في ذكرى حطين: عزم لا يلين وأمل بالفرج ويقين

الشيخ كمال خطيب
في مثل هذا اليوم الجمعة 3/7 بل وفي مثل هذه الساعات وعلى نفس هذه الأرض وفي المنطقة التي نسكنها من أرض الجليل كانت تدور وتجري أحداث تملأ المسلم شموخًا وإباء يطاول به عنان السماء، إنها معركه حطين التي وقعت أحداثها في مثل هذه الساعات من العام 1187. معركة حطين التي قادها الفاتح البطل صلاح الدين الأيوبي الكردي في مواجهة زحوف وجيوش الحملة الصليبية التي قادها ملوك بريطانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا وألمانيا وغيرهم.
انتهت معركة حطين بهزيمة منكرة للصليبيين وتمريغ أنوفهم في تراب حطين، وبدأ الزحف المبارك نحو القدس لحصارها ثم تحريرها بعد ثلاثة أشهر وتحديدًا يوم 3 أكتوبر 1187 وكانت هي ليلة 27 رجب ليلة الإسراء والمعراج، وانتهت وطويت صفحات سوداء حزينة من صفحات تاريخ القدس والمسجد الأقصى التي بدأت في العام 1099 يوم انسحبت من القدس الحامية الباطنية الشيعية المصرية وتركوا القدس للصليبيين دون قتال ولا دفاع عنها، فاستباحوا دماء وأعراض أهلها وحرمة مسجدها الأقصى، وفي ساحاته ذبح الصليبيون سبعين ألفًا من أهل القدس كانوا قد دخلوا المسجد الأقصى واحتموا فيه ظانين أن للمساجد، بيوت الله حرمة عند أولئك الغزاة.
كان همّ تحرير القدس والمسجد الأقصى يلازم قادة خيّرين أمثال عماد الدين زنكي وابنه نور الدين ثم صلاح الدين الذي كانت خطته العسكرية عمادها أن تحرير القدس يبدأ من تحرير القاهرة ودمشق ممن يحكمونهم من الأمراء المسلمين الفاسدين عملاء الصليبيين وهكذا كان، فحرّر صلاح الدين القاهرة في العام 1170، ثم دمشق في العام 1181، ثم حلب في العام 1183، ثم الموصل في العام 1185، ثم كان بعدها تحرير القدس في العام 1187.
القشّة التي قصمت ظهور الصليبيين
كان صلاح الدين حزينًا مهمومًا لا تعرف البسمة إلى شفتيه سبيلًا على حال المسجد الأقصى وقد داسته ودنّسته خيول الصليبيين، بل وجعلوا قسمًا منه اصطبلًا لخيولهم، وبات الآذان لا يرفع على مآذنه، بل وأنزلت الأهلّة عن قبابه ورفع مكانها الصلبان، وأصبح علوج الصليبيين يشربون الخمر في ساحاته ويتحكّمون في الدخول إليه، يسمحون لمن يشاؤون ويمنعون من يشاؤون إلى أن وصلت إلى صلاح الدين رسالة كتبها أحد أبناء القدس على لسان المسجد الأقصى يقول فيها لصلاح الدين:
يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكّس
جاءت إليه رساله تسعى من البيت المقدّس
فكل المساجد طهّرت وأنا على شرفي مدنّس
لكن القشّة التي قصمت ظهر الصليبيين، أن أميرًا من أمرائهم يدعى “أرناط” وكان يحكم حصن الكرك، ولغروره وحقده فإنه اعترض قافلة من الحجاج المسلمين كانت متوجّهة من الشام إلى مكة والمدينة، فاعترض أرناط القافلة فسلب الأموال واغتصب النساء وقتل الرجال وهو يقول لهم متحديًا، أين محمد ينتصر لكم؟! وأبقى على رجل واحد حيًا ليرجع ويحدّث بما رأى وسمع من أفعال أرناط بالحجاج.
غضب صلاح الدين غضبًا شديدًا لانتهاك حرمة وأعراض ودماء المسلمين، ونذر وأقسم بالله أنه إذا وقع أرناط أسيرًا فإنه سيقتله بيديه. وزاد من غضب صلاح الدين أكثر وأكثر ما بلغه من خبر إرسال أرناط أمير الكرك أسطولًا بحريًا صليبيًا من العقبة صوب الحجاز والمدينة المنوّرة لنبش قبر رسول الله ﷺ، فقال صلاح الدين: “لا حول ولا قوة إلا بالله، المسجد الأقصى والآن مسجد رسول الله ﷺ؟!” وأرسل إلى أمير البحر المصري حسام الدين ليتحرّك بأسطوله ويعترض طريق أسطول الصليبيين فأحرق كل سفنه، وقتل كل جنوده، وأبقى على اثنين منهم نحرهما يوم عيد الأضحى في موسم الحجّ ليكونا عبرة لمن يعتبر من الصليبيين.
من هنا مرّ الأبطال
كان التحشيد على قدم وساق لمعركة استرداد القدس وتطهير المسجد الأقصى، لكن خبر مقتل الحجاج ثم تجهيز الأسطول لاحتلال المدينة ونبش قبر رسول الله ﷺ قد سرّعا في تحريك جيوش المسلمين من مصر ومن الشام ومن الموصل ومن بلاد المغرب العربي، وقد تجمع كل هؤلاء في منطقة حوران جنوب سوريا ومن جنوب بحيرة طبريا وقد وصلوا إلى سهل كفر سبت وهناك كان رباطهم ومعسكرهم.
أما الصليبيون فكانوا قد تجمعوا من إمارات صور وعكا والكرك وطرابلس والقدس، وكان معسكرهم في الجهة المقابلة في سهل حطين وما يعرف اليوم بقرون حطين حيث الهضبتان المرتفعتان نهاية السهل.
بعد كل الإعداد والتجهيز الذي قام به صلاح الدين إلا أنه كان في كل صلاة وخاصة خلال صلاة قيام الليل، فإنه كان يدعو الله في سجوده باكيًا يقول: “اللهم قد انقطعت أسباب الأرض في نصرة دينك فلم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتماد عليك، أنت حسبي ونعم الوكيل”.
وفي يوم الخميس 2/7 قام صلاح الدين بالسيطرة على بحيرة طبريا وعلى كل الشاطئ الغربي لها لمنع الصليبيين من الوصول إلى ينابيع المياه الحلوة للشرب والتزوّد بالماء.
وفي يوم الجمعة 3/7 وكان يوم قيض وحرّ شديد، فقد أمر صلاح الدين بإشعال النار في السهل حول معسكر الصليبيين حيث الأشواك والأعشاب الجافّة، فاشتد الحرّ وامتلأ المكان دخانًا ولهيبًا.
وفي يوم السبت 4/7 بدأ صلاح الدين هجومه الكاسح على معسكر الصليبيين، لكنها المعركة التي لم تستمر أكثر من سبع ساعات قُتل فيها من الصليبيين الآلاف وأسر الآلاف وهرب الباقون إما شمالًا نحو مدينة صور وطرابلس، وإما غربًا من هنا من سهل كفركنا نحو مدينة عكا التي كانت إمارة من إماراتهم، وقد وصف ابن كثير ذلك المشهد بقوله: “فاجتمع عليهم حرّ النار وحرّ العطش وحرّ الصيف وحرّ الضرب بالسيف”.
كان من سوء حظ أمير الكرك الوقح المغرور أن يكون من بين الأسرى مع عدد من الملوك والأمراء والبارونات الصليبيين، وكان صلاح الدين قد قدّم للملوك والأمراء الأسرى الماء المثلّج والفاكهة والعلاج، وكان أحد هؤلاء قد شرب وناول أرناط ليشرب، فغضب صلاح الدين وقال له: “إن شرب الماء يعني إعطاء الأمان أما هذا الكلب فلا أمان له. وإني قد نذرت أن أقتله بيديّ هاتين إذا وقع أسيرًا. أتذكر يا أرناط يوم قتلت الحجاج واغتصبت الحاجّات المسلمات وقلت لهم أين محمد ينتصر لكم؟ يا أرناط ها أنا ذا أنوب عن رسول الله محمد. وضربه بسيفه فأطاح برأسه على مرأى ومشهد من باقي أمراء وملوك الحملة الصليبية.
بعدها تحرّك صلاح الدين من معسكره في كفر سبت ومن أرض معركة حطين غربًا كما تذكر كتب التاريخ. ومرّ من سهل كفر كنا واستولى على تلة المشهد التي كانت بمثابة نقطة رصد ومراقبة للصليبيين واستولى على قلعة صفورية، ومن هناك انطلق نحو عكا ثم قيساريا ويافا وعسقلان، ثم كان حصار القدس وفتحها يوم 3 أكتوبر 1187 وكانت ليلة 27 رجب ليلة الإسراء والمعراج، ويومها قدّم للمسجد الأقصى المبارك المنبر الذي كان قد أمر ببنائه نور الدين زنكي رحمه الله ليقدّمه هدية للمسجد الأقصى يوم تحريره من الصليبيين.
ففي حطين لم يحجم فتانا وأهل الغرب قد جاؤوا حشودا
سلوا جمع الفرنج وقد تولّوا بيوم الزحف للدنيا شرودا
إذا الإسلام لم يحكم ربانا فلن تأتي الحقوق ولن تعودا
رجال المسلمين لم استكنتم لمن خانوا الأمانة والعهودا
خذوا الإسلام نبراسًا ونورًا إله الكون يمنحنا الصمودا
مثلث المجد
إننا نعيش هذه الأيام من ذكرى حطين الخالدة حيث الأمّة تعيش مأساة وجرحًا لما يتعرض له المسجد الأقصى المبارك من تدنيس ومشاريع تهويد، بينما مقعد صلاح الدين ما يزال شاغرًا حيث لا يستحق أحد من أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ أن يملأ هذا المقعد الشاغر، رغم كثرة من يظهر من الزعماء وهم يرفعون الشعارات البرّاقة مرّة باسم القومية والوطنية ومرة باسم الدين، ثم لا يلبث أن ينكشف زيف هؤلاء فيظهرون على حقيقتهم بأنهم أبطال مزيّفون وممثلون بارعون وبلاء ينتشر في الأمّة.
وإننا ما زلنا قريبي عهد بنكسة 5/ حزيران/ 1967حيث وخلال ستة أيام كانت الهزيمة لملوك ورؤساء مصر وسوريا والأردن، واحتلال سيناء وغزة والضفة والجولان والقدس الشريف، بينما في سبع ساعات في حطين كانت الهزيمة المدوّية لملوك بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وألمانيا ملوك الحملة الصليبية الظالمة.
إنها العبارة التي ظلّت ترن في آذان الصليبيين لم ينسوها رغم مرور مئات السنين يوم قال صلاح الدين بطل حطين للمسلمين: “لن يرجعوا إليها ما دمتم رجالًا” يقصد مدينة القدس الشريف. لكنها الأيام التي دارت والظروف التي تغيّرت ونكبة البعد عن الدين التي حلّت بالمسلمين وقد وصلت إلى حد أن يعود الصليبيون من جديد وأن يردّ الجنرال الإنجليزي “اللنبي” على صلاح الدين وهو على مشارف القدس خلال الحرب العالمية الأولى سنة 1919 قائلًا: “الآن انتهت الحروب الصليبية”. وليقول مثله الجنرال الفرنسي “غورو” وهو يقف عند قبر صلاح الدين بعد احتلال فرنسا لدمشق: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”.
اللافت أن أشهر معارك الإسلام حطين، واليرموك وعين جالوت، قد وقعت في منطقة جغرافية واحدة. إنه مثلث حطين واليرموك وعين جالوت حيث لا تبعد حطين عن اليرموك أكثر من 20 كيلو متر، ولا تبعد عين جالوت عن حطين وعن اليرموك إلا قريبًا من ذلك. وإذا كان بطل حطين قد دفن في دمشق وبطل اليرموك خالد بن الوليد قد دفن في حمص وبطل عين جالوت قد دفن في القاهرة، فإننا رأينا وشاهدنا ماذا فعل أشباه الرجال أصحاب الأوسمة والنياشين المزيّفة، المشير السيسي والفريق الركن بشار، بقبور هؤلاء العظماء، فما كان أن بدأت الثورة السورية المجيدة في العام 2011 إلا وجيش بشار ابن حافظ بائع الجولان يصبّ جامّ غضبه على جامع خالد بن الوليد في حمص ويقذفه بالطائرات والدبابات. وفي دمشق وقريب من قبر صلاح الدين، فقد سمح بشار بإقامة ما سمي بمقام السيّدة زينب حيث كانت الميليشيات من إيران ولبنان والعراق إذا ذهبوا إلى هناك ومرّوا من قرب ضريح صلاح الدين بصقوا وشتموا قائلين عنه ما كان يقول أجدادهم إنه “هلاك الدين بدل صلاح الدين” لأنهم لم ينسوا ما فعل بأجدادهم الفاطميين في مصر يوم حرّرها منهم لأنه عرف أن تحرير مصر من الفاطميين مقدّمة لتحرير القدس من الصليبيين. وانظروا إلى مصر يوم أصبح السيسي رئيسًا عليهم وكيف فعل بغزة وحاصرها وجوّعها ولم ينتصر لها، بينما سيف الدين قطز بطل عين جالوت من خلال قائده الظاهر بيبرس فإنه قاد أول معركة انتصر فيها المسلمون على التتار وكانت على مشارف غزة، فكانت مقدمة لانتصار المسلمين على التتار في عين جالوت 1160. وبالمناسبة، فإن انقلاب السيسي على الرئيس الشهيد محمد مرسي كان في يوم ذكرى معركة حطين 3/7/2013.
ومما يزهدني في أرض أندلس أسماء مقتدر فيها ومعتمد
أسماء مملكة في غير موضعها كالهرّ يحكي انتفاخًا صولة الأسد
ولكن السؤال كيف ومتى
قال المستشرق “روبرت بن” في كتابه -السيف المقدس-: “يجب أن ندرس حال المسلمين الذين حكموا الدنيا مرّة، وهل يمكن أن يعودوا لحكمها من جديد مرّة ثانية، لأن الشعلة التي أشعلها محمد لم تنطفئ”.
ولأنهم على يقين من أن جذوة هذا الدين ما تزال مشتعلة، وأن الإسلام سينهض بعد كبوته، وأنه المارد الذي بدأ يتململ، فإنهم يتابعون ويرصدون المتغيّرات التي تجري في العالم الإسلامي، وإن مراكز دراساتهم وأبحاثهم تتابع الصحوة الإسلامية العالمية. ورغم أنهم يقومون عبر عملائهم من أصحاب الجلالة والفخامة لمحاربة هذه الحركات وسجن قادتها وحظرها والانقلاب عليها، إلا أنهم على يقين أنهم لن ينجحوا في ذلك، بل إنهم يعلمون أن الظروف بدأت تتهيأ لظهور صلاح الدين جديد يوحد أبناء الصحوة الإسلامية تحت راية واحدة.
وإننا نراهم بأم أعيننا كيف تأتي بعثات من دول أوروبية في مثل هذه الأيام من ذكرى حطين فيقومون بمسيرات على الخيول بلباس عسكري كما كان يلبس أجدادهم الصليبيون ويحملون رايات الصليب كما كان يحمل أجدادهم، فينطلقون من سهل عكا مرورًا هنا بسهل كفر كنا باتجاه سهل حطين حيث كان خطّ سير الزحوف الصليبية استعدادًا لمعركة حطين.
ويوم 10/7/1987 وفي الذكرى الـ “800” لمعركة حطين فقد صدر تقرير موسع في صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية يشرح عن بعثة علمية كبيرة من مؤرخين وعلماء اجتماع وعلماء نفس وخبراء في تخصصات أخرى، قد زاروا مصر والأردن والسعودية ودولًا أخرى في الشرق الأوسط لدراسة وتقييم الحالة الدينية والاجتماعية، وكانت محطتهم الأخيرة في قرون حطين حيث جرت المعركة الفاصلة، وكان سؤالهم الكبير الذين يبحثون له عن إجابة: هل الحالة الدينية والاجتماعية مشابهة للفترة التي ظهر فيها صلاح الدين؟ وهل أمة الإسلام سيظهر فيها صلاح الدين جديد؟.
إنه كابوس حطين ما زال يلاحقهم، وإن مرارة هزيمة حطين ما تزال حاضرة في ذاكرتهم، وإنه الرعب من اسم صلاح الدين يقضّ مضاجعهم.
والقوم يخشون نهضة ديننا بعد الجمود وبعد نوم قرون
يخشون يعرب أن تجود بخالد وبكل سعد فاتح ميمون
يخشون أفريقيا تجود بطارق يخشون كرديًا كنور الدين
إنهم يدركون أن الأمة قد نهضت وأن مسيرة التحام أجزائها المبعثرة قد بدأت، وأن مشاريع اعتمادهم على عملائهم لم تنجح، وأن تأديب وخلع أحفاد شاور والصالح إسماعيل وابن العلقمي قد بدأت من جديد، وأن أشباه الرجال من عكاكيزهم بشار والسيسي وابن زايد إلى مزابل التاريخ. إنهم يعلمون ويعرفون جيدًا أن الطريق إلى القدس يومًا كانت من القاهرة ودمشق، وأن متغيّرات غير مسبوقة قد حصلت في دمشق بسقوط طاغيتها بشار، وأن متغيّرات ستحصل بإذن الله في القاهرة وسيسقط طاغيتها السيسي. ولذلك فقد أصبحت جملتهم المشهورة تتردد على ألسنة الكثيرين منهم وهي: ليس السؤال هل سينتصر الإسلام أم لا، ولكن السؤال كيف ومتى وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.