الرحمة قيمة اجتماعية قبل أن تكون فضيلة أخلاقية

د. إيهاب الشيخ خليل (الناصرة)
حين تُذكر الرحمة يتبادر إلى الذهن أنها خُلُق فردي نبيل يتجلى في لين القلب ورقة المشاعر وحسن المعاملة، غير أن التأمل العميق في طبيعة المجتمعات الإنسانية يكشف أن الرحمة ليست مجرد فضيلة أخلاقية يمارسها الأفراد في نطاق علاقاتهم الشخصية، بل في جوهرها قيمة اجتماعية كبرى تقوم عليها استقامة الحياة الإنسانية وتماسك البنيان المجتمعي. فالرحمة ليست شعورًا عابرًا يمر بالقلب، وإنما نظام قيمي يحفظ التوازن بين الناس، ويحدّ من القسوة والأنانية والصراع، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أزماته وتحدياته.
لقد جعل الإسلام الرحمة أساسًا للعلاقة بين الإنسان وربه وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وصفة جامعة تتجلى في جميع مظاهر الوجود، وقد افتتح الله تعالى كتابه الكريم ببسم الله الرحمن الرحيم، لتكون الرحمة أول ما يستقبل الإنسان من معاني الوحي، فقال سبحانه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وجعل الرحمة من أعظم صفاته فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ “الأعراف: 156″، وليس من قبيل المصادفة أن تتكرر ألفاظ الرحمة ومشتقاتها مئات المرات في القرآن الكريم، فذلك يؤكد أن الرحمة ليست قيمة هامشية، وإنما ركيزة من ركائز العمران الإنساني.
وعندما ننظر إلى المجتمعات نجد أن قوة أي مجتمع لا تُقاس فقط بما يملكه من إمكانات اقتصادية أو تقدم علمي، بل بمقدار ما يسوده من رحمة وتكافل وتراحم بين أفراده، فالمجتمع الذي تغيب عنه الرحمة يتحول إلى ساحة للتنافس القاسي والصراعات الخفية، حيث ينشغل كل فرد بنفسه ومصلحته الخاصة، أما المجتمع الرحيم فيقوم على الشعور بالمسؤولية المشتركة، وعلى إدراك أن معاناة الفرد هي معاناة للجماعة كلها.
وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى في أروع صورة حين قال: “مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. فهذا الحديث لا يصف الرحمة بوصفها عاطفة شخصية فحسب، بل يقدمها بوصفها رابطة اجتماعية تجعل المجتمع كيانًا واحدًا متكاملًا، يتأثر بعضه ببعض، ويشعر بعضه بألم بعض.
والرحمة الاجتماعية تتجلى في صور كثيرة: فهي تظهر في رعاية الضعفاء والفقراء، وفي إغاثة المحتاجين، وفي احترام كبار السن، والعطف على الأطفال، ومساندة المرضى، والرفق بذوي الاحتياجات الخاصة، وفي التسامح بين الناس وتجاوز الأخطاء وعدم التسرع في إصدار الأحكام، ولذلك قال الله تعالى مخاطبًا نبيه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران: 159″، فالرحمة هنا ليست مجرد خُلق فردي، بل وسيلة لبناء الجماعة وحفظ وحدتها ومنع تفرقها.
وتتسارع في زمننا إيقاعات الحياة وتزداد النزعات الفردية والمادية، تبرز الحاجة إلى استعادة قيمة الرحمة باعتبارها ضرورة اجتماعية ملحّة، فالكثير من المشكلات التي تعاني منها المجتمعات اليوم، من تفكك أسري وعنف مجتمعي وتنمر وإقصاء اجتماعي، تعود في جانب كبير منها إلى تراجع روح الرحمة بين الناس، فحين يغيب الإحساس بالآخرين يحل محله الجفاء، وحين تتراجع مشاعر التعاطف تتسع مساحات الكراهية واللامبالاة.
ومن عظمة الإسلام أنه لم يحصر الرحمة في دائرة البشر فقط، بل وسّعها لتشمل الحيوان والطبيعة وسائر المخلوقات. فقد قال النبي ﷺ: “الرَّاحِمونَ يرحمُهُمُ الرحمنُ، ارحَموا من في الأرضِ يرحمْكم من في السماءِ”. وقال أيضًا: “من لا يَرحم لا يُرحم”. وهذه النصوص تؤكد أن الرحمة ليست خيارًا أخلاقيًا ثانويًا، وقانون إنساني ينعكس أثره على الفرد والمجتمع معًا.
إن المجتمعات التي تُربّي أبناءها على الرحمة تبني أجيالًا أكثر اتزانًا وقدرة على التعايش، بينما المجتمعات التي تسمح للقسوة أن تتغلغل في علاقاتها تنتج أفرادًا يعانون الاغتراب النفسي والاجتماعي، ومن هنا فإن المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية مطالبة اليوم بغرس ثقافة الرحمة في النفوس، ليس من باب الوعظ الأخلاقي المجرد، وإنما باعتبارها شرطًا من شروط الاستقرار المجتمعي والتنمية الإنسانية.
وفي الختام، يمكن القول: إن الرحمة ليست مجرد فضيلة يتحلى بها بعض الناس، بل هي قيمة اجتماعية تؤسس لعلاقات إنسانية أكثر عدلًا وتوازنًا وإنسانية. وكلما اتسعت دائرة الرحمة في المجتمع، ازداد تماسكه وقوته وقدرته على تجاوز الأزمات. ولعل أعظم ما يختصر هذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ “الأنبياء: 107″، فالرسالة التي قامت على الرحمة أرادت للإنسان أن يبني مجتمعًا يتسع للجميع، ويجعل من الرحمة منهج حياة لا مجرد خُلُق عابر.