أخبار وتقاريردين ودنياومضات

لي فيك يا أرض الحجاز حبيب بين مكة والمدينة.. رحلة القلب إلى الله ورسوله

ليلى غليون

مع نسائم الشوق إلى أرض الحرم يتجدد الحنين، مع نسائم عبقت بعبير إيماني أنعش الروح واستجاش حبات القلب لتسري بها رعشات روحانية تغمر النفس سكينة وأمانًا، مع الركب السائر، والزحف المهاجر، مع قلوب مسبحة وألسن تلهج بلبيك اللهم لبيك… يا للتلبية التي تهز أوتار القلوب، وتقشعر خاشعة لها الأبدان، ويتردد صداها في الآفاق، فلا يبقى حجر ولا شجر ولا طير إلا هام وتمايل مسبحًا مهللًا مكبرًا.

هناك، وما أدراك ما هناك، حيث تشرئب أعناق الموحدين، وتلبي بطاح مكة وتزدحم مساكنها وطرقاتها وشوارعها وأزقتها.

هناك، حيث تهيم الأفكار بالذكريات العظام، لتمتطي صهوة التاريخ، وترحل إلى ذاك الماضي التليد يوم كنا فيها خير أمة أخرجت للناس، يوم كان المسلم هو الحقيقة الدامغة وغيره وهم وسراب، يوم كان المسلم إذا تنفس يهتز من نفسه عرش كسرى وقيصر، إذا قال: ها أنذا، انتكست أمامه كل الرايات الوضعية.. إنها أرض الحرم، من دخلها يكتسي بحلة البهاء والنور، وكيف لا وفيها ولد رسول الهدى، ومن الغار انبعث نور رسالته إيذانًا بمولد الإنسانية من جديد، وبمولد الأمن والمحبة والسلام لكل العالمين، والانطلاق بالإنسان نحو التحرير والتكريم والسمو إلى المدارج العليا.

  • فيا زوار بيت الله الحرام، يا زوار مسجد رسول الله وأنا منكم، هنيئًا لنا هذه النعمة العظيمة، هنيئًا لنا إذ منَّ الله علينا واصطفانا وشرفنا بأن نكون من ضيوفه، فما أعظمها من منة حين يختار الله عبدًا ليقف بين يديه في أطهر بقاع الأرض وأشرفها، ملبيًا، خاشعًا، راجيًا رحمته ومغفرته.
  • يا زوار بيت الله الحرام وأنا منكم، كم من قلوب تتمنى هذه اللحظة، وكم من عيون تفيض شوقًا تتضرع بالأسحار أن يكتب الله لها الوقوف في هذا المكان المبارك، فها نحن بلا حول منا ولا قوة ولا استحقاق، وإنما بفضل عظيم ورحمة واسعة، نكون من الذين اختارهم الله لزيارة بيته، فالحمد لله الذي ساقنا إلى بيته، والحمد لله الذي جعلنا من الطائفين الساعين الراكعين الساجدين، الحمد لله الذي جمعنا بأناس لا نعرفهم ولا يعرفوننا، ولكن جمعتنا كلمة واحدة: لبيك اللهم لبيك.
  • يا زوار بيت الحرام وأنا منكم، لنجعل رحلتنا هذه انتقالًا من غفلة إلى يقظة، ومن فتور إلى إقبال، ومن ذنب إلى توبة، ومن دنيا ازدحمت في القلوب إلى قلوب ازدحمت بحب الله ورسوله.
  • يا زوار بيت الله الحرام وأنا منكم، قفوا طويلًا أمام الكعبة، وتأملوا هذا البيت الذي تهفو إليه أفئدة المؤمنين من مشارق الأرض ومغاربها، وإذا تعلقت أجسادكم بأستارها، وإذا ما طافت قلوبكم حولها تسابقت خطاكم، وإذا ما لامست شفاهكم ملامس الحجر الأسود، دعوا القلوب تناجي ربها بتذلل وبلا تكلف، وابكوا إن فاضت الدموع، وادعوا الله مخلصين أن يرحم ضعفنا ويجبر كسرنا ويلم شملنا ويوحد كلمتنا، ادعوا وأكثروا من الدعاء.
  • يا زوار بيت الله الحرام وأنا منكم، لقد أكرمنا الله بزيارة بيته الحرام، فلا نجعل همنا العودة بالصور والذكريات، بل بالعودة بقلوب أنقى ونفوس أطهر وأعمال أصلح، فالعبرة ليست في الوصول إلى الكعبة فحسب، بل في أن يصل القلب إلى رب الكعبة، فلا تجعلوا أعينكم مشغولة بالشاشات أكثر من انشغالها بالنظر إلى الكعبة، ولا تجعلوا أيديكم أسيرة للهواتف وقد فُتحت لكم أبواب السماء، إن هذه اللحظات لا تعوض، وهذه الساعات قد لا تتكرر، والدموع التي تنزل بين يدي الله أغلى من كل صورة وأبقى من كل ذكرى.
  • يا زوار مسجد نبي الرحمة وأنا منكم، إنها المدينة المنورة ليست كباقي المدن، يكفيها شرفًا ونورًا أنها تحتضن خير خلق الله صلى الله عليه وسلم، ومنها شعت أنوار الهداية إلى العالمين، فاذكروا أنكم في مدينة أحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبته، وفي بقعة تنزل فيها الوحي وسارت على ثراها أقدامه المباركة، فإذا دخلتم المسجد النبوي، وإذا وقفتم أمام حجرته الشريفة وخفقت قلوبكم وهي تقترب من الروضة الشريفة، وإذا أذن الله لكم بالوقوف في حضرته، فبلغوا نبينا محمدًا أطيب السلام وقولوا: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، جزاك الله عن أمتك خير ما جزى نبيًا عن أمته، قولوا له: سلام عليك يا رسول الله، ما اشتاقت القلوب، وما ذرفت العيون، وما ردد المحبون: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد.

شوقي إليك أبا الزهراء يقتلني والقرب منك رسول الله نعماء

قولوا له إن في أمتك قلوبًا ما تزال تهواك وأعينًا تفيض شوقًا إليك، وألسنة لا تمل من الصلاة والسلام عليك، وترجو الله أن تُحشر تحت لوائك، وأن تُسقى من يدك الشريفة شربة ماء هنيئة لا تظمأ بعدها أبدًا.

  • يا زوار مسجد نبي الرحمة وأنا منكم، أكثروا من الصلاة والسلام عليه، وأكثروا من شكر الله أن بلغكم هذا المقام المبارك، وقولوا له: نشهد الله أننا أحببناك ولم نرك، وآمنا بك ولم نعاصرك، وعرفناك من كتاب ربنا الكريم، ومن سنتك المطهرة، ومن سيرتك العطرة التي ملأت الدنيا رحمة وعدلًا ومحبة وسلامًا، ونسأل الله أن نرد حوضك وننال شفاعتك، واذكروا إخوانكم الذين حالت بينهم وبين الزيارة الأعذار والظروف القاهرة، بلغوه السلام بالنيابة عنهم وعن كل من أوصاكم بالسلام عليه، وإن كان سلام كل مسلم يبلغه بإذن الله حيث كان.

فكم من قلوب تتمنى هذه اللحظة، وكم من أعين تفيض شوقًا وهي تنظر إلى صور البيت العتيق، وكم من مسلم عاش سنوات طويلة يدعو الله أن يرزقه زيارة بيته الحرام، حتى إذا كتب الله له الإجابة علم أن الأمر لم يكن دعوة فحسب، بل كان دعوة من الله إليه، فزيارة بيت الله الحرام ومسجده صلى الله عليه وسلم هي اصطفاء من الكريم سبحانه.

ولا تنسوا أحبابكم من الدعاء، الآباء والأمهات والأبناء والإخوة والأصدقاء والأحباب، ولأمتكم ولكل المكلومين المظلومين تحت كل سماء وفوق كل أرض، وكل من أوصاكم بدعوة، ادعوا للمريض بالشفاء، وللمهموم بالفرج، وللميت بالرحمة، ولأمتنا بالأمن والعز والتمكين.

وتذكروا دائمًا أن أعظم ما تعودون به من هذه الرحلة المباركة ليس ماء زمزم ولا الهدايا ولا الصور، وإنما قلب عاد إلى الله، ونفس تابت، وعهد جديد مع الله وعزم صادق على الاستقامة.

اللهم كما أكرمتنا بزيارة بيتك الحرام فلا تحرم قلوبنا لذة القرب منك، ولا تجعل هذه الزيارة آخر العهد ببيتك، اللهم تقبل طوافنا وسعينا ودعاءنا.

اللهم إنا جئناك ضيوفًا على بابك، فلا ترد ضيوفك إلا وقد غمرتهم برحمتك وكتبت لهم القبول وأعدتهم إلى أهليهم سالمين غانمين، في قلوبهم نور لا ينطفئ وشوق إلى بيتك ونبيك لا يخبو.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى