أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (284) العلاقات اللبنانية- الإسرائيلية.. سِجلٌّ حافلٌ بالعمالة للمشروع الصهيوني (3-4)

حامد اغبارية

1)

ملاحظة ضرورية: تخيل معي لو أن هذه الخيانات وغيرها في بلدان عربية أخرى لم تقع ولم تكن، كيف كانت ستسير الأمور؟ وهل كان الاستيطان اليهودي سيستقر له شأن أو ينجح في البقاء والتمدد؟ وهل كان ثورة 1936-1939 ستتوقف أو تفشل؟ وكيف كان سيكون شكل الأحداث في عام 1948؟ ومن المهم كذلك أن يبلغ عندك الحس المرهف لتعرف أن ما يقال في الإعلام والعلن شيء، وما يجري ويُنسج في الخفاء شيء آخر. هكذا كان في ذلك الوقت، وهكذا هو الآن. لم يتغير شيء.

2)

رغم أن عمالة الكنيسة وإميل إدة وقيادات الطائفة المارونية في لبنان كانت حديث الشارع، وكانت الكثير منها معروفا للجمهور اللبناني والعربي، إلا أن البطريرك عريضة نفى -كعادة هذه النماذج التي نراها حتى الآن على الشاشات- أية صلة له بتوقيع الاتفاقية التي أشرتُ إليها في المقال السابق، كما نفى ممثلُهُ (توفيق عواد) أية علاقة له بها، علما أن توفيق عواد كان هو ممثل البطريرك في توقيع الاتفاقية، كما يذكر إيرلخ.

في ذات الوقت عملت قيادات الحركة الصهيونية على التواصل مع بيار الجميّل، زعيم الكتائب اللبنانية المعروف، والذي كان قد أسس حزب الكتائب تحت غطاء النوادي الرياضة، بينما كانت في حقيقتها كتائب عسكرية ذات نفَس طائفي. وكانت الحركة الصهيونية ترى أن الجميّل شخصية ضعيفة سياسيا، لكنه كان يطمح إلى قيادة المسيحيين في لبنان ويسعى إلى دولة مسيحية خالصة. وبهذا التوجه الطائفي وجدت الحركة الصهيونية أنها ستستفيد من هذه العلاقة بشكل أو بآخر.

كان التواصل مع بيار الجميّل عن طريق الصحافي والدبلوماسي اللبناني إلياس ربابي، الذي كان من قيادات الكتائب، ورئيس تحرير صحيفة “العمل” التابعة للحزب. وعن طريق ربابي توثقت العلاقات الصهيونية مع الحزب، ومن خلاله اتفق الطرفان على وضع خطة مشتركة للتعاون!!

3)

من الجهة الأخرى سعت قيادات الحركة الصهيونية إلى توثيق علاقتها ببشارة الخوري، إذ رأت أنها من خلال هذه العلاقة ربما تتمكن من إقناعه بتغيير مساره السياسي المرتبط بالعروبة وبالجامعة العربية.

منذ سنة 1938، وبعد أن أصبح في المعارضة التقى الخوري ممثلا عن الوكالة اليهودية بوساطة رئيس الحكومة اللبناني في ذلك الوقت خالد شهاب (السنيّ).

في سنة 1941 عقد إلياهو ساسون المولود في سوريا، والذي كان رئيسا للقسم العربي في الوكالة اليهودية، لقاء مع الخوري ومع الأسقف عبد الله الخوري. وفي ذلك اللقاء تحدث الأسقف عن ضرورة التعاون بين الحركة الصهيونية ولبنان، أو كما يذكر إيرلخ: “بين أرض إسرائيل اليهودية وبين لبنان الماروني”! كما طرح الأسقف، بموافقة بشارة الخوري، قضية ضرورة إحداث تغيير ديمغرافي في جنوب لبنان، لأن الوضع الحالي يشكل عائقا أمام تحقيق هدف التعاون بين الجانبين. ومن أجل ذلك اقترح الأسقف وخوري البدء بالتغيير الديمغرافي في جبل عامل الذي يشكل الشيعة أغلبية سكانه، واستبدالهم بموارنة من المقيمين في أمريكا. وطلب الأسقف الخوري من الوكالة اليهودية قرضا ماليا كبيرا من أجل تنفيذ التغيير الديمغرافي من خلال شراء جبل عامل وتوطين الموارنة فيه، وبهذه الطريقة سيتمكن الموارنة من مواجهة التيار العروبي في الشرق، وسيتمكن اليهود من حماية الحدود الشمالية!!

بطبيعة الحال فشلت الخطة، وخرج بشارة الخوري في العلن ضد الصهيونية ومشاريعها، في محاولة منه لخداع الجمهور، ولحماية نفسه في الداخل، ولحاجته إلى دعم المسلمين له في تسلم السلطة!!

من المهم أن أذكر هنا أن إلياهو ساسون أدى “وظيفة” قذرة عام النكبة، إذا كان عضوا فيما يعرف باسم “لجان النقل” و “لجان الترحيل” غير الرسمية التي شكلتها الحركة الصهيونية، لـ “تسهيل” ترحيل الفلسطينيين من وطنهم!! حسبما يذكر بيني موريس في كتابه “ميلاد قضية اللاجئين الفلسطينيين 1947-1949”.

4)

العلاقات مع الشيعة

من أجل تثبيت وجوده في فلسطين وتحقيق أهداف المشروع، كان قادة الحركة الصهيونية مستعدين لفعل كل ما يمكن. لذلك لم يكتفوا بعلاقاتهم مع الموارنة، الذين شكلوا (وما زالوا حتى اليوم) العنوان الأكبر، فسعوا إلى علاقات تخدم مشروعهم مع جهات أخرى: الشيعة والدروز والسنة.

كان الشيعة في العقد الثاني من القرن العشرين يشكلون نحو 19% من مجموع سكان لبنان. وقد كان تجمعهم الأكبر في الجنوب؛ في جبل عامل وفي البقاع.

اعتبر الشيعة في تلك الفترة من أكثر الفئات فقرا وتهميشا في الدولة اللبنانية. وكان الإقطاعيون الشيعة يتحكمون بالاقتصاد في مجتمعهم الفقير. وقد برزت بينهم عائلات إقطاعية منها عائلة الأسعد في بلدة الطيبة وعائلة عبد الله في بلدة الخيام.

كانت تلك العائلات قريبة جدا من الحدود الشمالية لفلسطين، لذلك كان لا بد من تأمين علاقة ما معهم من طرف قادة الاستيطان اليهودي في الشمال. وأثناء فترة الاحتلال الانجليزي لفلسطين، أبدى رؤوس هذه العائلات استعدادا لبناء علاقات حسن جوار مع المستوطنات اليهودية الحدودية.

لم يكن للشيعة، كطائفة ومجموعة سكانية، في ذلك الوقت أي وزن سياسي أو تأثير في شؤون الحكم، وكانوا مستَبعدين تماما من المشهد اللبناني. لذلك لم تكن لدى قادة الحركة الصهيونية طموحات في بناء علاقات سياسية معهم تخدم الأهداف الاستراتيجية للمشروع الصهيوني، كما هو الأمر مع الموارنة. ورغم ذلك فإن ما يسميه إيرلخ “علاقات حسن الجوار” استفاد منها الجانبان. فالشيعة وجدوا في المستوطنات سوقا للتبادل التجاري، خاصة المنتجات الزراعية والتي استمرت حتى حرب 1948، أما الحركة الصهيونية فقد استفادت في الجانب الأمني من خلال منع الشيعة تنفيذ هجمات من الأراضي اللبنانية على المستوطنات اليهودية الحدودية. كما كان للإقطاعيين الشيعة دور خطير في عقد صفقات بيع أراض للمستوطنين اليهود في فلسطين، وفي تهريب القادمين اليهود عبر مسار يمر من بيروت إلى بنت جبيل في الجنوب، ومن هناك إلى فلسطين. كذلك ساعد الإقطاعيون الشيعة من العائلتين المذكورتين ومن غيرهما في تسهيل بيع السلاح للعصابات الصهيونية ونقل الأموال إليهم عبر الأراضي اللبنانية.

5)

بعد إقامة مستوطنة المطلة سنة 1896، وحتى الحرب العالمية الأولى نسج إقطاعيون الشيعة علاقات وثيقة مع مستوطني المطلة ومع مندوبي البارون روتشيلد الذي موّل بناء المستوطنة. ومن الأسماء التي يذكرها إيرلخ من عائلة الأسعد التي تعاونت مع الحركة الصهيونية، خليل بك الأسعد (الذي كانت زوجته يهودية!!)، وكامل بك الأسعد، وعبد اللطيف بك الأسعد، ومحمود بك الأسعد، ومن عائلة عبد الله كانت العلاقة المباشرة مع الحاج حسن عبد الله وابنه الحاج إبراهيم عبد الله. ويذكر إيرلخ- بحسب الوثائق والشهادات الحية- أن العائلتين تكفلتا بصد هجمات الدروز والبدو على مستوطنة المطلة مقابل مبالغ مالية.

في فترة الحرب العالمية الأولى برزت إحدى أهم وأخطر الشخصيات الصهيونية التي كان لها دور في شراء الأراضي في فلسطين، وهو حاييم كالفاريسكي، الذي كان مسؤولا عن إدارة مستوطنات البارون روتشيلد في الجليل الأعلى. ومن خلال دوره هذا أنشأ علاقة مع شخصيات إقطاعية فلسطينية ولبنانية وسورية، خاصة بعد أن أصبح رئيسا للدائرة العربية في الإدارة الصهيونية.

6)

وطّد كالفاريسكي علاقاته مع كامل الأسعد بهدف حل المشاكل الأمنية القادمة من الأراضي اللبنانية عقب إقامة مستوطنة المطلة. وفي ذلك الوقت كان كامل الأسعد قد أنشأ شراكة مع ميشيل سرسق (الاسم الأشهر المرتبط في الذاكرة الفلسطينية ببيع الأراضي لليهود)، ومع محمد عمر بَيْهَم. وكان هذا الأخيران يملكان امتيازات من الأستانة لإدارة أراضي سهل الحولة مقابل تعهد منهما بتجفيف مستنقعاتها. حملت الشراكة الثلاثية اسم “الشركة السورية – العثمانية للزراعة”. ومع هذه الشركة أدار كالفاريسكي مفاوضاته من أجل عقد صفقات شراء الأراضي المجففة في سهل الحولة لصالح شركته التي كان يديرها وتحمل اسم “ياكا” (وهو اختصار لاسم “الشركة اليهودية للاستيطان”)!

عمل كالفاريسكي على إقامة ثلاث مستوطنات جديدة إلى جانب المطلة، وهي تل – حاي وكفار جلعادي وحمارا. وقد واصل توثيق علاقاته مع إقطاعيي الشيعة وخاصة مع كامل الأسعد، الذي يبدو أنه كان الأكثر تأثيرا وقوة. ويذكر إيرلخ أن شيعة الجنوب أبدوا علاقات حسن جوار مع المستوطنات الجديدة، خاصة مع سكان كفار جلعادي. ومما ذكره شهادة أحد مؤسسي منظمة “هشومير” الاستيطانية، وشهادات مستوطنين في كفار جلعادي أن قيادات المستوطنين وطدت علاقاتها مع كامل الأسعد، بعدان أبلغته بمعلومات استخبارية تفيد بأن السطات العثمانية تنوي اعتقاله بعد ان عملت بأنه ينشط في أعمال معادية للدولة العثمانية في المنطقة.

7)

في العقد الثاني من القرن الماضي، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، أبدت جهات شيعية في جنوب لبنان ولاءها للأمير فيصل الأول بن الحسين، الذي كان حاكما لسوريا بين 1918- 1920، قبل أن ينتقل ملكا للعراق! وكان سبب إعلانهم ذاك خشيتهم من هيمنة الموارنة التامة على لبنان.  ومن خلال كامل الأسعد الذي حظي برضا فصيل الأول الذي وعده بتعيينه حاكما على جبل عامل، استطاعت قيادات الاستيطان اليهودي تأمين الطرق وصد الهجمات المسلحة التي كان يشنها البدو والفلاحون الموالون لفيصل من الأراضي اللبنانية، إذ استغل الأسعد نفوذه عند فيصل للعب دور مزدوج!

في ذات الوقت أنشأ قادة الاستيطان اليهودي علاقة مع إقطاعي شيعي آخر يدعى سعد الدين شاتيلا، من بلدة الطيبة، والذي كان يقيم في بيروت ويعمل في مجال التجارة، وكانت له كذلك علاقات قوية مع الأمير فيصل الأول، كونه شارك في مواجهة الفرنسيين في سوريا، وقد رأى به فيصل شخصية ذات شأن ودور في جنوب لبنان وفي سهل الحولة. وكان من الخدمات التي قدمها شاتيلا للمستوطنين أنه حذرهم من هجوم متوقع على مستوطنة تل- حاي عشية المعركة الشهيرة، المعروفة في الأدبيات الصهيونية بمعركة تل -حاي. بل بلغ الأمر بشاتيلا أنه عرض على قادة مستوطنة تل – حاي استضافتهم في بلدته الطيبة في الجنوب، بعد أن تعرضت مستوطنتهم للهجوم من مجموعات مسلحة تابعة للأمير فيصل. أما الإقطاعي الشيعي عليّ أفندي عبد الله، ابن الحاج إبراهيم عبد الله، كانت له علاقات وشيجة مع أحد قادة الاستيطان ويدعى ناحوم هوروفيتش. وقد عرض عليّ أفندي على صديقه هوروفيتش توطين مستوطنين في بلدة الخيام تحت غطاء الاستفادة من خبرتهم في الزراعة. غير أن المشروع لم يخرج إلى حيز التنفيذ بسبب عدم وجود ما يكفي من المستوطنين لإرسالهم إلى الخيام، إضافة إلى شروط اشترطها الإقطاعي الشيعي ورفضها هوروفيتش!

8)

كانت إحدى أهم القضايا التي تقض مضجع المستوطنين هي القضية الأمنية. ومن هذا الجانب استفاد قادة المستوطنين من علاقاتهم بالإقطاعيين الشيعة، خاصة ما يتعلق بمعلومات حول التنظيمات الفلسطينية في لبنان وعمليات التسلل التي تنفذها مجموعات مسلحة إلى المستوطنات.

ويذكر إيرلخ أنه بحسب شهادات قادة المستوطنين فإن العلاقة مع الشيعة لم تكن سهلة، بل معقدة نوعا ما، إذ أن قسما منهم كان ضالعا في مساعدة قوات المقاومة الفلسطينية ومسانديهم من سوريا ولبنان في الوصول إلى المستوطنات الحدودية.

ويبدو أن الجشع والمصلحة الشخصية والاقتصادية لعبت دورا في سلوك إقطاعيي الشيعة. ومما يذكره إيرلخ في كتابه أن إحدى قيادات المستوطنين، وتدعى طوفا برتغالي، زارت الإقطاعي الشيعي أحمد الأسعد في بيته، وكان وقتها يشغل منصب وزير الصحة والإعلام في الحكومة اللبنانية. وقد أبلغها أن المفتي الحاج أمين الحسيني زاره في بيروت وطلب منه ضم رجاله إلى المقاومة الفلسطينية، فوافق الأسعد – حسب قوله كما نقلته تلك المستوطِنة- ولكن بشرط عدم تنفيذ عمليات ضد مستوطنة كفار جلعادي، التي كانت له معها علاقات تجارية وعلاقات صداقة من قادتها وسكانها.

ومن جهة أخرى يذكر إيرلخ أن سعد الدين شاتيلا كان ضالعا في نفس الوقت في تسهيل الاتصالات بين السوريين وبين المقاومين الفلسطينيين، وعمل على نقل السلاح إليهم أثناء إقامته في هضبة الجولان، وفي المقابل واصل علاقته مع رؤوس الاستيطان اليهودي في كفار جلعادي. ويقول إيرلخ إن شاتيلا أبلغ المستوطنين أنه يعارض حكم الانجليز وليست له مشكلة مع اليهود، مؤكدا أنه لن يسمح بتعرض سكان كفار جلعادي للسوء، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا بالنسبة للمستوطنات الأخرى.

هكذا يمكن القول إن إقطاعيين الشيعة وأتباعهم لعبوا دورا مزدوجا، فمن ناحية حافظوا على أمن مستوطنات الحدود، ومن جهة ثانية ساعدوا المقاومين الفلسطينيين وشاركوهم في هجماتهم في بعض الأوقات، كما يذكر إيرلخ. ويبدو أن هذا الدور المزدوج تقف خلفه مصالح اقتصادية من جهة، وسعي إلى تقوية الوجود الشيعي في لبنان إزاء سطوة الموارنة، والوصول إلى مكانة سياسية ذات تأثير في مستقبل الدولة اللبنانية. (يتبع).

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى