كتيبة بوليفار.. من أمريكا اللاتينية إلى خنادق أوكرانيا (فيديو)

في ظل حرب طاحنة دخلت عامها الخامس، تواجه أوكرانيا تحديًا لا يقل خطورة عن المعارك الدائرة على الجبهات، يتمثل في النقص الحاد في أعداد الجنود القادرين على القتال، خاصة في وحدات المشاة التي تتحمل العبء الأكبر في حرب استنزاف طويلة ومكلفة.
وفي محاولة لمعالجة هذه الأزمة، كشفت السلطات الأوكرانية عن خطة واسعة لإعادة هيكلة نظام الخدمة العسكرية، تتضمن زيادة كبيرة في الرواتب، وإقرار عقود خدمة محددة المدة، وتسهيل انتقال الجنود بين الوحدات، إلى جانب توسيع نطاق استقطاب المقاتلين الأجانب.
وعالجت صحيفة لوموند الفرنسية هذه القضية من خلال تقريرين هذا الشهر أحدهما من مراسلها الخاص ريمي أوردان من ميكولايف، ركز على الجانب الميداني والعملياتي من خلال تتبع قصة “كتيبة بوليفار” والمقاتلين المرتزقة القادمين من أمريكا اللاتينية.
أما التقرير الثاني، فكان من مراسلها توماس ديستريا من كييف، وهو يشكل خلفية تشريعية وهيكلية للتقرير الأول، حيث يستعرض خطة الإصلاحات الكبرى التي أعلنتها الرئاسة الأوكرانية ووزارة الدفاع لمواجهة أزمة نقص الأفراد وتشجيع التجنيد.
وتضم كتيبة بوليفار مئات المقاتلين القادمين من دول أمريكا اللاتينية، والذين أصبحوا يمثلون نموذجا للتوجه الأوكراني الجديد الرامي إلى تعويض النقص البشري عبر استقطاب عناصر أجنبية ذات خبرة قتالية.
من فنزويلا إلى جبهات أوكرانيا
تأسست النواة الأولى للكتيبة عام 2022 على يد خوسيه ديفيد تشابارو، وهو مغترب فنزويلي معارض لنظام الرئيس المخلوع نيكولاس مادورو وحليفه الروسي.
بدأت الكتيبة ضمن الفيلق الدولي، الذي تم حله في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، وقد تحولت منه قبل حله في عام 2024 إلى كتيبة تابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية (HUR).
وفي عام 2025، نالت الكتيبة اعترافا ومكانة أرفع بانتقالها لتصبح أول كتيبة أجنبية تنضم إلى “قوة ألفا” التابعة لجهاز الأمن الأوكراني (SBU).
ويعلق قائد الكتيبة، العقيد بوليفار، على هذه النقلة بنبرة رضا قائلا: “مع ألفا، لا توجد حدود في مجالات الدعم، والوسائل، والتسليح.”
ويقول قائد الكتيبة إن الوحدة تضم حاليا نحو 300 مقاتل، بينهم 50 عنصرا يخضعون للتدريب، فيما ينحدر أفرادها أساسا من كولومبيا وتشيلي والبرازيل وفنزويلا، إضافة إلى مقاتلين من إسبانيا والبرتغال والولايات المتحدة الأمريكية.
وقد تحولت الكتيبة خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر الوحدات الأجنبية شهرة داخل القوات الأوكرانية، خصوصا بعد انضمامها إلى قوة ألفا، ورغم أن الرواتب مغرية وتصل إلى 195 ألف هريفنيا شهريا (نحو 3800 يورو (نحو 4110 دولارات)) انطلاقا من عدد أيام الخطوط الأمامية، إلا أن الدوافع ليست مادية بحتة.
وبالمقارنة مع متوسط الرواتب في العديد من دول أمريكا اللاتينية، تمثل هذه المبالغ مصدر جذب مهما، خصوصا للجنود السابقين الذين يواجهون صعوبات اقتصادية في بلدانهم الأصلية.
لكن المقاتل التشيلي الشاب غلوك (21 عاما) -الذي فر سابقا من وحدة برتغالية برازيلية يطلق عليها “ريفيانج” بسبب تعرضه لانتهاكات وتهديد بالسلاح من قائدها السابق- يوضح أن الدوافع متباينة، ويقول:
“البعض يأتي لإرسال الأموال إلى عائلاتهم، لكن آخرين هم مجرد مقاتلين قدامى مدمنين على الأدرينالين، غير قادرين على العودة إلى الحياة المدنية.”
أما عن دافعه هو الشخصي، فيؤكد غلوك، الذي يتدرب ويعمل حاليا في إطلاق المسيرات في جبهة ميكولايف:
“مع خبرتي العسكرية، كان بإمكاني الذهاب للعمل في أفريقيا لصالح شركات عسكرية خاصة وجني أموال أكثر بخمس أو ست مرات… لكنني وجدت هنا هدفا وفائدة.” مبرزا أن هدفه “هو إنقاذ أوكرانيا ومنع روسيا من الذهاب لاحقا لشن حرب في برلين أو أي مكان آخر في أوروبا”.
خطة جديدة
ورغم تأكيد كثير من المقاتلين أن المال ليس الدافع الوحيد، فإن الحوافز المالية أصبحت عنصرًا أساسيًا في إستراتيجية التجنيد الأوكرانية الجديدة.
فبحسب الإصلاحات التي أعلنتها وزارة الدفاع الأوكرانية، سيصل راتب جندي المشاة الموجود على خطوط التماس إلى 300 ألف هريفنيا شهريا، أي ما يعادل نحو 5800 يورو (نحو 6270 دولارا).
وتعكس هذه الإجراءات حجم الضغوط التي تواجهها أوكرانيا بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب.
فآلاف الجنود الأوكرانيين يقاتلون منذ سنوات دون أفق واضح لإنهاء خدمتهم العسكرية، بينما ازدادت معدلات الفرار من الوحدات العسكرية في الأشهر الأخيرة.
ويقر المسؤولون الأوكرانيون بأن جزءًا من هذه الحالات لا يرتبط بالرفض المطلق للخدمة، بل برغبة الجنود في الانتقال إلى وحدات أكثر كفاءة أو أقل تعرضًا للخسائر.
ويسمح النظام الجديد للعسكريين بتغيير وحداتهم بسهولة أكبر عبر تطبيق إلكتروني خاص بالقوات المسلحة.
كما تتضمن الإصلاحات الجديدة عقود خدمة محددة المدة تتراوح بين 6 أشهر و14 شهرا للمشاة ووحدات الاقتحام، مع منح الجنود إعفاء من التعبئة لمدة 6 أشهر بعد انتهاء العقد.
أما المتخصصون في تشغيل الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والمدفعية، فسيتمكنون من توقيع عقود تصل مدتها إلى 24 شهرا.
ومما أثار الانتباه في النظام الجديد ما أعلنه وزير الدفاع الأوكراني أن الأجانب سيشكلون ما بين 30% و50% من عناصر المشاة والوحدات الهجومية مستقبلاً.
ويعكس هذا الرقم حجم الأزمة التي تواجهها كييف، لكنه يكشف أيضًا عن تحول مهم في بنية الجيش الأوكراني الذي اعتمد تاريخيًا على مواطنيه في القتال.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطة سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها قدرة أوكرانيا على تمويل الزيادات الكبيرة في الإنفاق العسكري، ومدى استمرار الدعم الغربي، فضلًا عن قدرتها على استقطاب آلاف المقاتلين الأجانب ودمجهم داخل مؤسسة عسكرية تخوض واحدة من أكثر الحروب دموية واستنزافًا في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وبينما تنظر كييف إلى المقاتلين الأجانب باعتبارهم ضرورة عسكرية فرضتها ظروف الحرب، يرى منتقدون أن الاعتماد المتزايد على هذه الفئة قد يكون مؤشرًا على عمق الأزمة البشرية التي تواجهها أوكرانيا في مواجهة التفوق العددي الروسي على امتداد الجبهة الممتدة لأكثر من 1000 كيلومتر.