن وجوده مشروط برضا “السيّد الاستعلائي”، وتفرض عليه قبول هذا الواقع وإبداء التفهم له.
الجغرافيا كأداة للإخضاع النفسي والمادي
يُعد النقب الفلسطيني (جنوب البلاد) النموذج التطبيقي الأكثر فجاجة لهذه السيكولوجية الإقصائية، وللمادة السابعة من قانون القومية التي تنص دستورياً على أن “الدولة تعتبر تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وستعمل على تشجيعه ودعم مأسسته وتوطيده”.
في هذا السياق، تحوَّل النقب من فضاء جغرافي طبيعي إلى ساحة صراع ديموغرافي وجغرافي ونفسي، عبر ثلاث آليات مؤطَّرة قانونياً وسياسياً:
- شرعنة “الاستيطانات الفردية”: من خلال تخصيص آلاف الدونمات لعائلات يهودية فردية حصراً لإقامة مزارع كبرى تمنع التواصل الجغرافي العربي. وفي ذلك تكريس مادي لشعور الاستعلاء، حيث تُعامل العائلة اليهودية الواحدة كقيمة تعادل بلدة عربية كاملة.
- عقيدة أراضي “الموات”: إذ ترفض المنظومة القضائية الاعتراف بالملكية التاريخية لعشائر النقب، وتُصنَّف أراضيهم كأراضٍ ميتة بلا أصحاب، مما يحوِّل أصحاب الأرض الأصليين، في نظر القانون، إلى “مغتصبين” أو “غزاة”، وهو أقصى درجات الإذلال النفسي وسلب الشرعية.
- مخططات التجميع القسري والتهجير: عبر اقتلاع عشرات الآلاف من البدو من قراهم غير المعترف بها، وحشرهم في تجمعات ضيقة مجردة من الموارد، لإشعارهم الدائم بالعجز والدونية الاقتصادية والجغرافية.
الهندسة الديموغرافية والحد من التكاثر الطبيعي
ولا تقتصر هذه الهندسة على الجغرافيا، بل تمتد إلى المجال الديموغرافي بهدف الحد من التكاثر الطبيعي وضمان تفوق الأغلبية اليهودية. ويتجلى ذلك في تطبيق “قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل” الذي يمنع المواطنين العرب من لمّ شمل عائلاتهم إذا كان الشريك من الضفة الغربية أو غزة، مما يشتت العائلات ويجعل الاستقرار العائلي للعربي محاصراً ومقيَّداً.
ويتزامن ذلك مع الحصار التخطيطي وتحويل السكن إلى أزمة متعمدة عبر تجميد الخرائط الهيكلية للبلدات العربية ومنع توسيعها، الأمر الذي يؤخر سن الزواج ويدفع العائلات تلقائياً إلى تقليص عدد أطفالها خشية سياسات الهدم المستمرة والغرامات الباهظة.
وفي القدس، تبرز سياسة سحب الإقامة وتفتيت النسيج الاجتماعي من خلال تطبيق معيار “مركز الحياة”، حيث تُسحب هويات وإقامات المقدسيين إذا غادروا حدود المدينة، ليعيش العربي في حالة اضطراب وقلق وجودي دائم.
الإفقار الاقتصادي وصناعة التبعية
تتكامل هذه الحلقات مع الهندسة الاقتصادية وصناعة التبعية والإفقار. ففي حين يُعرَّف “الخير العام” بأنه الموارد والأراضي التي توفرها الدولة لجميع مواطنيها بالتساوي، يُحتكَر هذا الخير، في سياق “يهودية الدولة”، لخدمة الأغلبية وتأكيد تفوقها.
وتسيطر الدولة و”الصندوق القومي اليهودي” على نحو 93% من الأراضي بمواثيق تنص على استخدامها لتطوير الاستيطان اليهودي فقط، بعد مصادرة ملايين الدونمات من دون بناء أي مدينة عربية جديدة منذ عام 1948.
ويضاف إلى ذلك التوزيع غير العادل للميزانيات؛ إذ تُصنَّف البلدات اليهودية باعتبارها “مناطق تطوير ذات أولوية قومية”، فتُمنح امتيازات ومحفزات كبيرة، بينما تُستثنى البلدات العربية لتظل غارقة في أزماتها. وتؤكد تقارير مؤسسة التأمين الوطني أن معدلات الفقر بين العائلات العربية تتجاوز مستويات مرتفعة للغاية.
وهذا التمييز الاقتصادي ليس مجرد أرقام، بل أداة لتكريس التبعية وجعل الفرد العربي لاهثاً خلف لقمة العيش، غارقاً في الديون، بما يمنعه من التفكير في التطور الاجتماعي أو القيادة السياسية.
الإقصاء السياسي وخطاب التحريض
على الصعيد السياسي، تمارس المنظومة آليات تهدف إلى حظر النشاط الشعبي أو إضعاف التمثيل السياسي العربي لمنعه من التحول إلى قوة ضغط مؤثرة. وتُفرض قيود صارمة على التنظيم السياسي، وتُحظر التنظيمات المناوئة لسياسات الدولة التي تتحدى طابعها اليهودي، مما يضع الأقلية في حالة دفاع مستمر عن وجودها بدلاً من المبادرة.
ويرافق ذلك خطاب تحريضي رسمي يصف النمو الطبيعي للمجتمع العربي بأنه “خطر استراتيجي” أو “قنبلة موقوتة”، بما ينزع عن العرب صفة المواطنة الكاملة وحق الانتماء، ويحصر رؤية الدولة لهم في إطار التهديد الأمني المستمر.
الإنهاك الداخلي: الجريمة كأداة لتفكيك النسيج الاجتماعي
في المحصلة، يرتد هذا التفكيك البنيوي والإفقار النفسي والمادي على شكل تفشٍّ للعنف والجريمة المنظمة، بما يحوِّلها إلى أداة لإنهاك الأقلية العربية من الداخل وتدمير نسيجها الاجتماعي.
فعندما تُعرِّف الأجهزة الأمنية والشرطية دورها بحماية الأمن القومي “اليهودي” حصراً، تتحول الجريمة في البلدات العربية إلى أداة غير مباشرة للتفكيك الاجتماعي وسط سياسة من التقاعس وتفشي السلاح، ما دام ذلك لا يمس المواطنين اليهود.
وقد عمَّق هذا الواقع صناعة الفراغ الائتماني؛ فنتيجة لسياسات الإقصاء البنيوي وغياب الخرائط الهيكلية، ترفض البنوك منح تسهيلات ائتمانية للمواطنين العرب، مما أتاح لعصابات الجريمة تأسيس سوق سوداء و”بنوك بديلة” أوقعت الشبان في شباك الديون والابتزاز والقتل.
وأدى هذا الإنهاك اليومي إلى تهميش النضال السياسي؛ فبدلاً من المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية الجمعية، تقلصت المطالب العربية، واختُزلت تحت وطأة الرعب اليومي إلى مجرد “الحق البدائي” في الحياة والأمان.
وتكتمل الدائرة بالوصم الثقافي، حيث تستغل النخب الحاكمة ووزراء في الحكومة الإسرائيلية تفشي الجريمة لتسويق فكرة أن العنف نتاج “للثقافة العربية”، وهي تهمة خبيثة تُعفي الدولة من مسؤوليتها، وتُوظَّف لشرعنة ممارسات الفوقية، وتقليص الميزانيات، وفرض عقوبات جماعية تزيد من إضعاف المجتمع وعزله وإجباره على القبول بوضعه الدوني.
الخاتمة
إن مواجهة هذه “الهندسة النفسية” لا تبدأ من استجداء الحقوق المدنية من منظومة الفوقية، بل من التفكيك الداخلي لشعور الدونية المفروض. ويتطلب ذلك حصانة فكرية واجتماعية شاملة تتجسد في إعادة الاعتبار للرواية التاريخية والهوية الجمعية بوصف العرب أصحاب أرض أصليين، ورفض التنازل عن فكرة الحقوق القومية والسياسية مقابل الاكتفاء بالأمن والفتات الاقتصادي.
إن كسر حلقة الإنهاك الداخلي يمر عبر مقاطعة أدوات السوق السوداء والجريمة، وبناء مؤسسات تمويل وتكافل أهلي مستقلة تسد الفراغ البنيوي المتعمد. فالتخلص من سيكولوجية التبعية هو الخطوة الأولى والأساسية نحو إفشال استراتيجية العزل، وتحويل الصمود الفردي العفوي إلى فعل جماعي سيادي ومقاوم للبنية القانونية العنصرية.
