من قرية بلا ماء وكهرباء إلى قلب القرار الطبي.. د. عارف النصاصرة (العمور) يقود العناية المكثفة للقلب في سوروكا

سلمان أبو عبيد
في إنجاز طبي وإنساني لافت، تسلّم الدكتور عارف حسين النصاصرة (العمور) “43 عامًا” مؤخرًا، إدارة قسم العناية المكثفة لأمراض القلب في مستشفى “سوروكا” بمدينة بئر السبع، أحد أبرز المراكز الطبية في البلاد. ويأتي هذا التعيين تتويجًا لمسيرة استثنائية بدأت في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وانتهت إلى موقع قيادي في قلب المنظومة الصحية.

من قرية مهمّشة إلى حلم كبير
وُلد النصاصرة في قرية الزعرورة مسلوبة الاعتراف في النقب، حيث تغيب خدمات أساسية كالمياه والكهرباء، وتُثقل محدودية البنية التعليمية كاهل الطلبة، بسبب السياسات الإسرائيلية المعادية للعرب. في تلك الظروف، لم يكن التعليم خيارًا سهلًا، بل تحديًا يوميًا يتطلب إصرارًا استثنائيًا، وقد نجح فيه النصاصرة (العمور) كما العديد من أبناء النقب، الذين أثبتوا للمؤسسة الإسرائيلية قدرتهم على الإبداع في ظل التحديات، وأن الصورة النمطية التي تحاول تصديرها عنهم ما هي إلا كذب وتشويه.
يستذكر النصاصرة تلك الظروف في حديث لـ “موطني 48”، قائلًا: “كنت أدرك منذ الصغر أن التعليم هو السبيل الوحيد لتغيير الواقع”.
محطة التحوّل
بعد إنهاء دراسته الثانوية في عرعرة (النقب)، اتجه إلى ألمانيا ليلتحق بجامعة “ريجينسبورغ”، حيث درس الطب بين عامي 2003 و2010. شكّلت هذه الخطوة نقطة تحوّل مفصلية، إذ واجه تحديات اللغة والاندماج، لكنه نجح في بناء قاعدة علمية متينة ضمن بيئة أكاديمية متقدمة. “الانتقال لم يكن سهلًا، لكن الإصرار كان أقوى من كل العقبات”، يقول النصاصرة.
بناء مسار مهني متدرّج
عاد النصاصرة إلى البلاد ليبدأ من جديد في مستشفى سوروكا، حيث أنهى سنة الامتياز، ثم تخصّص في الطب الباطني، قبل أن يتجه إلى أمراض القلب ويستكمل زمالة دقيقة في القسطرة وعلاج الحالات المعقّدة.
زملاؤه يصفونه بأنه “يمتلك قدرة استثنائية على العمل تحت الضغط، وهدوءًا ينعكس مباشرة على المرضى”.
قيادة أحد أكثر الأقسام حساسية
في آذار/ مارس 2026، تم تعيين د. عارف النصاصرة مديرًا لقسم العناية المكثفة للقلب، وهو من أكثر الأقسام تعقيدًا وحساسية، حيث تتطلب الحالات قرارات سريعة قد تكون فاصلة بين الحياة والموت.
يؤكد النصاصرة: “كل حالة هنا حرجة، وكل قرار يحمل مسؤولية إنقاذ حياة. هذا ما تدربنا لأجله”.
قصة نجاح تتجاوز الفرد
لا تُختزل هذه المسيرة في إنجاز شخصي فحسب، بل تعكس واقعًا أوسع يعيشه آلاف الشباب في القرى مسلوبة الاعتراف، حيث لا تزال فجوات الخدمات والتعليم قائمة. ويرى أكاديميون أن هذه القصة “دليل على وجود طاقات كامنة تحتاج فقط إلى الفرصة المناسبة”.
رسالة إلى الجيل الصاعد
إلى جانب عمله الطبي، ينشط النصاصرة في التدريس الأكاديمي، ناقلًا خبراته إلى طلاب الطب، ومؤكدًا أن النجاح ممكن رغم التحديات.
“لا تسمحوا للظروف أن تحدد مستقبلكم. الطريق صعب، لكنه ممكن”، يوجّه رسالته للشباب.
احتفاء شعبي وفخر جماعي
في قرية الزعرورة، حيث بدأت الحكاية، تحوّل تكريم النصاصرة إلى حدث جماهيري حضره المئات، في مشهد عكس حجم الفخر الجماعي بهذا الإنجاز. وأكد المشاركون أن قصته تمثل نموذجًا للأمل والإصرار، وأنها تتجاوز حدود الفرد لتعبّر عن طموح مجتمع بأكمله.