أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (293) كم من الوقت نحتاج حتى نفهم؟!

حامد اغبارية

  1. إشغال الناس بالتوافه عن الأمور العظام

إن الاشتغال بالتوافه من الأمور، وبـ”معارك” جانبية، وإشغال الناس بما لا قيمة له على الحقيقة في زمن البلاء، وإلهائهم عن حقيقة الواقع، وإيهامهم بـ”إنجازات” هي أقرب إلى السراب، في زمن النوازل، هو جريمةٌ في حق الناس والمجتمع، وحرفٌ للبوصلة عن وُجهتها الصحيحة.

ولا أجد في زماننا، فيما يخص مجتمعنا في الداخل وشعبنا الفلسطيني عامة، أتفه ولا أقل قيمة ولا أوضع ولا أرخص ولا أشرّ من إشغالنا بانتخابات الكنيست (قبل العزا بسنة)، في الوقت الذي تعيش الأمة، وفي مقدمتها شعبنا الفلسطيني، واحدة من أسوأ صفحات تاريخها وأشدها بلاء، بل أراها تفوق نكبة شعبنا عام 1948، وإن كانت من آثارها المُرّة ونتائجها المدمرة. ذلك أن ما يحدث اليوم بتكالب كوني غير مسبوق، وبتواطؤ من أنظمة عربية، ليس له شبيه! فأي عقل خرِب، وأي قلب ميت، وأية نفس مريضة يطاوعها صاحبها ويمضي سائرا سادرا فوق هذا كله، لا يلوي على شيء، لاهثا خلف أوهام الكنيست، مُوهمًا الناس بأنها قضية القضايا وأم المعارك، وبها يُقضى الأمر كلّه، وفي رحابها تُحسم القضايا الكبرى؟!

  1. كيف وصلنا إلى هذه الحال؟!

نحن، الجزء الأصيل من شعبنا، لم نصِلْ، بل أُوصِلنا إلى هذه الحال المأساوية مباشرة بعد النكبة!! أوصلنا إليها سماسرة السياسة الذين استغلوا بساطة الناس وجهلهم بألاعيب السياسة وفنون الكذب والدجل والتدليس، وحبهم لوطنهم وتمسكهم بأرضهم، فأوهموهم بأنه قد قُضي الأمر وفُرض الواقع، ولا مناص ولا نجاة ولا خلاص إلا بالرضوخ للواقع الجديد، والتعايش معه!! وكان الذي ارتكب هذه الجريمة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، اللاعب الحزبي (السياسي) الوحيد في شارع الداخل الفلسطيني آنذاك، بعد أن كان قد “أبدع” في دور التمكين للمشروع الصهيوني. وأوصلنا إليها كذلك سماسرة الأرض من رؤوس عائلات إقطاعية كانوا في ذلك الوقت أشبه بأثرياء الحرب، بل منهم من وضع يده بيد العصابات الصهيونية وتلوث في أوحالها ضد شعبه ووطنه، ثم أصبحوا لاحقا عكاكيز لحزب المباي والأحزاب الصهيونية الأخرى، ليس فقط لمجرد حصد الأصوات، بل من أجل صناعة القطيع الذي سيسير في التلم الأعوج في العقود الثمانية القادمة. ثم وجدنا أنفسنا – إلا ثُلة قليلة – نلهو ونلعب في ملعب السياسة الإسرائيلي، نمنّي أنفسنا بأضغاث أحلام! في الوقت الذي كان يجب أن نكون في مكان آخر…

  1. واليوم؟!

وكيف حالنا اليوم؟!

إنه أسوأ بكثير، أضعافا مضاعفة، مما كان عليه آباؤنا وأجدادنا في تلك الحقبة. فنحن اليوم نمارس اللعبة بشهادات أكاديمية، وبأموال طائلة، وبإعلام مضلِّل، وبألسنة حِداد كاذبة، وبضمائر ميتة! لكن البضاعة هي البضاعة.

  1. السؤال المضلل!

في كل جولة انتخابات للكنيست الصهيوني تعمل الأحزاب والتيارات، التي اختارت السير في طريقه، على تضليل الجمهور بسؤال مضلل أراه أكثر خُبثا من كل ما يقال في حملات التضليل الانتخابية: إن كنتم لا تريدون الكنيست فما هو البديل الذي تطرحونه؟! قدموا لنا بديلا!

أولا: إن هذا السؤال يوهم الجمهور بأن حاضرنا ومستقبلنا ووجودنا منحصر في هذه المسألة، وأنه ليس أمامنا سوى خيارين: إما الكنيست وإما الخراب!! وكأن ممارسة العمل السياسي وخدمة الجمهور والمجتمع لا تكون إلا من خلال ما يسمونه “العمل البرلماني”. وهذا من حيث الواقع، ومن حيث التجربة، ومن حيث النتائج، ومن كل جهة علمية، غير صحيح، ويحتاج إلى دليل، هو في الحقيقة غير موجود.

ثانيا: عندما يعلن طرفٌ ما رفضه السير في طريق معين، أو يرفض اختيار أداة سياسية رسمها له الآخرون ودفعوه إليها دفعا، فليس عليه أن يقدم البديل ليقنع الآخر بوجهة نظره. فمن ذا الذي يقول إن رفض المشاركة في الكنيست، والتي ثبت فشلها عبر ثمانية عقود، يُلزم ببديل؟! إن الرفض وحده يشكل بديلا حقيقيا، حين يكون من منطلق مبدأي أصيل، يهدف إلى حفظ الهوية والانتماء. بل إن هذا وحده، إن أحسنا استثماره على الصورة الأمثل، يمكنه أن يقلب الموازين بين عشية وضحاها. وقد كان لمجتمعنا تجربة نموذجية ناجحة في العمل من خارج الكنيست، حققت من الإنجازات ما لا ينكره إلا مُبغض أو مضلل، وهي تجربة المشروع الإسلامي الذي أحدث انقلابا في المفاهيم، وفي استثمار القدرات والطاقات منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ثم أصبحت هذه المفاهيم حاضرة في ميادين العمل في كل المجالات، منذ 1996 ولغاية 2015. وبدلا من أن يسأل هؤلاء ما هو البديل، كان عليهم أن يسألوا السؤال الصحيح: لماذا حُظِر البديل؟! ثم أن يسألوا السؤال الآخر: من هم الذين حزنوا (وغضبوا) فعلا لحظر البديل (الحقيقي)، ومن هم الذين فرحوا به من بني جلدتنا؟!

  1. اسألوا الجمهور

هناك فرق بين من يزعم أنه يمثل الجمهور، وبين من يخدم الجمهور دون أن يدّعي أنه يمثله.

في عام 2015 تحديدا، شهدنا حدثين على جانب كبير من الأهمية: الأول تشكيل القائمة المشتركة في مطلع العام، والثاني حظر الحركة الإسلامية في نهاية العام. وكان شعار القائمة المشتركة يومها “إرادة شعب” و”قرار شعب”. ولا أحد يدري حتى الآن كيف قرر هؤلاء أن تشكيل القائمة كان خيار شعب، دون أن يسألوا الشعب عن رأيه، في الوقت الذي كان واضحا للجميع أن الأحزاب المشاركة في تلك “التجميعة العجيبة” لم تجد أمامها من خيار سوى ذلك، بعد رفع نسبة الحسم، التي كانت تهدد تلك الأحزاب بالزوال فيما لو خاض كل منها انتخابات الكنيست منفردا. ومع ذلك واصلت تلك القائمة عملية التضليل في تكرار مقولة إنها “إرادة الشعب” و”قرار الشعب”، ثم زعمت أنها تمثل الشعب الذي “اختارها”! دون أن تسأل تلك الأحزاب الشعب عن رأيه، لا في استطلاع ولا في استفتاء ولا بأية وسيلة أخرى. وها نحن نرى الحقيقة أمامنا اليوم على صورة “معركة الكراسي الراقصة” من جهة، وعلى صورة الزحف المستميت (بأي ثمن) نحو المشاركة في ائتلاف حكومي قادم!!

في المقابل، كان البديل الحقيقي يعمل على خدمة الناس بلا كلل على مدار العام، وليس في شطحات موسمية، ودون انتظار مقابل، دون أن يزعم ذلك البديل أنه يفعل ما يفعله لأنه يمثل الجمهور، أو لأن “الشعب قرر”! فشتّان شتان!

والآن نريد من أولئك المضلِّلين أن يسألوا الجمهور السؤال الواجب أو الأسئلة الواجبة، فهل يجرؤون؟!

هل يملكون الشجاعة أن يسألوا الجمهور ماذا يريد؟

ماذا نريد كمجتمع الداخل الفلسطيني حقا، وكجزء من الشعب الفلسطيني ومن العالم العربي الكبير ومن الأمة الإسلامية؟

  • هل نريد أن نكون إسرائيليين في المواطنة، وأن نمارس حياتنا كإسرائيليين بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟!
  • هل نريد أن نعيش شعور الأقلية المستضعفة التي لا تملك من أمرها شيئا، وتندب حظها، ولا تحسن سوى الشكوى والتذمر من الظلم والاضطهاد والتمييز العنصري، والمطالبة بالحقوق المدنية اليومية التي يستحقها كل مواطن في أية دولة عادلة؟
  • هل نريد أن نلعب في ملعب السياسة الإسرائيلية، متوهمين أننا نحسنُ اللعب، ونجيد مقارعة السلطة الإسرائيلية، ونرفع صوتنا الاحتجاجي في أجواء من الديمقراطية المزيفة؛ تلك الديمقراطية التي نساهم نحن في صناعة زيفها من خلال الاستجابة لأدواتها، واللعب في ملعبها؟!
  • هل نريد أن نشكل هويتنا من جديد، لنصنع لنا هوية جديدة هجينة، فنصبح بلا هوية وبلا انتماء؟
  • أم نريد أن نحافظ على هويتنا التي ضيعناها في غفلة اللعب في ملعب الكنيست والسياسة الإسرائيلية؟!
  • هل نكذب على أنفسنا ونواصل خداع الجمهور بمقولة إننا جزء من الشعب الفلسطيني، بينما ممارستنا على أرض الواقع هي ممارسةُ من يعتبر نفسه جزءا من الفضاء الإسرائيلي؟
  • أليس سلوكنا حتى الآن هو أبعد ما يكون عن شعور الضحية، وأقرب ما يكون إلى الغريب المتضامن مع الضحية، التي هي جزء منه وهو جزء منها؟!
  • كيف يمكننا أن نؤكد هويتنا الفلسطينية على مستوى الحس الوطني، في الوقت الذي نساهم بأيدينا في ترسيخ الأسرلة؟
  • كيف يمكننا أن نؤكد هويتنا العروبية، في الوقت الذي ضيعنا فيه حقيقة هذا الانتماء، يوم استسلمنا للواقع، ولم نحاول تغييره، بل بحثنا عن وسائل للتعايش معه، فكانت الوسائل سيئة، ونتائجها أسوأ؟!
  • هل نحن مجرد مجموعة صغيرة من الناس جاءت من العدم، بدأت حياتها (كمجموعة) فقط منذ 1948؟
  • هل ننتمي لهذه الأرض لمجرد أننا نعيش عليها، أم لأنها جزء من هويتنا، وهي جزء من امتدادنا الجغرافي والتاريخي والحضاري والوجداني بكل دوائره؟

ثمّ لنسأل:

  • ماذا حققنا حتى الآن من خلال السير في طريق الكنيست الذي سار فيه بعضنا حتى الآن سوى الانكفاء على الذات، والابتعاد العملي عن دوائر انتمائنا الحقيقية، والاكتفاء بالدوران داخل السراب الإسرائيلي؟!
  • نعم! لقد “حققنا” شيئا في غاية الأهمية والخطورة!!
  • لقد مكّنا المشروع الصهيوني، المتمثل مرحليا بسياسات المؤسسة الإسرائيلية، من رقابنا، ولم يعد في إمكاننا الفكاك!

هذا هو الشيء الوحيد الذي “أنجزناه”، وما سوى ذلك لا يعدو كونه عملية خداع للذات وصلت حد القناعة بأن هذا فقط هو ما يمكننا فعله، بينما نملك من الأدوات والقدرات والطاقات ما يمكنه أن يجعل خيار الكنيست أثرًا بعد عين.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى