معركة الوعي (291) قضية الأرمن من جديد
حامد إغبارية
1)
في الأصل، ومن حيث المبدأ، فإن الدول ذات السيادة والإرادة تتخذ المواقف من مختلف القضايا انطلاقًا من مبدأ أصيل، دون الالتفات إلى المصلحة السياسية، أو إلى تبعات تلك المواقف. هكذا يأتي الموقف أخلاقيًا، مبدئيًا أصيلًا.
في عالمنا اليوم لا تكاد تجد دولة على كوكب الأرض تتصف بهذه الصفات، إذ إن المصالح السياسية والاقتصادية، وفي كثير من الأحيان، التبعية لدولة كبرى (عظمى!!) أو لمعسكرات دولية، هي المحرك الأساس لمواقف الدول من أية قضية ذات شأن. ونادرًا ما تجد دولة تملك إرادتها السياسية والسيادية، تعبر عن موقف مبدئي من قضية عينية، وتخوض لأجل ذلك مواجهة سياسية أو دبلوماسية مع دولة أو معسكر لهما موقف مخالف من تلك القضية العينية، لكن في نفس الوقت تحرص تلك الدولة على عدم وصول المواجهة إلى أزمة حقيقية تضر بمصالحها.
2)
تلك هي لعبة السياسة الدولية المبنية على أسس فاسدة تقوم على المصلحة، ولا علاقة لها بالعدالة أو الحقائق، خاصة إذا ما كان الأمر يتعلق بقضية ذات بُعد تاريخي أو ديني، ويتحكم بتفاصيلها من يملكون زمام الأمور في السياسة الدولية فيزورون الحقائق ويقلبونها رأسًا على عقب. وهذا ينسحب على جميع القضايا، منها على سبيل المثال قضية الصراع على فلسطين، أو قضية الهنود الحمر، أو قضية كشمير المسلمة، أو قضية تركستان الشرقية (في الصين)، أو ما يُعرف بقضية “مذبحة الأرمن” في أواخر الحكم العثماني.
3)
قبل أيام قررت حكومة نتنياهو الاعتراف رسميًا بما يسمونه “مذابح الأرمن” عام 1915، أثناء الحرب العالمية الأولى، في أواخر الدولة العثمانية التي عمل أجداد نتنياهو على إسقاطها بالتعاون مع قوى الاستعمار التي كانت تتولى كبرها – يومئذ – بريطانيا وروسيا القيصرية، ومع عملاء الاستعمار الفاسدين من الأتراك الذين تآمروا على الخلافة الإسلامية من الداخل. فما الذي حدث الآن حتى تُقدم الحكومة الإسرائيلية على خطوة كهذه، بعد أن أحجمت عنها طوال السنوات الماضية؟ وعلى ماذا بنت حكومة نتنياهو موقفها هذا؟ هل بنته على أدلة تاريخية كانت غائبة عنها طوال الفترة الماضية؟
4)
إن المسألة لا تعدو كونها نوعًا من المناكفة السياسية والرغبة في الرد على مواقف الدولة التركية اليوم، فيما يتعلق بجرائم الاحتلال في غزة.
ولعل هناك سببًا آخر أكثر وجاهة دفع نتنياهو وحكومته إلى اتخاذ ذلك القرار، يتعلق بما صرح به الرئيس التركي أردوغان، ووزراء في حكومته حول سعيهم إلى استرداد السيادة الإسلامية على القدس والمسجد الأقصى من أيدي الاحتلال. ولو كان قرار حكومة نتنياهو صادرًا عن موقف مبدئي وأخلاقي – حاشا لله – كما حاولوا تصويره في إعلامهم المضلل، لفعلوا ذلك منذ زمن بعيد. وقد كان يمكنهم أن يلحقوا بركب واشنطن التي كانت قد اعترفت رسميًا بفرية “مذابح الأرمن” عام 2019، لكنهم لم يفعلوا لأن مصلحتهم في الحفاظ على العلاقات مع تركيا كانت فوق كل اعتبار، خاصة وأن تلك العلاقات شهدت توترات في العديد من المحطات، من بينها قضية أسطول الحرية (مرمرة)، والحروب التي شنها الاحتلال على غزة منذ 2008 إلى 2021.
ولعل أفضل ما يفضح نوايا الحكومة الإسرائيلية في قرارها الأخير، هو رد فعل رئيس حكومة أرمينيا (وهي الدولة التي يُفترض أنها المعنية الأولى بهذا الملف)، حين قال إن أرمينيا لا تريد تحويل القضية إلى مناكفات سياسية، ولذلك لم تصدر حكومة أرمينيا أي تعقيب رسمي على القرار الإسرائيلي، الأمر الذي شكل صفعة غير متوقعة على صفحة وجه نتنياهو من (صاحب الشأن)!!
5)
إن القضية ليست قضية الأرمن، وإن آخر من يحق له الحديث عن المجازر والمذابح وحقوق الشعوب هي تحديدًا وحصرًا المؤسسة الإسرائيلية. فسجلها في هذا المجال تزكم رائحته الأنوف.
6)
هناك في الخفاء أمور تجري فيما يتعلق بموقف تل أبيب من تركيا. ويبدو أن هناك، في الأدراج، خططًا لاستهداف تركيا، ضمن مخطط أكبر تشارك فيه تل أبيب وواشنطن، ومعهما دول أوروبية وأنظمة عربية، لإضعاف كل قوة من شأنها أن تهدد الهيمنة الإسرائيلية – الأمريكية على المنطقة، ومن ثم تهدد طموحات المشروع الصهيوني الكبرى في تحقيق حلم مملكة إسرائيل الكبرى. ولن تكون تركيا هي المستهدف الوحيد في التحركات القادمة، بل سيشمل ذلك باكستان (النووية)، ومصر التي يهتز عرش فاسدها الأكبر، وسوريا التي أصبحت منذ إسقاط نظام آل الأسد محط آمال شعوب المنطقة التي تئن تحت وطأة البطش والقمع والمجازر.
7)
وعودة إلى قضية “مذابح الأرمن” والحقائق التاريخية التي عمل الغرب والحركة الصهيونية على إخفائها وتحريفها وتزويرها، لا من أجل الأرمن ومصلحتهم، وإنما من أجل تحقيق أجندات سياسية خبيثة.
كنت قد نشرت عام 2019 مقالين حول قضية الأرمن، أوردت فيهما تفنيدًا لمزاعم ارتكاب العثمانيين مجازر ممنهجة ضد الأرمن. ووجدت من الضروري والواجب أن أقدم ملخصًا للمقالين، حتى يعلم من لا يعلم حقيقة هذا الملف، وحقيقة ما يقف خلف القرارات التي تعترف بها دول حول العالم (23 دولة فقط من مجموعة 195 دولة)، ومنها المؤسسة الإسرائيلية.
في كتابه “مذابح الأرمن ضد الأتراك في الوثائق العثمانية والروسية والأمريكية” يقدم الدكتور أحمد عبد الوهاب الشرقاوي، نحو 90 وثيقة عثمانية، وتقريرين عسكريين روسيين، وتقريرًا للجنة برلمانية أمريكية، كلها تتحدث عن الفترة الواقعة بين 1914 و1922. وتؤكد الوثائق التي تتضمن شهادات حية من شهود عيان أن ما حدث لم يكن مذابح ممنهجة ارتكبها الأتراك ضد الأرمن، بل إن وثائق الحرب العالمية الأولى تؤكد العكس تمامًا، وتتحدث عن مذابح ممنهجة ارتكبها الأرمن، الذين شكلوا عصابات دموية بدعم روسي واضح وفاضح، ارتكبت من الفظائع ضد المدنيين الأتراك، نساءً وأطفالًا وشيوخًا وأفرادًا مدنيين، ما تقشعر منه الأبدان. وقد أحصت الوثائق أكثر من نصف مليون ضحية من المسلمين الأتراك على أيدي المليشيات الأرمنية الدموية، وجميع هؤلاء الضحايا كانوا من المدنيين ولم يكن بينهم جنود أو عسكريون. بل إن الوثائق تشير إلى أن عدد المسلمين الذين ذبحهم الأرمن أكبر بكثير من العدد المذكور، إلا أن الوثائق لم تتمكن من إحصائهم لغياب الشهادات الحية، وذلك لأن عصابات الأرمن أبادت قرى تركية مسلمة بأكملها ولم ينجُ منها من يقدم شهادة، وفي كثير من القرى جرى التخلص من الجثث بإلقائها في قنوات الصرف الصحي والآبار، أو بإحراقها تمامًا، أو هدم البيوت عليها وتركها تحت الأنقاض، أو دفنها في مقابر جماعية.
8)
في إحدى الوثائق وردت شهادة من طالب طب روسي وممرضة روسية كانا يعملان في الصليب الأحمر الدولي، أكدا فيها أن الأرمن كانوا يرتكبون أعمال العنف بشراسة ضد المسلمين الأتراك من المدنيين، وخاصة النساء والأطفال. وتروي الممرضة أن أحد قادة العصابات الأرمنية كان ينسق جرائمه مع قائد ميداني أرمني. وقد ارتكبا سويًا جرائم ذبح مئات الأطفال الأتراك المسلمين، ومنهم على سبيل المثال ذبح مجموعة من الأطفال كانوا في ملجأ للأيتام، إضافة إلى ذبح الأسرى الأتراك، واغتصاب النساء والفتيات المسلمات. ويؤكد أحد الضباط الروس في شهادته أن الثورة البلشفية عام 1917 سببت فوضى في نظام الانضباط في الجيش الروسي، الأمر الذي فتح المجال أمام العصابات الأرمنية التي كانت تتلقى الأوامر من ضباط الجيش القيصري، فعاثت في القرى المسلمة فسادًا وذبحًا ونهبًا وسلبًا. وقد قتلت العصابات الأرمنية أعدادًا ضخمة من الأتراك المسلمين بدم بارد.
9)
في سنة 1919 قرر الكونغرس الأمريكي تفويض لجنة أمريكية (تحمل اسم لجنة نايلز – سزرلاند) للتحقيق في أوضاع المنطقة الشرقية في الإمبراطورية العثمانية على أثر الحرب العالمية الأولى، وذلك بهدف تحديد نوع المساعدات التي يمكن تقديمها عن طريق اللجنة الأمريكية للإغاثة في الشرق الأدنى. ويروي واضعا التقرير الفظائع التي اطلعا عليها أثناء مرورهما في تلك المنطقة، ومما جاء في التقرير: “هذه المنطقة شهدت قتالًا بين الروس وحلفائهم الأرمن وبين الأتراك، وجرت أعمال سلب ونهب ومذابح، ترتب عليها دمار شامل، خاصة في منطقتي “بتليس” و”فان” اللتين دُمر تسعة أعشارهما، علمًا أن سكان تلك المنطقة غالبيتهم من المسلمين. وعلمنا أن الدمار نفذه الأرمن..!”
هذا في الوقت الذي يؤكد التقرير الأمريكي أن بيوت وممتلكات وكنائس الأرمن لم تُصب بسوء، في حين أن ممتلكات المسلمين ومنازلهم دمرت تدميرًا كاملًا. ويضيف التقرير الأمريكي أن هذا المشهد تكرر في منطقة “أرضروم”، التي يسكنها أتراك وأكراد مسلمون، حيث إن الأرمن، قبل انسحابهم من تلك المنطقة، دمروا قرى كاملة وارتكبوا مذابح وفظائع ضد السكان المسلمين. وقد أكد التقرير حقيقة الأمر بشهادة أحد الضباط البريطانيين الذي كان يخدم في تلك المنطقة.
10)
يقول المؤرخ الأمريكي “جاستن ماكرثي” في كتابه “الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين”: “لم يذكر أحدٌ هجمات الأرمن على المسلمين، ولم يأخذها بالحسبان إلا نادرًا، أما هجمات المسلمين على الأرمن فهي التي حظيت بالاهتمام والإبراز. وقد كان من السهل على المعلقين أن يصوروا المسلمين على أنهم متوحشون يحتاجون بين الحين والآخر إلى قتل المسيحيين، بينما الحقيقة أن الأرمن هاجموا المسلمين، وفي أغلب الأحيان دون استفزاز واضح أو مبرر مباشر”.
كان الأرمن الذين يسكنون شرق الأناضول ضمن سلطة الخلافة العثمانية، يسعون إلى تحقيق الانفصال عن الدولة العلية، وإنشاء دولة نصرانية مسيحية تابعة للنظام القيصري في روسيا. وقد عملت دول الغرب الصليبي على تحريض الأرمن من أجل التمرد على الخلافة وإثارة القلاقل من خلال تقديم العون المالي والعسكري للعصابات الأرمنية التي بدأت تتشكل في أواخر القرن الثامن عشر.
في سنة 1796 ميلادية وقعت المدينة العثمانية “دربند” في الأناضول تحت حصار القوات الروسية، فعمل جواسيس الأرمن من داخل المدينة والمنطقة على تزويد القوات الروسية بالمعلومات المتعلقة بالإمدادات العثمانية للمدينة، الأمر الذي مكن الروس من السيطرة على المدينة. ولما بدا لهم أن الروس اقتطعوا أجزاء من الأناضول وسيطروا عليها، بدأ الأرمن يتمردون ضد السلطة العثمانية في مواقع عدة في المنطقة، وعاثوا فسادًا وقتلًا وذبحًا وتخريبًا في القرى المسلمة في تلك المنطقة. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، استغل الأرمن انشغال الجيش العثماني بالحرب، في الوقت الذي أعلنت روسيا القيصرية الحرب على الدولة العثمانية، فرفع الأرمن من وتيرة تمردهم في شتى مناطق شرق الأناضول، وما إن دخل عام 1915 حتى تصاعدت جرائم الأرمن ضد المسلمين في مناطقهم، فلم يكن أمام السلطة العثمانية إلا أن تتخذ قرارًا بنقل الأرمن من مناطقهم في شرق الأناضول إلى أماكن أخرى، بهدف عزلهم عن التواصل مع القوات الروسية. وقد صدرت القرارات الواضحة أن نقل الأرمن يجب أن يكون سلميًا، مع الحرص على عدم إلحاق الأذى بأي منهم، وتوفير الرعاية الصحية للجميع وتوفير المؤونة الكافية لهم، وتوطينهم في أماكن مشابهة لأماكن سكناهم. وكل هذه التفاصيل أوردها “ماكرثي” في كتابه، وهي مدونة في الأرشيف العثماني.
11)
هذه هي حقيقة الأمر.. نفَسٌ صليبي يؤزه نفَسٌ صهيوني ليس فقط ضد كل ما يتعلق بتركيا الحديثة أو بالخلافة العثمانية، وإنما بكل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين. (للمزيد يمكن الرجوع للمقالين في موقع “موطني 48” تحت عنوان “في قضية الأرمن: من ذبح من؟!”).
