أخبار وتقاريردين ودنياومضات

الإنسان أسير أفكاره إذا لم يعمل بها

د. نواعم شبلي جبارين

ليس ما يُقيّد الإنسان دائمًا سلاسل من حديد، ولا جدرانًا من حجر، بل قد تكون الفكرة التي وُلدت في عقله ولم تجد طريقها إلى الواقع هي أقسى أنواع القيود. فالإنسان الذي يكتفي بالأحلام دون سعي، وبالنيات دون عمل، وبالأمنيات دون اجتهاد، يصبح أسيرًا لعالمٍ صنعه بنفسه، يراه واسعًا في خياله وضيقًا في حياته.

إن الأفكار في أصلها بذور، فإن زُرعت بالعمل أثمرت نجاحًا، وإن تُركت في مستودعات العقل ذبلت وتحولت إلى حسرة. فما أكثر العقول التي حملت مشاريع عظيمة، واكتشافات مبهرة، وأعمالًا إنسانية نبيلة، ولكنها ماتت قبل أن ترى النور، لأن أصحابها اكتفوا بالتفكير، وخشوا خطوة البداية.

لقد كرّم الله تعالى الإنسان بالعقل، وجعل التفكير وسيلة للهداية والإعمار، لا غاية في ذاته. قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

وجاء قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105] دعوةً إلى تحويل الفكر إلى عمل.

وكثيرًا ما يُهزم الإنسان قبل أن يبدأ، لا بسبب ضعف إمكاناته، بل بسبب كثرة تردده. فينشغل بحساب العقبات، ويؤجل التنفيذ إلى وقتٍ يظنه مثاليًا، بينما الحياة لا تمنح النجاح لمن ينتظر الكمال، بل لمن يبدأ ويصحح مساره أثناء السير.

إن أخطر سجن قد يدخله الإنسان هو سجن الخوف؛ الخوف من الفشل، أو من نقد الآخرين، أو من خسارة تجربة جديدة. وهنا تتحول الأفكار إلى عبء نفسي.

وفي المقابل، فإن كل إنجاز عظيم بدأ بفكرة، لكنها لم تكتفِ بالبقاء في الذهن، بل ارتدت ثوب الإرادة، وسارت بخطوات ثابتة نحو التنفيذ.

إن الفكر إذا لم يتحول إلى عمل قد يصبح مصدرًا للقلق، أما إذا اقترن بالإرادة صار مصدرًا للأمل.

قال رسول الله ﷺ: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز”.

وفي الختام، فإن الإنسان لا تتحكم فيه الظروف بقدر ما تتحكم فيه أفكاره، ولا يغيّر حياته مجرد التفكير، وإنما يغيّرها القرار الذي يعقبه عمل. فلتكن أفكارنا جسورًا نعبر بها إلى الإنجاز، لا قضبانًا نسجن بها أنفسنا.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى