لماذا سقطت النظرية الشعبوية الوهمية للقائمة المشتركة

لماذا سقطت النظرية الشعبوية الوهمية للقائمة المشتركة

طه اغبارية
كما كان متوقعا وكما قلنا ذلك في أكثر من مقالة سابقة فقد عاد الجنرال غانتس الى أصله الصهيوني، وانحاز الى صهيونيته، وآثر أن ينضم الى حكومة اليمين والمستوطنين برئاسة نتنياهو على ان يشكل حكومة اسرائيلية برئاسته تعتمد على دعم مباشر او غير مباشر من (القائمة المشتركة) لأن اعضاءها عرب، ومن فاجأן ذلك فهو ذو نظرة سياسية ضحلة، وهو بحاجة الى اثراء ثقافته السياسية أكثر، وهو لم يدرك بعد ما هي الصهيونية على حقيقتها فكرا وسلوكا وخطابا ومواقف؟! ولو ادرك ذلك فيما مضى لكان على يقين كما كنا على يقين وكما كتبنا عن ذلك في اكثر من مقالة، مؤكدين ومحذرين في نفس الوقت ان غانتس هو الوجه الآخر لعملة نتنياهو، فهو غانتس بن نتنياهو كما أن نتنياهو ابن غانتس، والصهيونية هي الموجه الفكري الوحيد لكليهما سواء كان ذلك في لعبه الكنيست او غيرها، وسلفا قد يختلفان في ظاهر الامر في التكتيك ولكن لا يمكن ان يختلفا في الاستراتيجيات في يوم من الايام، لأن الصهيونية الموجه الفكري الوحيد لكليها هي التي تحدد لكليهما هذه الاستراتيجيات وتمليها عليهما، وعلى ايقاع كل هذه الاستراتيجيات الصهيونية سار كل رؤساء الحكومات الاسرائيلية السابقة دون استثناء سواء كانوا من اليمين الصهيوني او اليسار الصهيوني او المركز الصهيوني، وعلى سبيل المثال يوم ان تم ابعاد زبدة من قيادات شعبنا الفلسطيني الفكرية والدينية والسياسية الى مرج الزهور كان ذلك بمبادرة من حكومة اسرائيلية رئيسها اسحاق رابين (الذي تغزل به ايمن عودة في ذكرى مقتله قبل عام تقريبا) وقامت تلك الحكومة على اليسار الصهيوني الذي كان يقوده يومها شلوميت الوني ويوسي سريد، مع التذكير حتى لا ننسى ان تلك الحكومة كانت تحظى بدعم غير مباشر من كل اعضاء الكنيست العرب بما كان يعرف يومها باسم (الجسم المانع) ومع ذلك تم ذلك الابعاد بقرار صادر عن حكومة مركز صهيوني ويسار صهيوني وبدعم غير مباشر من كل اعضاء الكنيست العرب الذين كانوا يمثلون في تلك الايام الجبهة والحزب العربي الديمقراطي، لا بل في أيام تلك الحكومة اوقع الاحتلال الاسرائيلي اكثر من مجزرة في المسجد الاقصى، وواصل الاحتلال الاسرائيلي سعيه المجنون لأنها الانتفاضة الفلسطينية، وسار على سياسة تكسير العظام ثم على سياسة التصفيات ثم على سياسة الابعاد الى مرج الزهور، الى جانب كل ذلك واصل الاستيطان الاحتلالي الإسرائيلي تمدده تحت غطاء تلك الحكومة في غزه والضفة الغربية والقدس المباركة، وحتى لا ننسى فقد ارتكب المجرم باروخ غولدشطين في ايام تلك الحكومة مجزرة الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل وتم تقسيم الحرم الإبراهيمي تقسيما زمانيا ومكانيا بعد تلك المجزرة المروعة الدموية التي وقعت في شهر رمضان المبارك، ثم كللت تلك الحكومة كل أيامها باتفاقية أسلو التي كانت بمثابة النكبة الثانية عل شعبنا الفلسطيني بعد النكبة الأولى في الاربعينات ولذلك يضحك على نفسه وعلى غيره اي واحد منا اذا حاول ان يسوق لجماهيرنا الكادحة نظرية سياسية مكشوفة العورة مفادها أن ما لا يمكن تحقيقه في ايام حكومة اسرائيلية يمينية فأنه يمكن تحقيقه في أيام حكومة اسرائيلية تعتمد على المركزالصهيوني واليسار الصهيوني!! وسيكتب تاريخ جماهيرنا الكادحة ان القائمة المشتركة هي التي حاولت ان تسوق لجماهيرنا الكادحة هذه النظرية الشعبوية الوهمية مكشوفة العورة عن سبق إصرار منها بدعم من الصناديق الصهيونية الأمريكية وهي تعلم أنها نظرية مكشوفة العورة ومع ذلك حاولت ان تسوقها والا لما تلقت ولو دولارا واحدا أمريكيا من هذه الصناديق الصهيونية الأمريكية؟! فهي القائمة المشتركة التي حاولت ان تسوق لجماهيرنا الكادحة الجنرال غانتس على انه تحول من غراب الى حمامة سلام، ومن رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الى رئيس لأكثرية اليهودية والأقلية العربية، وسيلبي طلبات كل هذه الأقلية العربية، ولذلك لا بد من التوصية به رئيسا، ولا بد من الانخراط في حكومته، ولو على حساب الثوابت الوطنية والقضايا الوطنية، وحتى لو أدى ذلك الى فك الارتباط بين جماهيرنا الكادحة في الداخل الفلسطيني وسائر شعبنا في القدس المباركة وغزة والضفة الغربية والشتات!! نعم هي القائمة المشتركة التي حولت ان تسوق لجماهيرنا الكادحة هذه النظرية الوهمية، وهي القائمة المشتركة التي بنت بناء على هذه النظرية الوهمية هرما من الاوهام، وراحت تطل على جماهيرنا الكادحة أسبوعيا قبيل انتخابات لعبة الكنيست رقم (23) بنشرة شعبوية وهمية تقسم فيها الإيمان المغلظة أنها بعد أن توصي بغانتس رئيسا للحكومة، وبعد أن تنخرط في حكومته فستحقق كل مطالب جماهيرنا الكادحة بدون تنازل عن أي مطلب!! وحتى تتقن القائمة المشتركة تسويق هذه النظرية الشعبوية الوهمية مكشوفة العورة إستعانت بلجنة الوفاق الوطني التي واصلت كيل لها المديح لها (على الحامية والباردة)!! واستعانت بطابور من الصحف والصحفيين وراحوا يؤدون لها (تحية العلم!!) ويغدقون عليها ألمع النعوت السياسية فاقعة اللون!! واستعانت بخبراء إعلام وشركات دعاية وراح هذه الجيش الإعلامي يروج كل شعار من شأنه ان يقوي من سطوة هذه النظرية الشعبوية الوهمية مكشوفة العورة عل تفكير وسلوك جماهيرنا الكادحة في الداخل الفلسطيني، لدرجة أن هذا الجيش الاعلامي بات يشعر هذه الجماهير الكادحة انها دخلت في ثورة حتى النصر، وستطيح بالضربة القاضية بنتنياهو واليمين الاسرائيلي والاستيطان الاسرائيلي تحت سقف الكنيست!! ثم هرولت الجماهير الكادحة الى صناديق انتخابات لعبة الكنيست رقم (23) وراح جيش الاعلام الذي جندته القائمة المشتركة وأغدقت عليه رزم الدولارات من الصناديق الصهيونية الامريكية راح هذا الجيش(يتفنن!!) في عرض هرولة هذه الجماهير الكادحة الى هذه الصناديق السرابية، وراح يعرض صورة لطاعن في السن او لعجوز أنهكها المرض او لأم تعانق أطفالها ومع ذلك أصروا أن يصلوا هذه الصناديق السرابية وأن يدلوا بأصواتهم دعما للقائمة المشتركة!! وامام هذا المشهد لا يمكنني الا أن أقول: يرحمك الله أيها المذيع المصري أحمد سعيد!! لقد أحيى هذا الجيش الإعلامي شعاراتك المشهورة (هنيئا لك يا سمك.. طائرات العدو تتساقط كالذباب…أم كلثوم تنتظركم في تل-ابيب) لقد أحياها من جديد بعد أن كانت عظاما رميما!! ثم بعد أن حصلت القائمة المشتركة على خمسة عشر مقعدا، وبعد أن راحت تتبجح أنها حصلت على أعلى نسبة اصوات من جماهيرنا الكادحة في كل تاريخ لعبة الكنيست، وبعد أن سارعت وأوصت بغانتس رئيسا للحكومة بإجماع كل مركابتها (الجبهة والجنوبية والتجمع والطيبي)، وبعد أن أخذت تؤكد استعدادها للانخراط في حكومة غانتس، وبعد أن اصبحت الاجواء مواتية لغانتس أن يقيم حكومة برئاسته، بعد ذلك جاءت ساعة الحقيقة وانتهت ساعة الوهم وساعة النظرية الشعبوية مكشوفة العورة وساعة الشعارات الوهمية، واذ بغانتس يرتمي في احضان نتنياهو، ويرفض أن يكون رئيس حكومة بفضل الأصوات العربية!! لماذا؟! لأنه صهيوني، ولأن صهيونيته هي كصهيونية نتنياهو، ولأنها هي الموجه الأول له والوحيد، ولأنها المرجعية التي لا يوجد غيرها، لكل ذلك فلا يجوز لأصوات عربية وفق حساباتهأن تقرر مصير حكومة إسرائيلية حتى لو أن غانتس سيرأسها، فهي أصوات من الأغيار(الجوييم) وليست من أصوات (شعب الله المختار)، ولا يجوز لها أن تقرر مصير لعبة الكنيست، لأن مصيرها هو عنوان مصير المشروع الصهيوني، وهذا يعني لغانتس أن الموافقة على أن تقرر في مصير لعبة الكنيست هو إنتحار للمشروع الصهيوني!! لكل ذلك إرتمى غانتس في حضن نتنياهو وكسع القائمة المشتركة بلا تردد ولا ندم!! هكذا انهار الوهم الذي نسجته القائمة المشتركة حول لعبة الكنيست أولا وحول مقولة اليسار الصهيوني (اللايت) ثانيا، وحول مقولة المركز الصهيوني المتنور ثالثا، وحول الجنرال غانتس رابعا، وحول حكومة صهيونية من اليسار والمركز بدعم اصوات عربية خامسا، ولكن مع شديد الأسف بدل أن تتحلى القا ئمة المشتركة بالمسؤولية وتعترف بهزيمتها وبفشل نظريتها الشعبوية الوهمية مكشوفة العورة، راح أعضاؤها يتبنون خطاب مختار ضيعة تشرين الذي حاول بخطابه ان يضحك على ذقون أهل ضيعته وأن يحول الهزيمة النكراء الى نصر مبين!! وهكذا يحاول أعضاء القائمة المشتركة أن يدعوا الآن انهم لم يتفاجؤوا من ارتماء غانتس في أحضان نتنياهو، وانهم كانوا يتوقعون ذلك، وأنهم.. وأنهم…!! وهو هروب معيب ليس الا!! ومع ذلك فهناك الاقلام التي كانت داعمة للقائمة المشتركة في الماضي القريب ها هي تكتب اليوم تصريحا او تلميحا، وتؤكد ان القائمة المشتركة تعثرت وولدت من الوهم ونمت في الوهم وعاشت على الوهم وانتهت الى الوهم فمن يراجع تغريدات لكل من الرفاق رمزي حكيم وجعفر فرح ومحمود أديب وباسل غطاس وعوض عبد الفتاح ولعل القائمة ستطول لأنه لا يمكن استغباء جماهيرنا الكادحة، من يراجع تغريدات هؤلاء الرفاق يجد انهاء اختصرت كل هذه المقالة في تغريداتها، مما يؤكد لكل عاقل أنه مخطئ من يظن أنه بحفنة دولارات مصدرها صناديق دعم صهيونية أمريكية قد ينجح بجر جماهيرنا الكادحة كالقطيع الى نزوات أوهامه!! ونؤكد سلفا أننا لا نعتب على بعض الاقلام الشعبوية التي ما زالت تكتب عن هذه الكارثة الوطنية كأنه لم يحدث شيء!! ونحن لا نعتب عليها لأنها ما زالت في قمقم (القبلية الحزبية)، وما زال خطابها كخطاب دريد بن الصمة الذي قال ذات يوم:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت – وإن ترشد غزية أرشد
فهل من مدكر قبل أن ندخل في تيه وطني بلا حدود