أخبار عاجلةدين ودنيا

ليطمئن قلبي

ليلى غليون

لا أعتقد أن هناك من لا يبحث عن الأمان النفسي الذي أصبح حاجة ملحة خاصة في ظل هذا الواقع المضطرب الذي يفيض من التداعيات المؤلمة والمتاعب الثقيلة التي استنزفت الأرواح والقلوب وجعلتها تئن ألمًا وتعبًا واضطرابًا، ترانا نركض كل يوم ونلهث خلف مسؤولياتنا، نحمل متاعبنا بصمت، نبتسم ابتسامات متعبة، وربما نخفي وراءها همومًا في صدورنا لا نستطيع البوح بها، نجلس وننتظر ظانين أن الطمأنينة أو الراحة ستأتي حين تهدأ العاصفة وحين تتحسن الظروف، أو حين تختفي المشاكل والضغوطات، ولكن الحقيقة التي يجب إلا تغيب عن أعيننا، أن أمواج الحياة العاتية قد تهدأ حينًا وتتلاطم أحايين أخرى، بل قد يطول اضطرابها فلا تهدأ أبدًا، ومن ينتظر ذلك فسيظل قابعًا على مقاعد الانتظار.

إن السلام النفسي لا يعني أن تكون الحياة بلا مشاكل، ولا حين تهدأ العواصف وتختفي، ولا حين تأتي الظروف المثالية، إن السلام النفسي يكمن بالقدرة على التعايش مع الظروف القاهرة والتعامل معها دون أن يفقد الواحد منا توازنه الداخلي، هو القدرة أن يسكن السكون دواخلنا حتى لو لفنا الضجيج لفًا، بل هو القدرة أن تكون قلوبنا ثابتة رغم شدة العواصف حولنا وقسوتها.

ومنبع ذلك كله هو الإيمان الذي تسلل نوره في القلب فأضاء كل زواياه المظلمة، وأمده بقوة فلا ينكسر. فبالإيمان تستكين النفس ويهدأ الخوف والقلق، فكل شيء بيد الله سبحانه، وبالإيمان تتوقد شعلة الصبر على المكاره، ليس ضعفًا، ولكن ثقة ويقينًا أن بعد الضيق فرجًا، وبالإيمان يتوكل القلب ويركن إلى ركن شديد فيستريح ويسكن، ثم يسلم النتائج لله.

“الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (سورة الرعد، 23) فهذه الآية الكريمة بمثابة قانون حياة، فالعبرة ليست أن نعيش بلا تعب بلا هموم بلا مشاكل، بل أن نعيش بقلوب مطمئنة، ومن أراد الطمأنينة فليبحث عنها في ذكر الله عز وجل لا في ضجيج الدنيا وصخبها، بلسان رطب بذكر الله، فالذكر حياة القلوب، بالمحافظة على الصلاة فهي باب راحة وسكينة، بحسن الظن بالله مهما ضاقت بنا الحياة، بتسليم الأمر لله، فكل ما يحدث لنا فيه حكمة، بمصاحبة كتاب الله، فهو شفاء لما في الصدور.

حينها سنجد من الطمأنينة والسلام الداخلي ما لا نجده في شيء آخر. فالسلام النفسي بمثابة قرار نقرره نحن: قرار بأن نرضى، قرار بأن نهدأ، قرار بأن نثق بالله عز وجل وبتدبيره، حتى لو لم نفهم ماذا يحدث، حينها سيحل الاطمئنان في داخلنا حتى لو كانت الظروف من حولنا مضطربة.

قال بعض السلف: “من وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟” لأن السلام النفسي لا يأتي من الخارج، بل يولد من رحم الداخل، في قلب واثق متوكل، عرف أن له ربًا يدبر أمره ولا ينساه، في نفس رضيت بما شاء الله وقدّر، في روح ملأها اليقين بالمنعم المتفضل فتوشحت بالهدوء رغم قساوة الأيام.

قيل إنّ رجلًا كان يعيش قلقًا شديدًا رغم ما يملكه من مال وزخارف الدنيا، وحين سئل لماذا كل هذا القلق وقد حيزت لك الدنيا، قال: أخاف مما سيأتي وأن أفقد ما أملك. فنصحوه أن يكثر من ذكر الله وأن يردد: “حسبي الله ونعم الوكيل”.

وبعد مدة سئل عن حاله فقال: “لم تتغير ظروفي لكن قلبي هو الذي تغير” يقصد أن نفسه اطمأنت وقلبه ارتاح عندما فوض أمره إلى الله.

وحين سئل أحد الصالحين: “كيف أنت” قال: “نحن في نعمة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف”، قيل: “وما هي” قال: “راحة القلب بمعرفة الله”.

فمن أعظم ما يفتقده الإنسان في هذا الزمان ويسعى إليه راحة القلب وطمأنينة النفس، رغم أنه قد لا ينقصه من المال ولا الجاه ولا من حطام الدنيا شيء، حتى لكأن راحة البال أصبحت من العملات النادرة، فكم من إنسان يملك كل شيء لكنه لا يشعر بالسكينة، وكم من إنسان ينقصه الكثير لكنه يعيش في راحة ورضا.

صحيح أن الحياة مليئة بالمتاعب والهموم والمنغصات، وقد أرهقت الأعصاب واستنزفت المشاعر، ولكن أن يعيش الإنسان بهدوء، أو أن ينعم بالطمأنينة، فهذا ليس إنكارًا لهذه الهموم والمنغصات، ولا هو هروب من هذا الواقع المرير، ولكنه القدرة على العيش معه دون أن ينكسر أو ينحني ولا يتأتى ذلك إلا بقوة الإيمان.

فمخطئ من يظن أن السكينة تأتي حين تنتهي مشاكله أو يتحرر من ضغوطاته أيًا كانت هذه الضغوطات مالية أو أسرية أو اجتماعية، لكن الحقيقة أنها تأتي حين يحسن الظن بربه، لو لم تنته المشاكل أو تذهب الضغوطات، حين يقول بقلب صادق: اللهم دبر لي أمري فإني لا أحسن التدبير، اللهم اختر ولا تخيرني فإني لا أحسن الاختيار، حين يترك الأمور لله ويكتفي بالسعي ثم يرضى.

فإلى كل من يتوق إلى “ليطمئن قلبي” إلى كل روح أنهكتها متاعب الأيام وأثقلتها أحمال القلق، إلى كل قلب يبحث عن السكينة والراحة والاطمئنان وسط صخب الحياة وأمواجها العاتية: إن الطمأنينة ليست مكانًا تبحث عنه لتصل إليه، إنها حال يسكن قلبك وروحك حين تعود إلى ربك مولاك، إنها في سكينة يزرعها الله في صدرك حين تسلم أمرك لله… فقد تأتيك في سجدة، أو في آية تقرؤها فتشعر وكأنها كتبت لك، أو في دعاء تهمس به وتناجي مولاك في جوف الليل، وقد تجدها في صبر على مكروه ألم بك رغم شدته… هي ذكر… هي قرب… هي يقين… هي رضا… فإذا ضاقت بك الدنيا بما رحبت فلا تبحث عنها خارجًا، بل ارجع إلى داخلك إلى تلك اللحظة التي تناجي فيها ربك بصدق بلا تكلف بلا كلمات منمقة، لحظة تحتاج فيها فقط صدقًا ودمعة، لحظة صدق مع نفسك، ودمعة سقطت على مصلاك بسجدة تفرغ فيها ما أثقل روحك، بيقين أن كل شيء سيمضي، وأن الكريم لن يضيعك، فلا تبحث بعيدًا، بل اقترب من الله عز وجل وستجدها أقرب مما تظن وستجد ما يدهشك.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى