الوعي الفكري.. الشرط الخفي لنهضة المجتمعات

د. إيهاب الشيخ خليل (الناصرة)
يظن الكثيرون أن الحضارات تُبنى من خلال القوى المادية وبما تختزنه من ثروات وموارد، إلا أن المتأمل في مسيرة الإنسان يكتشف حقيقة مختلفة تمامًا، فالثروة ربما تمنح المجتمعات القدرة على العيش بكرامة في الوقت الذي لا تمنحه القدرة على الاستمرارية! فالقوة قد تفرض حضورًا مؤقتًا، ولا تصنع رغم ذلك أي معنى دائم للوجود، لذلك نجد أن الوعي الفكري وحده هو الذي يحول البشر في مجتمعاتهم من كيان يعيش في التاريخ إلى كيان يصنع هذا التاريخ. ولعل القرآن الكريم قد أشار إلى هذه الحقيقة حين ربط التغيير الحضاري بتغيير الوعي الداخلي للإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ “الرعد: 11”، فنهضة الأمم تبدأ من نهضة الفكر والوجدان قبل أن تتجلى في العمران والإنجاز.
فالوعي ليس ترفًا ثقافيًّا، أو حشدًا للمعلومات داخل الذاكرة، وحتى ليس قدرةً على إعادة وترديد ما أنتجه الآخرون من أفكار، بل هو فعل وجودي يمارس به الإنسان حريته في الفهم ويعمل من خلاله للتعبير عن استقلاله وبعده عن القوالب الجاهزة والمسلمات الموروثة، وما دام العقل عاجزًا عن مساءلة بعض ما يعتقده يبقى أسيرًا لما يظنه يقينًا، وإن بدا في ظاهره مثقفًا، علمًا أن قيمته “أي العقل” فيما يجرؤ على مراجعته!! وقد جعل الإسلام العقل مناط التكليف وأداة الاستخلاف في الأرض، لذلك تكررت في القرآن الكريم الدعوات إلى التفكير والتدبر والنظر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ “النساء: 82”، وقال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ “البقرة: 44”، في تأكيد على أن الإيمان الحق يزدهر بأعمال العقل.
إنّ المجتمعات لا تنهار حين تتعرض للأزمات الاقتصادية أو الهزائم السياسية أو الحروبات، إنما تنهار حين تفقد قدرتها على التفكير في أسباب أزماتها وهزائمها، والخطر الحقيقي لا يكمن في الفقر بقدر تبريره! ولا في التخلف بقدر التعايش معه بوصفه قدرًا محتومًا، فعندما يغيب الوعي، تتحول المشكلات إلى عادات، وتصبح الأخطاء جزءًا من المشهد اليومي حتى يتوقف الناس عن رؤيتها، وبذلك تبدأ لحظة التآكل البطيء التي قد لا تُسمع لها ضجة، لكنها أشد فتكًا من الانهيارات المفاجئة. ومن هنا كان القرآن يرفض الاستسلام للواقع الفاسد أو اتخاذه مبررًا للعجز، إذ ذمّ التقليد الأعمى واتباع المألوف دون بصيرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ “الزخرف: 23”، فجعل من الوعي النقدي سبيلًا للتحرر من الجمود والانحدار.
ولعلّ أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الجهل في صورته المتعارف عليها أو التقليدية، بل الوهم الذي يضع نفسه فيه من يقرّ بأنه يعرف كل شيء، فالمعرفة الناقصة أكثر قدرة على تضليل العقل من الجهل الصريح، لأن الجاهل قد يبحث عن الحقيقة، أما من يتوهم امتلاكها فلا يرى حاجةً إلى البحث عنها، لذلك كان الوعي الفكري قائمًا على الشك المنهجي لا على الشك الهدّام، وعلى اعتبار الحقيقة أفقًا يسعى إليه لا ملكيةً يحتكرها أحد.
لذلك يصبح الوعي الفكري الضمان الأشد حاجةً له والأعمق لوحدة المجتمع وتميزه وتماسكه، فالإنسان الواعي لا يخاف الاختلاف لأنه يدرك أن الحقيقة أوسع من أن تُختزل في رأي واحد، والتنوع ليس تهديدًا للوجود أو الهوية، بقدر ما هو دليل على حيويتها، وعلى العكس تمامًا بالنسبة للمجتمعات التي تخشى الحوار فإنها تتحول تدريجيًا إلى فضاءات مغلقة تعيد إنتاج ذاتها دون أن تتجدد، حتى تجد نفسها خارج حركة الزمن. وقد علّمنا الإسلام التواضع المعرفي، فمهما بلغ الإنسان من العلم يبقى علمه محدودًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ “الإسراء: 85”، ولذلك كان العلماء الحقيقيون أكثر الناس إدراكًا لحدود معرفتهم وأكثرهم سعيًا إلى الحقيقة.
إن اللحظات الكبرى في تاريخ الحضارة كانت دائمًا لحظات وعي ومعرفة، ونلاحظ أن كل نهضة سبقتها ثورة في التفكير، وكل تقدم حقيقي بدأ بسؤال جريء هزّ يقينًا قديمًا وفتح أفقًا جديدًا للمعرفة! ولهذا لم يكن المفكرون الحقيقيون بناة نظريات فحسب، بل بناة رؤى أعادت تعريف علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم.
وتزداد الحاجة إلى الوعي لا إلى المعرفة وحدها في زمن تتزاحم فيه الأصوات وتتدفق المعلومات بلا حدود أو قيود، فالمعرفة تعرفنا وتخبرنا عما يحدث، أما الفكر والوعي فيخبراننا عما يحدث وكيف علينا فهم هذه التغيرات، فبين المعلومة والرؤية مسافة فضفاضة واسعة، وهي نفس المسافة التي تشكل بين من يستهلك الواقع وبين من يعيد تشكيله!! كما أن الاختلاف سنة كونية أرادها الله تعالى ليتعارف الناس ويتكاملوا لا ليتنازعوا ويتخاصموا، قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. الحجرات: 13.
إن الوعي الفكري يعلّم الإنسان أن التنوع مصدر إثراء لا سبب فرقة، ومن أعمق المقاصد الشرعية حفظ العقل وتنميته وصيانته من الجهل والتضليل، لأن العقل الواعي هو الأداة التي بها يتحقق الاستخلاف وتُبنى الحضارات وتُصان المجتمعات من الانحراف والتفكك، ومستقبل المجتمعات لن يتحدد بما تملكه من أدوات، إنما بما تمتلكه من عقول قادرة على استخدام هذه الأدوات بوعي، خاصة أن أي بناء للعقل يحتاج إلى أجيال، وحين يصبح الوعي قيمةً عامة وثقافةً سائدة، تتحول الأمة من مجرد مجموعة أفراد يشتركون في المكان إلى جماعةٍ تاريخية تشترك في الحلم والمعنى والقدرة على صناعة المصير، بذلك فقط يغدو النماء حقيقة وتصبح النهضة فعلًا مستمرًا وليس حدثًا عابرًا. وهكذا يلتقي الوعي الفكري مع الرؤية الإسلامية التي تجعل بناء الإنسان مقدمةً لبناء العمران، وتؤكد أن النهضة ليست تراكمًا للماديات فحسب، بل هي قبل ذلك ارتقاءٌ في الوعي والبصيرة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. المجادلة: 11.
