أخبار عاجلةتقارير ومقابلاتمحلياتمرئيات

رينا صقر من كفركنا.. بصيرةٌ تتخطّى العتمة ومسارٌ يجمع بين العمل الاجتماعي والهدي الشرعي

مارية محاجنة

في هذه المقابلة الخاصة مع “موقع موطني 48”، نلتقي برينا صقر، عاملة اجتماعية من كفركنا، استطاعت أن تشقّ طريقها بإرادة صلبة رغم التحديات، وعلى رأسها الإعاقة البصرية. تمزج رينا في مسيرتها بين العمل الاجتماعي والتعليم الشرعي، ساعيةً إلى بناء وعي إنساني متكامل يجمع بين الفهم النفسي والقيم الدينية. في هذا الحوار، تفتح لنا نافذة على رحلتها، وتحدّثنا عن رؤيتها للنجاح، ورسالتها لجيل الشباب.

موطني 48: حدّثينا عن نفسكِ، وعن رحلتكِ في التعليم الشرعي، وما الذي دفعكِ لاختيار هذا المسار؟

رينا: أنا رينا صقر من كفركنا، حاصلة على اللقب الأول في العمل الاجتماعي من جامعة حيفا، وأعمل في هذا المجال منذ ثلاث سنوات مع فئات مختلفة، منها أشخاص مع إعاقة وعائلات. وقد صقل العمل الاجتماعي جزءًا كبيرًا من وعيي وفهمي للطبيعة البشرية.

ومع ذلك، كان يراودني دائمًا ميلٌ عميق نحو التعليم الشرعي؛ لا بوصفه مجرد معرفة نظرية، بل كمسار أبحث فيه عن المعنى والاتزان النفسي والروحي.

أؤمن أن الإنسان حين يستشعر عِظَم استخلافه في الأرض، ويدرك حجم المسؤولية المنوطة به، يبدأ بالبحث عن العلم الذي ينير له هذا الدرب. ومن هنا انطلق شغفي بالتعليم الشرعي كحاجة ماسّة لفهمٍ أعمق: فهم الذات، وفهم العلاقات الإنسانية، وربط ذلك كله بالقيم السامية التي جاء بها الدين.

كما كان لانتسابي إلى الحلقات والمحاضن التربوية أثر بليغ في توجّهي؛ فقد عاينت نماذج لمربيات قدوات جمعن بين غزارة العلم وطيب الأثر، فكان ذلك حافزًا حقيقيًا لي للمضي في هذا الطريق بجدية وعزم.

ومع مرور الوقت، كبر الحلم في داخلي: ألا أكتفي بكوني متلقية للعلم فحسب، بل أن أكون مساهمة فيه، وأن أمزج بين أدوات العمل الاجتماعي والهدي الشرعي بأسلوب يلامس واقع الناس ويحاكي احتياجاتهم. رحلتي لا تزال في بداياتها، لكنها واعية، قوامها الشغف، ونيّتها أن يكون هذا العلم جزءًا من أثر باقٍ وممتد.

موطني 48: ما أبرز التحديات التي واجهتكِ خلال مسيرتكِ الجامعية والشخصية، وكيف استطعتِ تجاوزها؟

رينا: من أبرز التحديات التي واجهتني الإعاقة البصرية، والتي شكّلت جزءًا جوهريًا من تجربتي التعليمية. لم تكن مجرد عارضٍ عابر، بل كانت تفرض عليّ بذل جهد مضاعف للحفاظ على التركيز والاستمرارية، لا سيما في بيئة أكاديمية تتطلب وتيرة عالية من الإنجاز.

لكن، في المقابل، لم تكن هذه التجربة قاسية بمجملها، بل كانت تزدان بلحظات إنجاز غامرة. تعلمت من خلالها كيفية التكيف، والشجاعة في طلب الدعم عند الحاجة، والإصرار على المضي قدمًا حتى في الأيام المثقلة بالصعاب.

ولم يكن تجاوز هذه العقبات بخطوة واحدة، بل عبر خطوات وئيدة: بالصبر، وحسن التنظيم، والإيمان العميق بأن لكل إنسان مسارًا متفرّدًا، وأن في كل ما قُدّر لنا حكمة بالغة.

موطني 48: ما أكثر موقف أو تجربة شعرتِ فيها أن جهودكِ بدأت تؤتي ثمارها؟

رينا: أكثر اللحظات التي شعرت فيها أني أجني ثمار تقدّمي كانت حين بدأت ألمس أثر ما أقدمه في نفوس الآخرين، سواء في جلسات الإرشاد أو المجموعات التفاعلية.

حين أدرك أن كلمة قلتها قد لامست قلبًا فأحدثت أثرًا، أو أن مساحة آمنة وفّرتها مكّنت شخصًا من التعبير عن ذاته أو فهم صراعاته الداخلية… تلك لحظات لا يمكن قياسها بمقاييس مادية، لكنها تمنح المعنى لكل لحظة بذلت فيها جهدي.

في تلك الآونة، أيقنت أن النجاح ليس حدثًا ضخمًا يقع فجأة، بل هو تراكم لنجاحات صغيرة وتأثيرات حقيقية بسيطة.

موطني 48: كيف ساعدتكِ تجربتكِ وتخصصكِ في العمل الاجتماعي على فهم الآخرين وتوجيه المجموعات؟

رينا: أكسبني العمل الاجتماعي قدرة على إدراك ما وراء السلوك الظاهر، والتعامل مع الإنسان بوصفه “قصة” متكاملة الأركان، لا مجرد “حالة” عابرة. وقد أضفت تجربتي الشخصية على هذا الفهم عمقًا إضافيًا، فأصبحت أكثر وعيًا بأن لكل فرد تفاصيله وتحدياته الكامنة التي قد لا تطفو على السطح. وعند دمج هذا المنظور الإنساني مع القيم الدينية، يتشكل وعي بأن التغيير المنشود لا ينحصر في تعديل السلوك فحسب، بل في إصلاح المعنى الذي يحمله الإنسان في جوهره.

أما في توجيه المجموعات، فينعكس هذا الفهم في خلق بيئة آمنة ترتكز على الاحترام والإنصات الواعي، وتوازن بدقة بين التوجيه التربوي ومنح كل فرد المساحة الكافية ليعبّر عن مكنوناته بطريقته الخاصة.

موطني 48: ماذا تعني لكِ كلمة “نجاح”، وما الرسالة التي تحبين توجيهها؟

رينا: النجاح في نظري اليوم ليس مجرد قائمة إنجازات مرئية، بل هو مسيرة من الاستقامة والثبات، ومحاولة دؤوبة للإصلاح؛ في النفس أولًا، ثم في محيطنا الاجتماعي. والأهم من ذلك كله، هو نفي الانفصال بين ما نؤمن به وما نمارسه في الواقع، وأن يظل السعي نحو الاتزان غاية حاضرة مهما بلغت التحديات. ولذلك، فإن الحاجة اليوم لا تقتصر على النجاح الفردي، بل تمتد إلى وعي أعمق يعيد صلة الإنسان بقيمه، ويجعل من العلوم -بشقيها الشرعي والإنساني- أداة للإصلاح لا مجرد ترف معرفي.

أما رسالتي للشباب والشابات، فهي الدعوة إلى الدمج بين العلم الشرعي والعلوم الحياتية الأخرى؛ فلا تعارض بينهما، بل تكامل تام. فنهضة المجتمعات لا تكتمل بجانب دون آخر، بل بوعي متزن يجمع بين سمو القيم ودقة المعرفة، وبين الهدي النبوي والإتقان في شتى المجالات.

موطني 48: كلمة أخيرة؟

رينا: ما أود قوله في الختام، إن الطريق لا يتطلب منا “المثالية” بقدر ما يتطلب الصدق. نحن لسنا مطالبين بالوصول السريع، بل بالسير الواعي، وبأن نحاول في كل مرة أن نكون أكثر اقترابًا من مبادئنا.
أؤمن تمامًا أن لكل إنسان أثرًا يمكنه أن يصنعه من خلال ما يملك؛ في ذاته، أو بيته، أو محيطه الضيق. فالأثر الحقيقي لا يُقاس بحجمه، بل بصدق منبعه واستمرارية جريانه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى