صفقة القــرن.. الأزمنة الفلسطينية (1/3)

صفقة القــرن.. الأزمنة الفلسطينية (1/3)

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي
تعرضت بلاد الشام وفي القلب منها فلسطين، للغزو لأول مرة بعد الاندحار الصليبي عام 1879 على يد الاحتلال الفرنسي، حيث قاد الحملة نابليون بونابرت بنفسه وكشفت أحداث تلكم المرحلة عن حجم الصراع على المياه الدافئة بين بريطانيا وفرنسا وسعت من بعد ذلك بريطانيا لإلباس مساعيها لاحتلال المشرق عموما وفلسطين خصوصا لباسا دينيا مسيانيا ارتبط بنهايات التاريخ وعودة المسيح. وقد كانت تطمع في ذلك للسيطرة المطلقة على البحار ونقل بضائعها من الهند الى بريطانيا وأوروبا وقد شكلت الشام وفي القلب منها فلسطين مربطا أساسيا في هذه العملية.
لم تكن فلسطين منذ أن عرفت البشرية معنى الحضارة والمدنية بمعزل عن التطورات الجارية، فلطالما خضعت لاحتلال الحضارات القديمة وكذا المعاصرة، لكنها كانت دائما محطة عبور لتلكم الحضارات لا محطة قرار ومن أراد الاستقرار وظنَّ أن سياسات القتل والإرهاب ستديم سلطانه فقد كانت له الأقدار بالمرصاد، ولا أعلم حضارة استقرت على هذه الأرض ولامست الظلم والطغيان حتى الحضارة الإسلامية يوم فعل السلاجقة ما فعلوا في بيت المقدس وفلسطين إلا وكانت لهم سنّة التاريخ بالمرصاد.
أضع هذه المقدمة لأصل بالقارئ/ القارئة الكريم/ الكريمة إلى حقيقتين، الأولى أن الفلسطينيين من حيث هم سكان هذه البلاد أي قبل ان تتبلور هويتهم الفلسطينية والى هذه اللحظات في تحد مستمر مع التاريخ ومجريات أحداثه لا من حيث هو ذات قائمة بل من حيث الصيرورات التي تكتب التاريخ من بعد ،والحقيقة الثانية أن تعاقب الاحتلالات على أرض فلسطين يشي أن هناك قوة تكمن وراء اندثار هذه الاحتلالات مهما طال زمانها وأنَّ ثمة ماهية تسكن هذه الأرض لا من حيث أنها تراب لازب بل من حيث أنها تتمتع بقداسة علوية “خاصة” وقداستها هذه تلزمها بالتطهر والتطهير كلما قارب من احتلها الظلم وتغول فيه وأحال البلاد إلى يباب. لذلك فإسرائيل كدولة احتلال لن تشذ عن هذه القاعدة وإن توسلت الدين والأيديولوجيا لسيطرتها واحتلالها.
أزمنة فلسطينية خاصة
لو استعرضنا ما تعرضت له هذه البلاد منذ الغزو النابليوني إلى هذه اللحظات، سنجد أنه تداور على حكم هذه البلاد عملاقين، الدولة العثمانية وفي أثناء حكمها لبلاد الشام ومنها فلسطين حدثت عدة تجاوزات وثورات منها تمرد الظاهر عمر وقد سعى محمد علي باشا عبر ابنه إبراهيم باشا لاحتلال فلسطين وبلاد الشام (1831-1840) أثناء نزاعه مع الدولة العثمانية، واستغلت بريطانيا ضعف الدولة العثمانية لفرض أجنداتها في المنطقة عموما وفي فلسطين خصوصا لحمايتها من سطوة محمد علي باشا الذي بات قرنه يرتفع بسرعة ويبشر بتغيرات تؤسس لمرحلة، جديدة فهزمت محمد علي باشا وأوكست الدولة العثمانية، وقد حكمت بريطانيا فلسطين مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى التي تم توريط الدولة العثمانية فيها واحتلت فلسطين بين سنوات 1917 وحتى عام 1948 وذلك كثمرة من مخططات بريطانية فرنسية أمريكية، حيث هيأت بريطانيا الأرضية للحركة الصهيونية لحكم البلاد برسم تكليفها من عصبة الأمم كمنتدبة عنها لتقوم إسرائيل بقرار أممي عام 1947 عُرفَ بقرار 181 وانتهت بنكبة أولى للفلسطينيين عام 1948 لتقسم بلادهم تحت حكم إسرائيلي وآخر مصري وثالث اردني. وبين قيام إسرائيل وتوقيع اتفاقية أوسلو جرت مياه كثيرة في مسيرة الشعب الفلسطيني كان من أهم عناوينها قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وطرح العشرات من المقترحات لحل القضية الفلسطينية كلها كانت تمالي الاحتلال الإسرائيلي وسعت للحفاظ عليه.
كانت اتفاقية أوسلو قاسمة الظهر للشعب الفلسطيني فهذه الاتفاقية مهدت عمليا لما يسمى صفقة القرن. وأكثر ما توصلت إليه اتفاقية أوسلو قدوم منظمة التحرير الى الأرض الفلسطينية تحت الحراب الإسرائيلية وقيام الحكم الذاتي وذلك مقابل الاعتراف بإسرائيل وإنهاء الكفاح المسلح ونبذ المقاومة والالتزام بأمن إسرائيل.
عمليا بدأت مسيرة التخلي عن تحرير كامل التراب الفلسطيني عام 1974 حين أعلنت المنظمة عن برنامجها المرحلي المعروف بالنقاط العشرة، وقد سبق ذلك تصريحات لمحمود عباس مطلع تسعينات القرن الماضي، ولكن التصريح الأكثر أهمية والأكثر وضوحا والكاشف لسياسات المستقبل الفلسطينية، ما كتبه رئيس منظمة التحرير عام 1979 الراحل ياسر عرفات في مقدمة كتاب “الفكر السياسي الفلسطيني 1964-1974- دراسة للمواثيق الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية -مركز الأبحاث/ منظمة التحرير الفلسطينية “. كتب الراحل عرفات: “فلسطين هي وطننا، وطن الفلسطينيين ومن حق شعب فلسطين أن يقيم سلطته الوطنية، أن يقيم دولته فوق أي شبر من هذا الوطن ينحسر عنه الاحتلال الصهيوني”. وتشكل هذه الكلمات أداة مفتاحية لفهم العقلية التي قادت الشعب الفلسطيني على مدار عقوده الستة المنصرمة وإلى ما وصلنا اليه اليوم، فمعاني السلطة كمقدمة للدولة كانت حاضرة وبقوة في ذهنية قيادي كعرفات. كما أنها عبّرت بوضوح عن برنامجها السياسي المرحلي الذي عُرِفَ ببرنامج النقاط العشر.
شكل عام 1974 نقطة تحول كبرى في تعاطي منظمة التحرير مع القضية الفلسطينية، حاضرا ومستقبلا، وانتكاسة أولى عن الميثاق الوطني الفلسطيني، وبدا واضحا في تلكم السنوات استحواذ حركة فتح على المنظمة ومساراتها المتعرجة مع القضية الفلسطينية فعلى خلفية حرب رمضان/ تشرين أول عام 1973 ومشاريع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كيسنجر للتسوية، أعدت منظمة التحرير عام 1974 (عمليا من أعدَّ البرنامج السياسي حركة فتح وقدمه للمجلس الوطني نيابة عن حركة فتح من باب رفع العتب الجبهة الديموقراطية) برنامجها السياسي المرحلي الذي أدى الى أول شرخ في المنظمة، حيث رفضته الجبهة الشعبية والقيادة العامة ما شكل انكسارا في الاجماع الفلسطيني وتفتيت لوحدته على الرغم من عودة الشعبية بعد ذلك الى حضن المنظمة فقد تشظت منظمة التحرير وما عاد بالإمكان الزعم أنها تمثل الكل الفلسطيني.
من أهم نقاط البرنامج السياسي للمنظمة، إن لم يكن الأهم، البند المتعلق بالكفاح المسلح (البند الثاني)، حيث ورد النص التالي: “تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها. وهذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله”…وفيه إشارة وبيان الى انخفاض السقف الوطني من تحرير كامل التراب الى أي جزء يتم تحريره واعتماد كافة الوسائل لتحقيق التحرير ولو التحرير المرحلي على أي جزء مهما صَغُر.
في رؤية تاريخية كان من الممكن الحديث عن فن وسياسة المراحل المراكمة لإنجازات تخدم الشعب الفلسطيني كما فعلت عديد حركات التحرر في العالم، حيث زاوجت بين البندقية والدبلوماسية وضمان دعم محيط بها إقليمي أو حتى دولي، لكن متابعة سير ومجريات الاحداث في نهر القضية الفلسطينية سنجد استفراد فصيل بعينه في مصير شعب بأكمله- وهو ما كان يُؤَخذُ على الحاج أمين الحسيني- حيث كان هذا الاستفراد في رأيي من الأسباب المباشرة لما آلت إليه القضية الفلسطينية، واذا كانت المراكمات أساسا لتحقيق الغايات فإنَّ المراكمات السياسية وغير السياسية التي قامت بها حركة فتح تحت غِطاء منظمة التحرير أدت الى هذه النتيجة التي تجلت في صفقة القرن وموافقة دول عربية عليها ولا أستبعد موافقة بعض القيادات الفلسطينية ممن آمنت بخط التنازلات تحت مسمى الدبلوماسية والتكتيك والتفاوض من أجل التفاوض.
ما بين عام 1988 وعام 1996 قدّمت منظمة التحرير الفلسطينية تنازلات هائلة تجاوزت نقاطها العشر، بل وجعلتها رهينة للإدارة الامريكية المنحازة بالمطلق لإسرائيل، فبدلا من أن يستثمر عرفات ومن معه الانتفاضة الأولى لصالح مشروع تحرير منجز على الأرض، اعتمدت المنظمة في الدورة التاسعة عشرة المنعقدة في الجزائر وثيقة استقلال (وهمية) وإعلان الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين والقرار 242، والحقيقة أن هذا الإعلان كان في خلفياته فتح منفذ للمنظمة لتتواصل مع الإدارة الامريكية وتأسيسا فيما بعد لما صرّح به عرفات في مؤتمر صحفي في جنيف حيث اعترف فيه – في المؤتمر- صراحة بإسرائيل، وأكدَّ على نبذ الإرهاب واعترف بقرارات مجلس الامن 242 و338.
جاءت اتفاقية أوسلو تتويجا لمسار الدبلوماسية الذي آمنت به حركة فتح ولكن التتويج الحقيقي لذلك المسار كان عام 1996 حين عقد المجلس الوطني الفلسطيني بعد غياب خمس سنوات، وَهَدَفَ الانعقاد إلى إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، وقد تم إلغاء 12 مادة وتم تعديل 16 مادة وكلها تتحدث عن المقاومة والكفاح المسلح واعتبار إسرائيل كيانا عنصريا واستيطانيا وتجريم المقاومة والاعتراف بإسرائيل كدولة لها الحق الكامل في العيش بسلام وآمن، وألغت البنود الموقف الرافض لوعد بلفور وصك الانتداب، وفي عام 1998 جاء كلنتون بنفسه وحضر المؤتمر المنعقد للمجلس الوطني في غزة والذي أقرَّ البنود الملغاة والمعدلة، وهو ما يعني أنَّ منظمة التحرير بقيادة فتح تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية إزاء ما وصلنا إليه، ويترتب على هذه الحقيقة التاريخية القريبة التي راكم عليها الإسرائيليون منجزات تترا، كانت ذروتها صفقة القرن، ويجب محاسبة من تسبب في هذه الكارثة .
مأساة الشعب الفلسطيني انه ابتلي بقيادة اقلُّ ما يقال فيها إنها غير مسؤولة، فهي لم تبال بحجم التضحيات التي قدّمها ولا يزال هذا الشعب وما يتمتع به من مقدرة هائلة على التضحية ومواصلة كفاحه ولو قُدِرَ للشعب الفلسطيني أن تكون قياداته مسؤولة وتتمتع بأخلاق وبمهارة سياسية تستثمر نضالاته ومقاومته، لما آلت ظروفه إلى واقعنا الراهن، حيث تفرض عليه صفقة القرن من اتجاه واحد وعليه القبول بها وتؤسس لمرحلة قاتمة لا تبشر بخير قط.