الإسلام هو الحل (1)

علي أحمد حمّاد
في ظل واقع يضيق بالإنسان من كل جانب؛ نظام اقتصادي عالمي يزيد الغني غنى، ويدفع الفقير إلى مزيد من العجز والحاجة، حتى صارت الديون ميراثًا تتناقله الأجيال، وصار العمل عند كثيرين عبودية ناعمة باسم الوظيفة والراتب والقسط الشهري.
وفي ظل منظومة علاقات دولية يرفع أصحابها شعارات القانون والحرية وحقوق الإنسان، فإذا تعارضت هذه الشعارات مع مصالحهم داسوها بأقدامهم. يعاقبون هذه الدولة اقتصاديًا، ويغزون تلك باسم الديمقراطية، ويدعمون الظالم إذا كان في صفهم، ويصمتون عن الدماء إذا سالت في غير الجهة التي يريدون. قرارات دولية تُعطَّل، ومحاكم تُحتقر، ومجلس أمن يُشلّ بالفيتو، وشعوب كاملة تُترك للجوع والقصف والحصار، كأنها خارج قاموس الإنسانية.
وفي ظل عقيدة قتالية عند كثير من جيوش الدول التي تدّعي التحضر، تُقصف المستشفيات، وتُهدم المساجد، وتُقتل النساء والأطفال، وتُفرض سياسات التجويع والحصار، ثم يخرج علينا القاتل بربطة عنق أنيقة، يتحدث عن الأمن والقانون والديمقراطية وحق الدفاع عن النفس. وكأن الحضارة صارت تعني أن تقتل بآلة أكثر تطورًا، وأن ترتكب المجازر بلغة قانونية أكثر أناقة.
وفي ظل سياسة محلية وعالمية لم تعد تقوم غالبًا على الكفاءة والعدل وخدمة الناس، بل على الصورة والدعاية، وشراء الأصوات، وتوجيه الجماهير، وصناعة الزعيم في الاستوديوهات قبل أن يصنع شيئًا في الواقع. صار الإعلام أحيانًا أهم من الحقيقة، وصارت مهارة الإقناع تغلب قيمة الصدق، وصار السياسي الناجح هو من يعرف كيف يظهر، لا من يعرف كيف يعدل.
وفي ظل منظومة اجتماعية غربية مضطربة، لم تكتفِ بتفكيك الأسرة، بل جعلت ما عرفته البشرية بفطرتها موضع سخرية وتشكيك. صار زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة حقًا مقدسًا في نظرهم، وصارت الذكورة والأنوثة سائلتين لا تكاد تعرف لهما حدًا، حتى اختلطت المفاهيم، والتبس الذكر بالأنثى، وراح الإنسان يعبث بجسده وفطرته كأنه يبدل ثوبًا أو يغير اسمًا على ورقة.
ولم يقف الأمر عند حدود الشذوذ في العلاقة، بل امتد إلى تسليع الجسد وإهانة الكرامة الإنسانية باسم الرغبة والحرية. صار بعض الناس يبيعون كرامتهم، ويرضون لأنفسهم أن يُهانوا ويُحتقروا ويُعاملوا معاملة الحيوان، لا تحت ضغط السجن أو القهر، بل طلبًا للمتعة وإشباعًا لهوس مريض. وهذه ليست مبالغة أدبية، بل صورة من صور الانحدار التي صارت لها أسواق ومنصات ولغة تبريرية تسمي القبح حرية، والانحطاط اختيارًا شخصيًا.
وفي ظل نظام أخلاقي مرتبك، يبيح كل شيء تقريبًا، ثم يضيق صدره بالعفة والتدين والحياء. يعظّم الهوى الفردي، ويجعل الرغبة معيارًا، والمصلحة الشخصية إلهًا صغيرًا يُطاع من دون الله. فإذا دعوت إلى المعروف قيل لك: لا تتدخل. وإذا نهيت عن منكر قيل لك: هذه حرية شخصية. حتى صار الإنسان وحيدًا في زحام الناس، لا ناصح له ولا معين.
وفي ظل إعلام سريع لا يعني أنه صادق، ووفرة أخبار لا تعني وفرة حقيقة. كل جهة تروي الحكاية كما تشاء، وكل سردية تجد من يمولها، وكل صورة قد تخفي وراءها جيشًا من المصالح والأجندات. وفي ظل أكاديميا ومعرفة وبحث علمي ليست دائمًا بريئة كما نظن؛ فالمال والسلطة والمؤسسات الكبرى كثيرًا ما تحدد ما الذي يُرفع وما الذي يُهمّش، وما الذي يستحق النشر وما الذي يُدفن في الأدراج.
في ظل هذا كله، تقف البشرية على شفير هاوية روحية وأخلاقية وحضارية. تسأل، ولو بصوت خافت: إلى أين المفر؟ من ينقذ الإنسان من هذا التيه؟ من يعيد للمال عدله، وللسياسة أخلاقها، وللأسرة معناها، وللإنسان كرامته، وللحياة غايتها؟
ومن هنا نطرح عبارة: الإسلام هو الحل.
نطرحها بمعناها العميق: الإسلام بوصفه منهج حياة، ونظامًا شاملًا، ورؤية ربانية للإنسان والمجتمع والدولة والمال والأخلاق.
وقد عبّر الإمام حسن البنا، رحمه الله، عن هذا المعنى حين قال إن الإسلام “نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء”.
فالإسلام ليس روحانية محصورة في أروقة المساجد، ولا علاقة فردية بين العبد وربه فقط، مع عظمة هذه العلاقة وقداستها. الإسلام جاء ليهدي الإنسان كله، في خاصة نفسه وفي مجتمعه، في عبادته وسوقه، في بيته ودولته، في حربه وسلمه، في فقره وغناه، في قوته وضعفه.
والله، خالق هذا الكون بقوانينه الدقيقة، هو أعلم بمن خلق، وأعلم بما يصلح الإنسان ويقوم اعوجاجه. وقد رأينا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف نقل الإسلام العرب من جاهلية ممزقة، واستضعاف سياسي، وظلم اجتماعي، إلى أمة تحمل رسالة، وتقيم عدلًا، وتصنع حضارة، وتفتح للناس أبواب الهداية والعمران.
هذه السلسلة، التي تنشر تباعًا في صحيفة المدينة وموقع موطني 48، محاولة لإعادة طرح السؤال من جديد: ما الذي أوصل الحداثة الغربية إلى هذا المأزق؟ كيف بدأت الأفكار في الكتب والعقول قبل أن تتحول إلى دول وأسواق وحروب وإعلام؟ وفي المقابل، كيف نظر الإسلام إلى الإنسان والحياة والحضارة؟ وكيف طبق ذلك في نموذجه النبوي والراشدي المشرق؟
كيف يكون الإسلام نظامًا سياسيًا لا يفصل الحكم عن العدل؟ وكيف يكون نظامًا اقتصاديًا لا يترك الفقير فريسة للربا والسوق؟ وكيف يكون نظامًا اجتماعيًا يحفظ الأسرة والفطرة؟ وكيف يكون نظامًا أخلاقيًا يحرر الإنسان من عبودية الهوى والشهوة والسوق؟ وأين نجد ذلك: في النصوص فقط، أم في السيرة والتاريخ والتجربة العملية للأمة؟
هذا ما سنحاول أن نبحثه في هذه السلسلة. وفي المقال القادم نبدأ من السؤال الأول: هل الإسلام دين فردي للعبادة فقط، أم نظام شامل للحياة؟