أخبار وتقاريرمقالاتومضات

الصمت الصارخ

د. نواعم شبلي جبارين

ليس كلُّ صمتٍ هدوءًا، وليس كلُّ كلامٍ تعبيرًا؛ فهناك صمتٌ يعلو ضجيجه فوق كلِّ الأصوات، صمتٌ يختزن في أعماقه حكاياتٍ لم تُروَ، وآلامًا لم تُفصح عنها الشفاه، وحقائقَ تاهت بين الخوف والتردّد. إنّه الصمت الصارخ، ذاك الذي يختبئ خلف العيون، ويتسلّل بين الكلمات، ويترك في النفس أثرًا أعمق من أيِّ حديثٍ عابر.

في زمنٍ امتلأ بالضجيج، أصبحت الكلمات رخيصة؛ تُقال بلا وعي، وتُلقى بلا مسؤولية. لكن الصمت، حين يكون اختيارًا واعيًا، يتحوّل إلى موقف، وإلى رسالةٍ أبلغ من ألف خطاب. فكم من إنسانٍ صمت، لكنه قال كلَّ شيء! وكم من آخر تكلّم كثيرًا، ولم يُسمع منه شيء!

الصمت الصارخ ليس ضعفًا كما يظنّ البعض، بل هو في كثيرٍ من الأحيان قمّة القوّة. هو قدرة الإنسان على أن يختار متى يتكلّم ومتى يمتنع، متى يواجه ومتى ينسحب بكرامة. إنّه لغة الحكماء حين تعجز الكلمات عن حمل المعنى، وهو درع الكرامة حين يصبح الكلام هدرًا لها.

غير أنّ لهذا الصمت وجهًا آخر أكثر إيلامًا؛ حين يتحوّل إلى قيدٍ يكتم الحقّ، أو ستارٍ يُخفي الظلم. فالصمت أمام الخطأ قد يكون مشاركةً فيه، والصمت عن قول الحقّ قد يكون خيانةً له. وهنا يصبح الصمت صراخًا داخليًا يمزّق الروح، ويُثقل الضمير، ويترك الإنسان في صراعٍ بين ما يشعر به وما يجرؤ على قوله.

إنّ أخطر أنواع الصمت هو ذاك الذي يعتاده الإنسان حتى يفقد قدرته على التعبير؛ حين يُقنع نفسه أنّ السكوت أمان، وأنّ الانسحاب سلام، فيتراكم داخله ما لم يُقَل، حتى يصبح عبئًا لا يُحتمل. فالكلمة الصادقة، مهما كانت بسيطة، قد تكون نجاة، وقد تكون بداية تغيير.

وفي العلاقات الإنسانية، للصمت مكانته أيضًا؛ فهناك صمت المحبّة، الذي لا يحتاج إلى تفسير، وصمت الفهم، الذي يُغني عن الشرح، وصمت الاحترام، الذي يحفظ المسافات. لكن هناك أيضًا صمت الإهمال، وصمت الجفاء، وصمت القسوة، وكلّها صمتٌ يجرح دون أن ينطق.

لذلك، لا بدّ أن نُحسن استخدام هذا السلاح الصامت؛ أن نجعل من صمتنا حكمةً لا هروبًا، ومن كلامنا صدقًا لا ضجيجًا. أن نتعلّم متى نصمت لنرتقي، ومتى نتكلّم لنُنقذ ما يمكن إنقاذه.

في النهاية، الصمت ليس غياب الصوت، بل حضور المعنى. وقد يكون أحيانًا أصدق تعبيرٍ عن النفس، لكنه لا يجب أن يكون بديلًا دائمًا عن الحقّ. فبين الصمت والكلام يولد الاتّزان، وتُبنى الشخصية، ويُصاغ الإنسان. فاختَر صمتك كما تختار كلماتك… فكلاهما يكتبك، وكلاهما يُعرّف بك.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى