أخبار عاجلةدين ودنيا

قول الحق بين الصرامة واللين: قراءة دعوية في خطاب موسى لفرعون

كثير من الناس – في معرض الاستدلال على سماحة الإسلام ويُسر الدين، أو في سياق الرد على الخطاب الدعوي المتشدد – يحتجّ بأمر الله لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 43-44].

ولا ريب أن آيات الكتاب العزيز ونصوص السنة النبوية أمرت باللين في الدعوة والحوار والمجادلة، وهو أسلوب ومنهج في تبليغ الحق. قال العلامة طاهر بن عاشور: «واللين من شعار الدعوة إلى الحق»، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]. ومن اللين في دعوة موسى لفرعون قوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 18-19]، وقوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ﴾ [طه: 47]، إذ المقصود من دعوة الرسل حصول الاهتداء، لا إظهار العظمة وغلظة القول دون جدوى.

لكن السؤال الذي يُطرح: ما اللين الذي أُمر به موسى وهارون، وما حدوده وضوابطه؟

تفسير القول اللين وضوابطه الشرعية

الجواب: إن اللين الذي أُمر به موسى وهارون عليهما السلام إنما هو ما علّمهما الله أن يقولاه بلا شك؛ فهو سبحانه من بعثهما، وهو من علّمهما منهج الدعوة وأساليب الخطاب، لا سيما أن المخاطَب شخصية استثنائية مدّعية للربوبية، يعيش في بيئة تؤلّهه، وليس مجرد ظالم مستكبر. فالأمر باللين معه إنما هو مدخل نفسي ضروري لتهيئته لسماع الدعوة والحق.

وقد ذهب المفسرون إلى أن المراد باللين الوارد في الآية «تكنية فرعون»، كما في تفسير الطبري وابن أبي حاتم والقرطبي وغيرهم، وهو منقول عن علي وابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد والحسن والثوري والسدي. وعن ابن عباس – أيضًا – قال: «لا تعنّفا في قولكما ولا تغلظا»، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: القول اللين هو قوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾.

وعلى كل تقدير، ما أودّ بيانه في هذه المسألة هو أن الأمر باللين لا يعني التذلل والمسكنة والمداهنة، ولا تمييع الحق أو التنازل عنه. وينبغي التفريق بين لين الكلمة والأسلوب، وبين قوة المضمون في قول الحق؛ فقد تكون عبارة الداعية لطيفة، لكنها تحمل من ثقل الحق ما لا يقدر الآخر على تحمّله، أو يضيق به صدره.

قوة العبارة في قصة موسى وفرعون

والذي يوضح ذلك ما نقرأه في الآيات الواردة في قصة موسى مع فرعون؛ فإن خير ما يُفسَّر به القرآن القرآن. ففيه ما يدل على قوة العبارة وصراحتها، دون مداهنة من موسى عليه السلام، بما لا ينافي اللين في أسلوب القرآن. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [طه: 47-48].

وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 101-102].

فأنت ترى كيف تحدّى موسى عليه السلام فرعون الذي كان يرى نفسه ربًّا، وموسى يقول له – ضمنًا –: لست ربًّا، وينزع عنه دعوى الربوبية، ويعلن أنها لله وحده، حين قال:

﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

فهذه صورة من الصدع بالحق في وجه فرعون، ومعلوم أنه كان يقتل على مثل هذا، إذ قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، فما أعظم جرأة موسى عليه السلام في هذا التحدي!

التحدي والمواجهة: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾

ومن صور التحدي – أيضًا – قول موسى عليه السلام: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [طه: 48]. ففي هذا الخطاب تحذير وتوعّد لفرعون بالعذاب وسوء المصير بسبب التكذيب والاستكبار. وظاهر الخطاب فيه شدة، لكن في قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا﴾ ما قد يخفف هذا التوعّد؛ إذ أرجع الأمر إلى الله الذي أوحى بهذا المصير، وليس مجرد تهديد من موسى عليه السلام.

بل ما أجرأ موسى في صراحته وتصعيده في نبرة الخطاب حين قال لفرعون – بعد أن عاند واستكبر وطغى –: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. وقد قيل في معنى «مثبورًا»: ملعونًا أو هالكًا. فلم يكن موسى عليه السلام ليداهن فرعون أو يجامله في الحق، بعد أن قال له فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾، فناداه موسى باسمه «يا فرعون»، ثم أخبره بمصيره، فجاء الرد بالمثل في الأسلوب مع بقاء الصدع بالحق.

الخلاصة: هل ينافي الصدع بالحق القول اللين؟

فسبحان الله! أكان أحد يجرؤ أن يقول كل هذا لفرعون؟ ثم هل ينافي هذا اللين المذكور في الآية؟

كلا؛ إن قول الحق بلين في وجه الظالمين المستبدين ينبغي أن يكون على هذا المنهج: لين في العبارة، وقوة في الحق، وصراحة في البيان، من غير مداهنة أو تمييع، ولا ترك للصدع بالحق بحجة اللين، مع مراعاة التدرج في الأسلوب، كما يدل عليه سياق الآيات.

فقد بدأ خطاب موسى عليه السلام باللين، ثم انتقل إلى التشديد في المضمون، من غير سبٍّ أو شتم، فقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾، فاشتد الخطاب وزادت صراحته بعد العناد والتجبر والطغيان.

فاللين المقصود في الدعوة إنما هو اللين المنضبط بهدي القرآن، بعيدًا عن ذلك اللين الذي اختلط عند كثير من الناس في هذا الزمان بالمداهنة والمجاملة والمسكنة.

ومن مجموع الآيات في قصة موسى مع فرعون يتبين أن خطابه قد تضمن:

لينًا في العبارة،
وقوةً في الحق،
ووضوحًا في البيان،
وتدرجًا في الخطاب،
وشدةً في المضمون عند ظهور العناد والطغيان.

وبعبارة موجزة: إن القوة والصرامة في قول الحق لا تنافيان اللين في الخطاب والعبارة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى