إسقاطات المذاهب المصادمة للإسلام على القدس والمسجد الأقصى

إسقاطات المذاهب المصادمة للإسلام على القدس والمسجد الأقصى

د. أنس سليمان أحمد

إن المذاهب المصادمة للإسلام التي غزت الأمة الإسلامية في الماضي كانت تهدف إشاعة فكر تضليلي منحرف بين أبناء هذه الأمة، وكانت تهدف الهيمنة على السلطة والتحكم بمقاليد حياة هذه الأمة وأعناقها وأرزاقها، وكانت تهدف إلى تفكيك هذه الأمة ونقلها من حالة الوحدة الإسلامية إلى حالة التشرذم على أساس عرقي أو أساس مذهبي أو أساس جغرافي، ولذلك كثرت النعرات التي حاولت تفكيك هذه الامة بناء على هذه الأسس الجاهلية، وكانت المحصلة أن تفرقت كلمة هذه الأمة في مراحل حياتها وتفرقت إرادتها، وتفرقت قوتها، وتفرق صفها ثم هانت على أعدائها، ثم تجرأ هؤلاء الأعداء وهزموا هذه الأمة وإحتلوا القدس والمسجد الأقصى!! ولذلك فإن الدارس للحركة الصليبية يجد أنها ما جاءت من فراغ بل جاءت بعد أن استفحل خطر بعض المذاهب المصادمة للإسلام التي روّجت لفكرها التضليلي ثم هيمنت على مقاليد الحكم في مسيرة هذه الامة، وفككت هذه الأمة مرحلياً وبذلك فتحت الطريق للحركة الصليبية التي إحتلت القدس والمسجد الأقصى قرابة القرن وإحتلت الشام أو بعض مواقعه قرابة القرنين ولم تتخلص هذه الأمة من الحركة الصليبية إلا بعد أن تخلصت من خطر تلك المذاهب المصادمة للإسلام، وما أشبه اليوم بالأمس فإن الحركة الصهيونية ما جاءت من فراغ بل جاءت بعد أن استفحل خطر موجة جديدة من بعض المذاهب المصادمة للإسلام منذ بدايات قرن من الزمان، حيث روّجت هذه المذاهب الجاهلية لفكرها التضليلي ثم هيمنت على مقاليد الحكم في مسيرة هذه الأمة، وفككت هذه الامة مرحلياً حتى الآن في الظرف الراهن، وبذلك فتحت الطريق للحركة الصهيونية التي أوقعت نكبة فلسطين وإحتلت القدس والمسجد الأقصى، وحتى تتحرر هذه الأمة من ويلات الحركة الصهيونية، وحتى تنصر القدس والمسجد الأقصى يجب أن تتخلص اليوم من ويلات المذاهب المعاصرة المصادمة للإسلام التي غزتها في عقر دارها وفتحت الباب على مصراعيه للحركة الصهيونية.
وعودة إلى ما قبل الحركة الصليبية بقليل نجد ان الدولة الفاطمية هي التي تولت إشاعة المذاهب المصادمة للإسلام، وهي التي أشاعت بذلك الفكر التضليلي المنحرف بين أبناء هذه الأمة، وهي التي هيمنت على مقاليد الحكم في حياة هذه الأمة في الشام والمغرب العربي ومصر والجزيرة على مدار قرنين ويزيد، وهي التي فككت الامة مرحليا، وهي التي فتحت الباب على مصراعيه للحركة الصليبية التي غزت هذه الأمة في الأناضول والشام ومصر والمغرب العربي وإحتلت القدس والمسجد الأقصى، ولم تتخلص هذه الأمة من ويلات الحركة الصليبية إلا بعد أن تخلصت من ويلات الدولة الفاطمية، فكيف نشأت هذه الدولة، وماذا كان دورها، حول ذلك أسجل هذه الملاحظات:
1) بعد موت الإمام جعفر بن محمد الصادق رحمه الله تعالى افترقت الشيعة إلى فرقتين، فرقة عُرفت باسم “الاثني عشرية” وهي التي أثبتت الإمامة بعد موت الإمام جعفر الصادق لأبنه موسى الكاظم، وفرقة عُرفت باسم ” الإسماعيلية” وهي التي أثبتت الإمامة بعد موت الإمام جعفر الصادق لابنه إسماعيل.
2) ظهر للفرقة ” الإسماعيلية” ألقاب عدة، من هذه الألقاب: ” الباطنية” و ” التعليمية الملحدة”، ثم أنجبت ” الإسماعيلية: فرقة ” القرامطة” و ” المزدكية ” ثم أنجبت عبيد الله المهدي الذي شغل منصب الخليفة الأول في الدولة الفاطمية. وإليه ينسب العبيديون، هذه الأسرة التي هيمنت على مقاليد الحكم في الدولة الفاطمية.
3) من الضروري أن نعلم أن عبيد الله المهدي ” عندما دخل أفريقيا (أي تونس) أظهر التشيع القبيح وسبّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، والمقداد وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري، وزعم: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إرتدّوا بعده غير هؤلاء الذين ذكروا. وكان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد في حالة شديدة من الاهتضام، والتستر.. تجري عليهم في كثير من الأيام محن شديدة”.
4) غالى العبيديون في عبيد الله المهدي حتى أنزله بعضهم ” منزلة الإله، وأنه يعلم الغيب، وأنه نبي مرسل. وكان له دعاة بالمغرب يدعون الناس إليه وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود، يلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم، فمنهم من يلقون إليه أن المهدي إبن رسول الله، وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقون إليه: أنه الله الخالق الرازق”
5) ” أجبر العبيديون الناس على الدخول في مذهبهم بوسيلة التخويف والقتل، وقد نفذوا حكم الإعدام في أربعة آلاف رجل مرة واحدة. قال القابسي: إن الذين ماتوا في (دار البحر) – سجن العبيديين- بالمهدية من حين دخل عبيد الله إلى الآن، أربعة آلاف رجل في العذاب، ما بين عالم وعابد، ورجل صالح. هذا عدا ما كانوا يقتلونه دون سجن …”.
6) حرّم العبيديون ” على الفقهاء الفتوى بمذهب الإمام مالك، واعتبروا ذلك جريمة يعاقبُ عليها بالضرب، والسجن أو القتل أحيانا، ويعقب ذلك نوع من الإرهاب النفسي، حيث يُدار بالمقتول في أسواق القيروان، وينادى عليه: هذت جزاء من يذهب مذهب مالك”.
7) أبطل العبيديون بعض السنن المتواترة والمشهورةـ وزادوا في بعضها ” كما فعلوا في زيادة (حيّ على العمل) في الآذان، وإسقاط صلاة التراويح.. روي: أن عروس المؤذن، وكان مؤذنا في أحد المساجد، شهد عليه بعض الشيعة أنه لم يقل في أذانه (حيّ على خير العمل) فكان جزاؤه أن قطع لسانه، ووضع بين عينيه، وطيف به في القيروان ثم قتل..
8) حرص العبيديون “على منع التجمعات خوفاً من الثورة، والخروج عليهم، ولذلك جعلوا بوقا يضربونه في أول الليل، فمن وجد بعد ذلك ضرب عنقه، كما أنهم كانوا يفرّقون الناس الذين يجتمعون على جنازة من يموت من العلماء “.
9) أتلف العبيديون ” مصنفات أهل السنة ومنعوا الناس من تداولها، كما فعلوا بكتب أبي محمد بن أبي هاشم التجيبي الذي ترك سبعة قناطر كتب، كلها بخط يده، فرفعه إلى سلطان بني عبيد، ومنع الناس منها كيدا للإسلام وبغضا فيه “.
10) منع العبيديون “أهل السنة من التدريس في المساجد، ونشر العلم، والاجتماع بالطلاب، فكانت كتب السنة لا تُقرأ إلا في البيوت خوفاً من بني عبيد”.
11) عطّل العبيديون الشرائع، وأسقطوا الفرائض “عمّن تبع دعوتهم، حيث يقع إدخالهم إلى داموس ( أي حمّام) عمّن تبع دعوتهم حيث يقع إدخالهم إلى داموس ، ويدخل عليهم عبيد الله لابساً فرواً مقلوباً داباً على يديه ورجليه فيقول لهم : (بَح) ثم يخرجهم ويفسر لهم هذا العمل بقوله : فأما دخولي على يدي ورجلي فإنما أردت بذلك أن أعلمكم أنكم مثل البهائم لا شيء، ولا ضوء ولا صلاة، ولا زكاة، ولا أي فرض من الفروض، وسقط جميع ذلك عنكم، وأما لباس الفرو مقلوبا فإنما أردت أن أعلمكم أنكم قلبتم الدين، وأما قولي لكم بَح، فإنما أردت أن أعلمكم أن الأشياء كلها مباحة لكم من الزنى وشرب الخمر”.
12) كان العبيديون ” كثيراً ما يجبرون الناس على الفطر قبل رؤية الهلال، بل قتلوا من أفتى بأن لا فطر إلا مع رؤية الهلال، كما فعلوا بالفقيه ابن الحُبلى قاضي مدينة برقة، حيث علقوه في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش، فلم يُسقَ، ثم صلبوه على خشبة.. “.
13) عمل العبيديون ” في المغرب العربي على إزالة آثار بعض من تقدمهم من الخلفاء السنيين، فقد أصدر عبيد الله أمراً بإزالة أسماء الحكام الذين بنو الحصون والمساجد، وجعل اسمه بديلاً منهم..”.
14) ” من جرائم عبيد الله الكثيرة أن خيله دخلت المسجد، فقيل لأصحابها: كيف تدخلون المسجد ؟ فقالوا : إن أوراثها وأبوالها طاهرة؛ لأنها خيل المهدي، فأنكر عليهم قيم المسجد، فذهبوا به إلى المهدي فقتله” .
15) ” .. ولا يزال الصراع الباطني والإسلامي ممتداً إلى يومنا هذا، فالأفكار لا تموت وإنما تتغير الأشكال والوجوه والمسوح، وإن أعداء الإسلام لا يزالون يعملون سراً وعلناً ليلاً ونهاراً للقضاء على العقيدة الصحيحة التي تلقتها الأمة من الحبيب المصطفى وأصحابه الغر الميامين وأهل بيته الطاهرين الطيبين رضي الله عنهم أجمعين”.
16) إن بعض أتباع هذه لبق=فرقى الإسماعيلية الباطنية هم من قتلوا قسيم الدولة أقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمدينة الموصل، وهم من قتلوا شرف الدولة مودود بن التونتكين في جامع دمشق، وهم من عماد الدين زنكي، وهم من حاولوا أكثر من مرة قتل صلاح الدين الأيوبي، وإن القاسم المشترك بين كل هذه الشخصيات أنهم ظهروا على مسرح أحداث الأمة الإسلامية بعد بدايات الحملات الصليبية، وكان هدف كل هذه الشخصيات كما يبدو ذلك في سيرة حياة كل واحد منهم هو توحيد كلمة الأمة وتوحيد صفها وقوتها والنهوض بها لتخليص القدس والمسجد الأقصى من ويلات الصليبيين إلا أن هؤلاء الأتباع لهذه الفرقة الإسماعيلية الباطنية كمنوا لكل واحد منهم وقتلوه أو حاولوا قتله كي يقتلوا المشروع الذي ساروا عليه ألا وهو مشروعا لنهوض بالأمة الإسلامية ورص صفوفها وتوحيد كلمتها وطرد الصليبيين وتحرير القدس والمسجد الأقصى، ولأن صلاح الدين الأيوبي قد أدرك ذلك سلفا فلم يتوجه إلى تحرير القدس والمسجد الأقصى إلا بعد أن حرر الأمة الإسلامية من الدولة الفاطمية.
17) وها نحن نعيش اليوم توغل أنظمة بني جلدتنا أخذت على عاتقها تجديد دور الدولة الفاطمية ولكن بأسماء عصرية مغرية وبرّاقة، وها نحن نعيش اليوم تغول بعض الأفكار الهدامّة المستوردة، التي رضي البعض من بني جلدتنا أن يكون عرّابا لها، وهكذا اجتمع على الأمة الإسلامية اليوم من داخلها هذه الأنظمة القمعية التي تسير على سنة الدولة الفاطمية وهذه الأفكار الهدّامة المستوردة، وها هي هذه الأمة منقسمة على نفسها ومفككة، وهي مطالبة اليوم أن تتخلص من هذه الأنظمة القمعية على اختلاف أسمائها، ومن هذه الأفكار الهدّامة المستوردة على اختلاف إسمائها، وهكذا ستنح هذه الأمة بتخليص نفسها وتخليص القدس والمسجد الأقصى من ويلات الحركة الصهيونية المعاصرة المعززة بالحركة الصليبية المعاصرة .
18) ما ورد بالاقتباس من كتاب (صلاح الدين الأيوبي) للدكتور علي محمد الصلابي.