ضغوط وتهديدات تلاحق رافضي التطبيع في أرض الصومال

ارتفع صوت عدد من علماء الدين في أرض الصومال (إقليم صوماليلاند غير المعترف به دولياً باستثناء إسرائيل)، رفضاً لإعلان الإقليم، الشهر الماضي، عزمه افتتاح ممثلية تابعة له في القدس المحتلة. فقد أثار الشيخ محمد علي كاريه المعروف بالدكتور كاريه، خلال خطبة الجمعة الأخيرة، جدلاً واسعاً، بعد أن شدد في الخطبة على تمسكه بمواقفه الدينية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والقدس المحتلة، مؤكداً أنه لن يتراجع عنها رغم ما وصفه بالضغوط والتهديدات.
وفي نبرة انتقادية، أشار الشيخ إلى ما وصفه بتزايد القيود على تناول بعض القضايا في خطب الجمعة، قائلاً إن الحديث عن القدس أو بعض الملفات السياسية والدينية بات يواجه تضييقاً. كما جدّد رفضه الاعتراف بإسرائيل، واصفاً إياها بأنها قوة احتلال للأراضي الفلسطينية، مؤكداً أن موقفه من هذه القضية “ثابت ولا يخضع للحسابات السياسية”.
وتطرّق كاريه إلى ما اعتبره تهديدات موجهة للأصوات المعارضة أو المنتقدة، محذراً من استخدام أساليب الترهيب ضد من يعبّرون عن آرائهم بشأن هذه القضايا. ويُعدّ كاريه من بين الأصوات الدينية التي تناولت علناً، خلال خطب الجمعة، ملفات تتعلق بالقدس والعلاقات المثيرة للجدل بين أرض الصومال وإسرائيل، في وقت تتحدث فيه تقارير محلية عن وجود توجيهات غير معلنة لتجنّب الخوض في بعض القضايا السياسية داخل المساجد.
في هذا السياق، أعلنت جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة في الصومال (سلفية)؛ لديها أتباع في الإقليم الانفصالي، رفضها القاطع لما تردد بشأن توجّه سلطات أرض الصومال نحو افتتاح ممثلية في القدس، معتبرة في بيان قبل أسبوع أن هذه الخطوة تمثل “انحرافاً خطيراً” عن ثوابت الأمة الإسلامية وموقفها التاريخي من القضية الفلسطينية.
وعبّرت الجماعة في البيان الصادر عن رئاستها العامة، عن استنكارها الشديد لأي مساعٍ للتطبيع مع إسرائيل، مؤكدة أن أي شكل من أشكال التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل يُعد، من وجهة نظر الجماعة، مخالفة صريحة للموقف الإسلامي تجاه الاحتلال والانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين، بما في ذلك القتل والتهجير والحصار.
ودعت الجماعة سلطات أرض الصومال إلى التراجع الفوري عن أي خطوات من هذا النوع، ومراعاة ما وصفته بـ”ثوابت الدين الإسلامي” واحترام مشاعر الصوماليين. كما ناشدت العلماء والدعاة توضيح الموقف الشرعي من التطبيع، وتسليط الضوء على تداعياته السياسية والدينية.
مواجهة منتقدي حكومة أرض الصومال
وهيمنت الانتقادات المحلية لحكومة أرض الصومال إزاء خطوتها نحو افتتاح سفارتها في القدس على أجواء البرلمان المحلي في هرجيسا عاصمة الإقليم، السبت الماضي، فيما دعا بعض النواب رئاسة البرلمان وحكومة الإقليم إلى تبني قرارات صارمة لمحاسبة العلماء الذين ينتقدون قرارات الحكومة المحلية. ووصفوا الخطابات التي صدرت عن عدة علماء، الجمعة الماضي، بأنها كانت منسقة، وتهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.
في هذا الصدد قال عبد الله الفاتح؛ الناطق باسم حزب “كاه” في أرض الصومال، إن خطوة حكومة الإقليم المتعلقة بفتح ممثلية لها في القدس، أثارت موجة واسعة من ردود الفعل المتباينة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.
وأوضح في تصريحات صحفية، أن شخصيات سياسية وقيادات مجتمعية وأطرافاً حزبية عدة عبّرت عن تحفظها ورفضها هذه الخطوة، باعتبارها تلامس ملفات سياسية وقانونية شديدة الحساسية والتعقيد. وفي رأيه فإن هذه الخطوة قد تترتب عليها تداعيات سياسية ودبلوماسية تتجاوز الإطار المحلي، لا سيما في ظل الطبيعة الخاصة لقضية القدس ومكانتها القانونية والسياسية على الصعيد الدولي، فضلاً عن ارتباطها بمواقف تاريخية وشعبية راسخة لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
وحول كيفية مواجهة الحكومة المحلية الانتقادات الداخلية والمخاوف المتعلقة بحدوث انقسام في الإقليم، اعتبر الفاتح أنه من حيث التعامل مع التداعيات المحتملة لهذه الخطوة، “فإننا نؤمن بأن المعالجة الرشيدة لا يمكن أن تقوم على التصعيد أو تبادل الاتهامات أو اللجوء إلى خيارات قد تزيد من حدة الانقسام الداخلي”.
وأضاف أن “المطلوب في تقديرنا، هو إطلاق حوار وطني جاد ومسؤول، يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين (في المجتمع)، بهدف مناقشة القضايا المصيرية ذات الأبعاد السياسية والدبلوماسية بشكل مؤسساتي ومنظم”.
ولفت إلى أنه “نرى أن معالجة مثل هذه الملفات ينبغي أن تتم في أجواء من المسؤولية الوطنية، بعيداً عن خطاب التخوين أو التشنج، وبما يحفظ تماسك الموقف الوطني ويعزز فرص الوصول إلى تفاهمات تخدم الاستقرار والمصلحة العامة”.
وعن موقف حزب “كاه” المتحالف مع حكومة الإقليم تجاه هذه الخطوة، رأى الفاتح أن موقف الحزب واضح وثابت يستند إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا، والالتزام بالقوانين والأعراف الدولية ذات الصلة، مع التأكيد على أهمية مراعاة انعكاسات أي خطوة سياسية على واقع البلاد وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
ردود فعل متباينة
من جهتها، اعتبرت الصحافية ليلى جامع، المقيمة في هرجيسا، أن ردود الفعل داخل المجتمع إزاء خطوة الإقليم، تظهر بشكل متباين، موضحة في تصريحات صحفية أن “هناك من ينظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءاً من استراتيجية سياسية واقعية تهدف إلى توسيع هامش الاعتراف الدولي وتعزيز الحضور الدبلوماسي، حتى وإن كانت مثيرة للجدل”، بينما ترى أطراف أخرى، وفق ليلى جامع، خصوصاً بعض التيارات الدينية والعشائرية، أن هذه التحركات تحمل حساسية خاصة نظراً لارتباط القدس برمزية دينية وتاريخية عميقة في الوعي العام، ما يجعلها قضية تتجاوز البعد السياسي إلى أبعاد قيمية وأخلاقية.
وفي رأيها فإن تزايد الاضطرابات بين المؤسستين الرسمية والدينية في أرض الصومال، لا تشير بالضرورة إلى انقسام سياسي حاد أو فوري، لكنها تعكس احتمال اتساع الفجوة في الخطاب العام، إذا استمرت القرارات الخارجية في التقدم من دون أن يترافق مع نقاش داخلي منظم. وأوضحت أن الإشكال لا يكمن في تعدد وجهات النظر بحد ذاته، بل في غياب إطار مؤسسي وإعلامي قادر على إدارة هذا التباين بطريقة تقلل من احتمالات الاستقطاب بين النخب والشارع، أو بين الخطاب الرسمي والقراءة المجتمعية.
وتعكس خطوة الإقليم معضلة كبيرة في القرار الخارجي لأرض الصومال، بحسب ليلى جامع، حيث تتحول السياسة الخارجية إلى أداة أساسية لبناء الشرعية الدولية، بينما تصبح في الداخل اختباراً لقدرة الدولة على الحفاظ على التماسك الاجتماعي. وفي هذا السياق، اعتبرت أن نجاح هذه التحركات لا يقاس فقط بمدى تأثيرها الخارجي، بل أيضاً بمدى قدرة الحكومة على صياغة سردية داخلية متوازنة تشرح هذه السياسات وتضعها في سياقها، بما يضمن الحد من التوترات ويعزز الاستقرار العام.
وبحسب مصادر صحافية إسرائيلية، من المتوقع أن يزور رئيس الإقليم عبد الرحمن عرو إسرائيل لافتتاح السفارة. وأفصحت إذاعة الجيش الإسرائيلي أواخر مايو/ أيار الماضي عن زيارة مرتقبة لرئيس أرض الصومال إلى إسرائيل منتصف يونيو/ حزيران الحالي، في أول زيارة رسمية له، ومن المتوقع أن يفتتح سفارة الإقليم في القدس، وفق تعبيرها.
وفي فبراير/شباط الماضي أعلن الإقليم الانفصالي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل، وقدم الأخير أوراق اعتماده، في 18 مايو الماضي، إلى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ. واعترفت إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وسط رفض صومالي وعربي وإقليمي.
