تربويات (3) بين النفس المُضحية وشعيرة الأضحية

الشيخ أمير نفار – عضو حركة الدعوة والإصلاح
إن القرآن حين يعرض قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، لا يصنع من القارئ متفرجًا على بطولة بعيدة، بل يدفعه دفعًا إلى أن يراجع نفسه على ضوء هذا المعيار الكبير؛ لأن القصة لا تكتفي بأن تقول لنا: هذا نبي عظيم، بل تقول ضمنًا: انظروا أين أنتم من الطريق الذي جعله عظيمًا.
ومن هنا فإن قصة سيدنا إبراهيم تبدأ، في عمقها، من لحظة رفضٍ داخليّ: رفض أن يعيش الإنسان عمره مستسلمًا للثقافة الغالبة وللمساحات الآمنة، ورفض أن يهب قلبه لما لم يثبت استحقاقه، ورفض أن تتحول العادة إلى حجاب على الحقيقة.
وهذه بداية عظيمة، لأن كثيرًا من الناس لا يضلّون لأن الباطل أقنعهم تمامًا، بل لأنهم ألفوه حتى سقط عنهم الإحساس ببطلانه كليًا أو جزئيًا. أما سيدنا إبراهيم فقد بقي فيه شيءٌ نقيّ لم تقتله العادة، ولم تخمده الثقافة الغالبة، ولم ينجح ضغط الباطل في ابتلاعه، ولذلك بدأ رحلته من هذا الموضع العظيم: من موضع الإنسان الذي لم يرضَ أن يكذب على نفسه.
ثم إن الله تعالى لم يترك هذه البصيرة في حدود التأمل المجرد، بل نقل سيدنا إبراهيم إلى خطوةٍ أشد كلفة: التحرر من سلطان الثقافة الغالبة. وهنا يظهر واحد من أخطر الأسئلة في حياة الإنسان: ما قيمة ما تعرفه من الحق إذا كنت عاجزًا عن احتمال غربته؟ ما فائدة البصيرة إذا كان صاحبها يفرّ منها كلما أحسّ أن الناس سيخذلونه أو يتهمونه أو يطردونه من دفء “القطيع”؟ إن أكثر البشر لا يخونون الحقيقة لأنهم لا يرونها إطلاقًا، بل لأنهم لا يحتملون الثمن النفسي والاجتماعي لرؤيتها.
أما سيدنا إبراهيم فقد قبِل أن يكون قليلًا، بل واحدًا، ما دام الواحد هو موضع رضا الله عز وجل. وهذه منزلة جليلة، لأن التحرر من الأصنام الظاهرة يبدأ في الغالب من التحرر من هذا الصنم الخفي: صنم الثقافة الباطلة أو ثقافة المتاح الكاذب، حين تتحول من سياقٍ بشريّ إلى مرجعيةٍ فوق البصيرة.
ومن هنا كانت غربة سيدنا إبراهيم غربةً مباركة، لا لأنها عزلةٌ لذاتها، بل لأنها كانت الثمن النبيل الذي يدفعه القلب كي لا يفقد نفسه؛ فالأنس الذي تمنحه الكثرة إذا كان ثمنه خيانة الحقيقة ليس أنسًا، بل صورة لطيفة للتيه.
ثم تأتي بعد ذلك مرحلة كسر الأصنام، وهي المرحلة التي يظهر فيها أن التوحيد ليس مجرد نجاةٍ داخلية من الباطل، بل موقفٌ من الباطل في العالم.
فسيدنا إبراهيم لم يكتفِ بأن يرفض الأصنام في نفسه، ولم يرضَ أن يبقى الحقّ حبيسًا في باطنه، بل اندفع ليعرّي البنية الزائفة التي تُدار بها حياة الناس. وهنا تبلغ القصة واحدةً من قممها الكبرى، لأن الصنم ليس حجرًا فقط، بل هو الشرعية الكاذبة حين تُمنح لما لا يستحق، وهو العادة حين تتلبس لبوس القداسة، وهو التواطؤ الجمعي حين يجعل الإنسان يرى العجز ثم يسميه قوة أو حكمة، ويرى الفراغ ثم يسميه معنى.
وسيدنا إبراهيم إنما حطم الأصنام ليحطم قبلها هيبتها في النفوس، وليدفع قومه إلى الرجوع إلى أنفسهم، إلى تلك اللحظة النادرة التي ينكشف فيها الزيف إذا سكت ضجيج المادة قليلًا.
لكن القرآن لا يتركنا عند حدود انتصار الحجة، بل ينقلنا إلى موضعٍ أكثر فداحة: موضع النار. وهنا تكشف القصة أن الباطل إذا هُزم في مستوى البرهان، قد ينتقل إلى مستوى البطش، لأن العاجز عن إسقاط الفكرة قد يحاول إسقاط صاحبها.
والنار في قصة سيدنا إبراهيم ليست لهبًا فحسب، بل هي صورة العالم حين يتوحش، حين تكتمل أسباب الردع الظاهر، ويبدو للناس أن كل شيء قد حُسم، وأن صاحب الحق قد انتهى. غير أن القرآن يجعل من هذا الموضع نفسه أعظم موضعٍ لتربية اليقين، لأن المعجزة لم تكن فقط أن النار لم تحرق سيدنا إبراهيم، بل أن سيدنا إبراهيم -قبل ذلك- لم يسمح للنار أن تحرق داخله.
وهنا نتعلم أن أعظم النجاة ليست دائمًا أن تُرفع المحنة من الخارج، بل أن لا يُهزم القلب تحت سلطانها. فإذا ثبت الداخل، جاء لطف الله على الصورة التي يشاء… ثم تمضي القصة إلى امتحانٍ أرقّ وأشدّ نفاذًا في الوقت نفسه: امتحان الابن.
وهنا تبلغ تربية التوحيد ذروتها، لأن الله لا يختبر إبراهيم في مكروهٍ تنفر منه النفس فحسب، بل يختبره في محبوبٍ مشروع، في نعمةٍ رقيقة، في موضع أنسٍ وامتدادٍ ورجاء.
ومن هنا كان الذبح في معناه العميق ليس ذبحًا للجسد أولًا، بل ذبحًا للمزاحمة؛ أي ذبح لذلك الاحتمال الخفي الذي قد يجعل المحبوب، على جماله وشرعيته، ينافس الله في القلب من حيث لا يشعر صاحبه.
وهذه قمة مذهلة في البناء الإلهي للعبد، لأن الإنسان قد ينتصر على كثير من خصومه الخارجيين، لكنه لا يبلغ التوحيد الخالص حتى ينتصر على ما يحب إذا طُلب منه أن يعيده إلى موضعه الصحيح تحت أمر الله.
وفي هذه القصة كلها، من بدايتها إلى نهايتها، لا نرى سيدنا إبراهيم رجلًا ينتقل بين أحداث، بل نرى عبدًا يُصنع: يُوقَظ عقله أولًا، ثم يُحرَّر قلبه من الثقافة الغالبة، ثم يُدفع إلى مواجهة الزيف، ثم يُثبَّت في النار، ثم يُنقَّى في الحبّ، حتى لا يبقى فيه ما يساوم به على ربّه.
ومن هنا نفهم لماذا كانت خاتمة هذه الرحلة إمامةً لا مجرد نجاةٍ فردية؛ لأن الإمام في القرآن ليس من يحسن الكلام، ولا من يلتف الناس حوله بالضرورة، بل من مرّ قلبه عبر هذا القدر من التصفية حتى صار صالحًا لأن يكون ميزانًا، وصار وحده بما امتلأ به من المعنى أمةً قائمة. (المقال منقول من عدة مصادر بتصرف).