لا تحرصوا على الأمارة يا جيل التغيير

لا تحرصوا على الأمارة يا جيل التغيير

المدينة

إعلموا يا جيل التغيير أن الفوضى في سيركم لا تأتي بخير، ولا بد من نظام يضبط سيركم ويحفظ مبدأ التناصح بينكم، ويرفع من شأن الشورى والطاعة المبصرة وضرورة اللين والرفق كعلاقة لا بد منها بينكم، وكرباط شفاف لا بد منه بينكم وبين الناس، وإن من البديهي أنه إذا كان هناك نظام فلا بد من راع لهذا النظام ولا بد من بطانة خير لهذا الراعي تنصحه عند الضرورة وتشير عليه بالخير وتحذره من التعثر وتشد عضده، لأن المرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه سيما وأن المسؤوليات كثيرة وثقيلة وتبعات هذه المسؤوليات مصيرية، حيث أنها قد تبني أو قد تهدم، وقد تجمع أو قد تفرق، وقد تؤلّف أو قد تنفر، ولذلك هي أمانات لا يعين عليها إلا الله تعالى، ولأنها كذلك فستُسألون عنها يوم القيامة يا جيل التغيير، وسيكون السؤال ثقيلا بقدر ثقل أمانة كل واحد منكم، وستكون أمانة كل واحد منكم ثقيلة بقدر ثقل دور كل واحد منكم، لأن أدواركم ستختلف، فمنكم مَنْ سيكون في دور القيادة أو دور الجندية، ومنكم من سيكون في دور الإفتاء أو دور الدعوة أو دور التربية أو دور الأعلام أو دور الإغاثة أو دور الخطابة أو دور إصلاح ذات البين، وما شابهها، وكل منكم سيُسأل عن دوره يوم القيامة، أحفظه أم ضيّعه؟! فما أثمن دور كل واحد منكم في الدنيا، وما أثمن تبعاته يوم القيامة، فتحلوا باليقظة دائما ولا تغفلوا، وتزينوا بالجد ولا تفتروا، وتسلحوا بالإخلاص ولا تتعثروا، وتواصلوا بالحق ولا تتدابروا، وتزودوا بالتقوى ولا تضعفوا، واحرصوا على الخلق الكريم ولا تتنافروا، ولأنكم في موضع إمتحان وعند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان فأني أذكركم بما يلي:
1- روى مسلم في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من إمرء يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنه))!! فما أثقل هذا الخطاب النبوي، وما أثقل وقعه على كل صاحب دور فيكم يا جيل التغيير، وويل ثم ويل لمن غفل منكم عن هذا الخطاب النبوي، وظن مُخطئا وأي خطأ شنيع أن الدور الذي يقوم به مجرد جاه ووجاهة وسمعة وشهرة وكي يُشار إليه بالبنان.
2- روى عبد الرحمان بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا عبد الرحمان بن سَمُرَة، لا تسأل الأمارة، فأنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها) – رواه البخاري- فهي الأمارة المغرية والفتّانة التي قد يظنها البعض منكم أنها مجرد سيادة وسلطة وتسلط وإصدار أوامر وفرض مواقف واستبداد بالرأي ورصد أنفاس الآخرين، وما أخطر هذا الظن عن الأمارة فهي ليست كذلك، بل هي أمانة، وقد تكون هذه الأمانة نعمة على صاحبها إذا أخذها بحقها، وقد تكون حسرة إذا أحالها إلى سلم رقي دنيوي، ولذلك ورد عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّرني يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها أمانة، وإنها حسرة وندامة يوم القيامة، إلا من أخذ بحقها ، وأدَّى الذي عليه فيها) –رواه مسلم بنحوه- فَحَقَّ لكل واحد منكم يا جيل التغيير أن يهرب من الأمارة كهروبه من أسد جائع إلا إذا فُرضت عليه، وكان لا بد منها، وما عاد له خيار برفضها، وأُكره عليها إكراها، وبات رفضه لها يعني الفوضى والتسرب والتسيب، فعندها ليقبل الأمارة كامتحان تشيب له الولدان، وتضع له كل ذات حمل حملها، وعندها ليستعن بالله تعالى أولا ، وليحط نفسه بأهل العلم والفقه والدعوة والتربية ثانيا، وليحصن قراراته بالشورى ولو تعلق الأمر بشسع نعله، وليرفق بمن أمّروه عليهم رفق الأم برضيعها.
3- لذلك فأن الفاروق عمر رضي الله عنه قال ذات يوم بعد أن ولّيَ أمر المسلمين وكان سلمان وأبو ذر رضي الله عنهما حاضرين: (إنا لله وإنا إليه راجعون، من يأخذها –أي الأمارة – بما فيها؟ فقال سلمان: من سلت الله أنفه، وألصق خده بالأرض) كناية عن ضرورة دوام شعور صاحب الأمارة بالفقر إلى الله تعالى، وإلا فأنه بلا حفظ الله تعالى ورحمته وتوفيقه فأن الأمارة ستهلكه، وقد يجني من ورائها حسرة في الدنيا وندامة يوم القيامة، وإنها كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنكم ستحرصون على الأمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة )-رواه البخاري- وكما نلاحظ فأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب المرضعة مثلا للأمارة وما توصله إلى صاحبها من المنافع، وضرب الفاطمة مثلا للموت الذي يهدم على صاحب الأمارة لذاته، ويقطع تلك المنافع.
4- لكل ما ورد أعلاه فأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يتعجل تأمير أحد، حتى لو كان من أكابر الصحابة رحمة به في الدنيا وطمعا بنجاته يوم القيامة، وحول ذلك روي أن العباس قال: أمّرني يا رسول الله فأصيب وأستريش، فقال له: ( يا عباس ، يا عمّ النبي، نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها)- رواه إبن أبي شيبة في المصنف- وأي ّ واحد منكم كالعباس يا جيل التغيير، ومع ذلك لم يجامله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذّره من الأمارة، ولم يعن نفسه عليه، بل نهاه عن طلب الأمارة، وبيّن له أن الأصل هو طلب النجاة قبل طلب إمارة قد تنقلب على صاحبها، وقد تتحول إلى فتنة له ما أخطر عاقبتها وعقوبتها.
5- وقد يستهين البعض منكم بالأمارة يا جيل التغيير إذا كانت على أمر فرعيّ يُعدّ من سقط الدنيا، ولكنها تبقى إمارة حتى لو كانت على أمر فرعيّ من سقط الدنيا، وتبقى خطراً على صاحبها إلا إذا أخذها بحقها حتى لو كانت أمارة على أتفه الامور، وحول ذلك روى أبو داود في السنن قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إن أبي عريف على الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة من بعده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (العرفاء في النار). والعريف في هذا الحديث بمعنى القيّم، فهو على خطر أن يكون من أهل النار إذا لم يحص إمارته على الماء كما يجب، لأن النفس أمّارة بالسوء، وقد تنفخ فيه نفسه وتزين له السطوة والتسلط وإعطاء فلان وحرمان فلان والتطفيف من حق فلان، وقد تدفعه نفسه إلى الإصابة والإسترياش من وراء إمارته على الماء، … واحتمالات الخطر أكثر من ذلك، مما يؤكد أن الأمارة وإن كانت على سقط من الدنيا فأنها امتحان لصاحبها قد تنجيه وقد تهلكه.
6- لكل ذلك فقد روى الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عبد الرحمان بن سمرة ليستعمله، فقال: يا رسول الله خِر لي، فقال: (إقعد في بيتك). رواه الطبراني في الكبير عن سيدنا عصمة بن مالك رضي الله عنه بلفظ: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم…) وأما سيدنا عبد الرحمان بن سمرة رضي الله عنه فأنه كما أوردنا أعلاه هو الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الرحمان بن سمرة لا تسأل الأمارة، فأنك إن أعطيتها من مسألة وُكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها). فأعرفوا يا جيل التغيير حقيقة الأمارة، وإقدروا لها قدرها، ولا تحرصوا عليها، إلا إذا جاءتكم وأنتم مرغمون عليها، وإلا فأعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليودن أقوام يوم القيامة لو وقعوا من الثريّا ولم يكونوا أمراء على شيء، وكم من متخول في مال الله ومال رسوله له النار غدا)- رواه الأمام أحمد بنحوه والحاكم عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه- والمتخول في هذا الحديث بمعنى المتعهد، فاذا ولغ في هذا المال وهو المتعهد فيه المطالب بحفظه، وإذا جنحت نفسه به وبات يبذر هذا المال دون إنضباط بميزان الحلال والحرام فأن إمارته على هذا المال ستورده النار غدا.
7- لذلك لا تعجبوا يا جيل التغيير إذا سمعتم أبا هريرة رضي الله عنه يقول لكم: (ما من أمير يُؤمَّر على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولا، أنجاه عمله أو أهلكه) – رواه الحاكم مرفوعا-
8- بناء على كل ما ورد أعلاه فلأني أحبكم يا جيل التغيير وأحب لكم الخير فأحذروا ثم إحذروا ثم إحذروا من هذا النذير الذي يقول فيه حذيفة بن اليمان: ( من اقتراب الساعة : أن يكون أمراء فجرة، ووزراء كذبة، وأمناء خونة، وعلماء فسقة، وعرفاء ظلمة) – رواه مطولا مرفوعا في حلية الأولياء-.