بين الرياضيات وعلوم الأعصاب والسياسة.. أحمد سليمان من المشهد يتحدث عن رحلته الأكاديمية متعددة الأبعاد

في تجربة أكاديمية لافتة تجمع بين الدقة العلمية في الرياضيات وعلوم الأعصاب من جهة، والانخراط في حقل العلوم السياسية والعمل المجتمعي من جهة أخرى، يقدّم أ. أحمد سليمان من بلدة المشهد، نموذجًا لرحلة معرفية متداخلة الأبعاد. في هذه المقابلة مع موقع “موطني 48″، نسلّط الضوء على محطات من تجربة سليمان، وتقاطعاتها العلمية والإنسانية.
موطني 48: بدايةً، نود أن تعطينا نبذة تعريفية عن نفسك، ومسيرتك الأكاديمية، وكيف بدأت رحلتك مع تخصص الرياضيات وعلوم الأعصاب إلى جانب العلوم السياسية؟
سليمان: بدأ تعلقي بالرياضيات منذ مرحلة مبكرة جدًا، وازداد هذا الشغف خلال دراستي لدرجة البكالوريوس في هندسة الإلكترونيات، إذ تتطلب دراسة الهندسة تعمقًا كبيرًا في الرياضيات والفيزياء. وبعد نيل الدرجة الأولى، أظهرت علاماتي تميزًا واضحًا في هذين المجالين، لذلك لم أتجه إلى سوق العمل في الهندسة، بل فضّلت مواصلة مشواري الأكاديمي. التحقت بدرجة الماجستير في الرياضيات التطبيقية في جامعة بار إيلان، وكانت من أصعب المراحل فيها اختيار المشرف الأكاديمي، خاصة أنني أتيت من خلفية هندسية وليس من مدرسة الرياضيات، وهو ما جعل الأمر أكثر تحديًا. وبعد جهد كبير، وفّقت إلى مشرفة وافقت على الإشراف على رسالة الماجستير، وكانت تلك محطة مفصلية في مسيرتي. نتائج الماجستير، وتوصية المشرفة، وموافقة كبار المحاضرين الذين حضروا مناقشة الرسالة، أهلتني للقبول في درجة الدكتوراه في الجامعة نفسها بمنحة كاملة. وكانت مشرفتي من المؤسسين لمدرسة علوم الأعصاب في الجامعة، حيث كانت تبحث في العلاقة بين الرياضيات والدماغ، واقترحت عليّ الانضمام إلى هذا المجال، خاصة أننا نعيش اليوم في ما يمكن تسميته “عصر الدماغ”، فوجدت نفسي منجذبًا إليه بشدة.
وبصفتي مدربًا لموضوع الرياضيات في المرحلة الثانوية ومعيدًا في الجامعة، كان يرافقني سؤال جوهري: لماذا لا يكون كل الناس عباقرة؟ وما الذي يميز الطالب الموهوب عن غيره من الناحية الجينية والبيولوجية؟ ولماذا يتفوق بعض الطلاب في الرياضيات بينما يصاب آخرون بالرهبة منها؟ من هنا بدأ مشواري الحقيقي في علوم الأعصاب والدماغ.
أما العلوم السياسية، فقد وجدت نفسي منجذبًا إليها طبيعيًا، لأن السياسة في بلادنا ليست شأنًا هامشيًا، بل جزء من تفاصيل الحياة اليومية. نحن نعيش السياسة في المسجد، وفي الأرض، وفي الذاكرة، وفي الهوية. لذلك اتجهت إلى دراسة العلوم السياسية في جامعة حيفا، إيمانًا مني بأن فهم الواقع لا يكتمل دون إدراك أبعاده السياسية والاجتماعية.
موطني 48: ما الذي جذبك لاختيار هذه التخصصات؟ وكيف ساهم هذا الدمج في تكوين رؤيتك؟
سليمان: الرياضيات بالنسبة لي لم تكن مجرد أرقام ومعادلات، بل طريقة لفهم العالم. هذا العلم يمنح الإنسان المنطق، والتفكير المنهجي، والقدرة على التحليل الدقيق، وقد كان له أثر كبير في تشكيل شخصيتي ورؤيتي للأمور. حتى أفلاطون كان يرى أن المدينة الفاضلة يجب أن يسكنها الرياضيون، لما تمنحه الرياضيات من اتزان عقلي ومنهجية في التفكير.
أما علوم الأعصاب، فجاءت امتدادًا طبيعيًا لهذا الشغف، خاصة مع البحث في العلاقة بين العقل البشري والقدرات الرياضية: كيف يعمل الدماغ؟ ولماذا يتفوق بعض الطلاب دون غيرهم؟ هذه الأسئلة دفعتني بقوة إلى هذا المجال.
وفي ما بعد، جاءت العلوم السياسية لأن الإنسان في بلادنا لا يستطيع أن يكون بعيدًا عنها. نحن لا نعيش السياسة كموضوع نظري، بل كجزء من الهوية والوجود اليومي، من الصلاة في المسجد الأقصى إلى قضايا الأرض والقرية والذاكرة.
هذا الدمج بين التخصصات منحني رؤية أوسع؛ فالرياضيات منحتني المنهجية، وعلوم الأعصاب منحتني فهمًا أعمق للسلوك الإنساني، والعلوم السياسية وسّعت إدراكي للسياقات الاجتماعية والتاريخية. هذا التكامل جعلني أكثر قدرة على قراءة الواقع بصورة شمولية.
موطني 48: ما أبرز التحديات التي واجهتك؟
سليمان: من أبرز التحديات كان الانتقال من الهندسة إلى الرياضيات البحثية، إذ لم يكن الأمر سهلًا، خاصة في مرحلة اختيار المشرف الأكاديمي، حيث يفضل كثيرون طلاب الرياضيات أنفسهم. احتجت إلى جهد كبير وصبر طويل لإثبات قدراتي. كذلك، الجمع بين أكثر من تخصص يتطلب إدارة دقيقة للوقت والطاقة، لكن الشغف الحقيقي يجعل الطريق أكثر احتمالًا.
دراسة الرياضيات أثرت بشكل مباشر على طريقة تفكيري، إذ جعلتني أكثر ميلًا للربط والتحليل المنطقي بدل التفاعل العاطفي المباشر. أما علوم الأعصاب فقد أضافت فهمًا أعمق للسلوك البشري وآليات اتخاذ القرار والانحياز والخوف، وهو ما ينعكس على قراءة المشهد السياسي والاجتماعي.
موطني 48: دورك في اللجنة الشعبية في بلدتك؟
سليمان: كنت دائمًا أخشى ما سماه إدوارد سعيد “خيانة المثقف لمجتمعه”. من هذا المنطلق، لم أرَ أن العلم يمكن أن ينفصل عن خدمة الناس. أسست مع مجموعة من الإخوة والأخوات اللجنة الشعبية في بلدة المشهد، بهدف متابعة القضايا المحلية والعمل على إيجاد حلول لها، سواء كانت اجتماعية أو خدماتية أو وطنية. استطعنا تحقيق نتائج ملموسة في عدد من الملفات، بعضها حُلّ بالكامل، وبعضها بشكل جزئي، لكن الأهم أننا رسخنا فكرة العمل الجماعي المنظم.
موطني 48: انعكاس انتمائك السياسي؟
سليمان: انضمامي إلى حزب الوفاء والإصلاح جاء نتيجة تقاطع واضح مع قناعاتي الفكرية والسياسية. لم يكن مجرد انتماء تنظيمي، بل مساحة للتثقيف السياسي عبر اللقاءات والمحاضرات والنقاشات. هذا ساهم في توسيع مداركي وتعميق فهمي للواقع، إذ إن الوعي السياسي ينعكس على شخصية الإنسان وطريقة تفكيره ونقاشه وتحليله للأحداث.
موطني 48: رسالتك للطلبة؟
سليمان: الجامعة ليست امتدادًا للمدرسة، بل فضاء لبناء الوعي والشخصية. أنصح الطلبة بالانخراط في العمل الطلابي والسياسي والاجتماعي، وعدم الاكتفاء بالدراسة الأكاديمية فقط. فالمشاركة في الفعاليات والنقاشات وصناعة المبادرات تساهم في صقل الشخصية وتوسيع الأفق. طلاب الجامعات هم قادة المستقبل، ومن هناك تبدأ ملامح التغيير الحقيقي.